الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوراقنا الرابحة في المرحلة الوطنية القادمة ” نظرة استشرافية “

أوراقنا الرابحة في المرحلة الوطنية القادمة ” نظرة استشرافية “

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. على حد تعبير ادغار موران وهو احد أهم فلاسفة وعلماء فرنسا المعاصرين والمدير الفخري للأبحاث بالمركز الوطني للأبحاث العلمية وصاحب نظرية التعقيد وإستراتيجية الفكر المركب من أن العالم اليوم يعيش في قلب صيرورة حيث أن الأزمات تبدو لنا لا كحدث عارض داخل مجتمعاتنا، وإنما كنمط وجودي،”
ــــــــــــــــــ
العلاقة بين النظام السياسي والسياسات العامة، وتأثير هذه الأخيرة على البيئة الوطنية الداخلية بمختلف توجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك، والعلاقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة في الحاضر والمستقبل تتحدد بشكل كبير من خلال معرفة ادوار المؤسسات والقوى المكونة للنظام السياسي الرسمية وغير الرسمية في صنع السياسات العامة ومدى تأثيرها على البناء المجتمعي والتنموي، فالسياسات العامة من حيث الرسم والتنفيذ والتقييم هي نتاج أداء تلك المؤسسات، وترتبط بشكل مباشر وغير مباشر بدور تلك المؤسسات في الحياة المجتمعية والتنموية، وعلى ضوء ذلك الأداء تتحقق درجة نجاح السياسات العامة في تحقيق أهداف ومتطلبات المصلحة العامة.
بالتالي فان النجاح أو عدم النجاح في تحقيق تلك المتطلبات هو الذي يظهر تباين الأنظمة السياسية في كيفية ممارسة مؤسساتها عند صنع سياساتها العامة، والملاحظ في هذا السياق العام، بأن معظم المؤسسات الحكومية اليوم تؤدي مهمات عديدة ومتنوعة آخذة في التعقيد على نحو متزايد، وفي بيئات تنافسية آخذة في التغيير بشكل متسارع، نتج عن ذلك أزمات وتحديات آخذة في التطور بطرق متجددة، ما اثر بشكل عميق وقوي على العلاقة بين تلك الأنظمة السياسية والمواطنين، وانعكس بدوره سواء كان سلبا او إيجابا على ذلك الواقع.
تلخص الفقرات السابقة وبطريقة موجزة وبسيطة ما الذي ستقبل عليه حكومات القرن 21، وما هي ثلاثية الأوراق الرابحة الواجب امتلاكها وتوفرها لنيل بطاقة التأهل للدخول، ومن ثم الثبات، وأخيرا المنافسة على حجز مقعد في قطار المستقبل، حيث لم تعد تقتصر مسؤوليات ومهام ووظائف المؤسسات العامة للدولة أو الحكومة على البقاء مقيدة بعربة الضرائب، أو تقديم خدمات عامة تقليدية محددة الأنماط لمواطنيها أو المستفيدين من خدماتها كما هو معمول به في اغلب الحكومات المركزية البيروقراطية، أو إدارة البرامج الخاصة بضمان الحاضر الراهن لاستمرار بقاء الدولة وحياة مواطنيها والمقيمين عليها، بقدر ما باتت مطالبة بالاستثمار في المستقبل من اجل الحاضر القائم والمستقبل القادم، ووضع خطط إستراتيجية مستقبلية تقوم مقام الضمانات الوطنية لمستقبل مواطنيها بمختلف شرائحهم وأجيالهم القائمة وتلك القادمة من جهة، وأخرى للاستقرار والأمن بمختلف المستويات والجوانب الحياتية والوطنية من جهة أخرى.
كما لم يعد كافيا أن تقوم مؤسسات القطاع العام بتقديم خدمات محددة المعالم والأهداف والتكاليف، أو الاكتفاء بتقليل التكاليف على حساب الجودة، أو الجودة على حساب الوقت، حيث أن الغالبية العظمى من الطبقات المستفيدة من خدمات القطاع العام حصلت على تعليم متقدم وثقافة عالية جعلتها تدرك تمام الإدراك لطبيعة تلك التحولات والمتغيرات المحيطة ببيئة التنافسية الداخلية أو الخارجية، وتأثير ذلك على نوعية وشكل الخدمات التي يفترض أن تحصل عليها مقابل التكاليف والضرائب التي تدفعها للحكومة، وخصوصا عندما تكون على دراية بأن تلك الخدمات كانت ستصبح أفضل بكثير مما هي عليه اليوم لو سلمت للقطاع الخاص في ظل البيئة التنافسية الحتمية التي يعيشها ، وهو ما رفع سقف الامتعاض والغضب في كثير من الأوقات على تلك الخدمات العامة ذات النوعية غير المتناسبة مع الأسعار أو التكاليف والضرائب التي تقوم بدفعها للحكومة.
يضاف الى ذلك الكم الهائل من الأزمات والتحديات والعقبات بمختلف أشكالها وأنواعها والتي تواجه اغلب الحكومات – خصوصا حكومات الدول النامية – وعلى حد تعبير ادغار موران وهو احد أهم فلاسفة وعلماء فرنسا المعاصرين والمدير الفخري للأبحاث بالمركز الوطني للأبحاث العلمية وصاحب نظرية التعقيد وإستراتيجية الفكر المركب من أن العالم اليوم يعيش في قلب صيرورة حيث أن الأزمات تبدو لنا لا كحدث عارض داخل مجتمعاتنا، وإنما كنمط وجودي، والواقع انه ينبغي ربط الفكرتين، فكرة أن الأزمة قد أصبحت هي نمط وجود مجتمعاتنا، وفكرة كون التقدم يحمل في نفسه خاصية ازماتية: ففي ثنايا تطوره المتغير والمتسارع ينطوي تقدم الأمم ، واذكر هنا ما قاله انطونيو نيغري من أن الأزمة ليست نقيض التقدم وإنما هي صورة ذاته.
عليه فان الحكومات اليوم – اقصد تلك التقليدية في بنائها، البيروقراطية في إدارتها، الكلاسيكية في أفكارها ـ وأمام هذا الطوفان المتوقع والحتمي من التوجهات الكونية الكبرى والكوارث التي ستشكل المستقبل خلال السنوات القليلة القادمة لا حل أمامها ولا وسيلة سوى التغيير الهادف والممنهج نحو التحول إلى حكومات مستقبلية قادرة على مواجهة تلك المشاكل والكوارث القابلة للتحول إلى أزمات خطيرة، وتوقعها واحتواء ما يمكن احتواؤه من تبعاتها وانعكاساتها السلبية فيما يطلق عليه بحكومات “التوقع” أو ” الوقاية “، وهي حكومات مستقبلية لا تقتصر أدوارها على محاولة منع المشاكل وعلاجها بعد وقوعها، بقدر عملها على توقعها وبناء سيناريوهات مستقبلية حولها بهدف احتوائها والوقاية منها، فالوقاية كما يقال خير من العلاج.
إذا وباختصار شديد فإن حكومات المستقبل هي تلك الحكومات التي ستتمكن بطريقة أو بأخرى من خلال أدوات محددة من مواكبة المتغيرات والتحولات التي ستطرأ على البيئة الحكومية في المستقبل القريب والبعيد، بداية من زيادة التعقيد في المهمات والواجبات الموكلة إليها، إلى ارتفاع سقف المنافسة والتحدي على مختلف الجوانب الحياتية والأصعدة المحلية منها والإقليمية والدولية وبشكل سريع جدا ولا يقبل التوقف ولو لثانية من الزمن، وفي مقدرتها وإمكانياتها واستراتيجياتها على احتواء الأزمات والمشاكل التي ستواجهها في ذلك الطريق الشاق.
كما يتأكد لنا من خلال المعطيات السابقة بأن المستقبل سيكون كذلك لتلك الحكومات والمنظمات والمؤسسات العامة والخاصة التي ستحارب مركزية السلطات والصلاحيات وتعقيد القوانين، وستهدم حالات التسلسل الهرمي والبدانة الرسمية، وستركز على الجودة النوعية، والاقتراب من مواطنيها أو بمعنى آخر المستفيدين من خدماتها، وستقدر على التحول من البيروقراطية التقليدية إلى الريادة في الأفكار والتوجهات والاستراتيجيات واختيار القادة المناسبين والمبدعين لحملها والتقدم بها إلى الأمام ، وستتخلص من المبادرات العتيقة التي عفا عليها الزمن كما هو حال مؤسساتها والقائمين عليها من المسئولين والإداريين، ومستعدة لان تعمل أكثر بموارد اقل ، كل ذلك بهدف المحافظة على مكانتها وثبات بنائها، ومن ثم التنافسية في السوق العالمية.
اذا ومن خلال سياق ما تم الإشارة إليه حول ملامح التحديات والعقبات التي يمكن ان تواجه الأنظمة السياسية ومؤسساتها وسياساتها العامة في الحاضر والمستقبل، وفي كيفية احتواء التأثيرات السلبية لهذه الأخيرة على العلاقة بين تلك الأنظمة السياسية ومؤسساتها العامة بالمواطنين والمستفيدين من خدماتها، نطرح السؤال التالي، ما هي النقاط الرئيسية وابرز المبادئ التي يمكن ان تحدد الأوراق الرابحة لتوجيه السياسات العامة للدولة نحو برالأمان والاستقرار والنجاح المستقبلي في ظل هذا الكم الهائل من التحديات والعقبات والمتغيرات والضغوط الجماهيرية، ويجب التركيز عليها ” وطنيا ” خلال المرحلة الزمنية القائمة؟ وللإجابة على هذا السؤال الذي بكل تأكيد يحتاج الى بحوث ودراسات معمقة وموسعة، يمكن القول مبدئيا – وعلى سبيل الأولوية لا الحصر – ودون التعمق في التفاصيل ومن وجهة نظري الشخصية، وبكل إيجاز واختصار بأننا نحتاج الى التركيز على الأوراق الرابحة التالية:
(1) اختيار قيادات صالحة لإدارة المرحلة الوطنية: مما لا شك بان اختيار القيادات المناسبة كما نؤكد دائما هو السبيل الوحيد للحصول على القرارات المناسبة، فإذا نجحنا في تحقيق الهدف الأول فإننا سننجح تلقائيا في الوصول الى الهدف الثاني وبكل يسر وسهولة، وباختصار فان المرحلة الوطنية الراهنة تحتاج الى معايير قيادية خاصة لابد ان تتوفر في القيادات سواء كانت السياسية منها او تلك التي يمكن ان يوجه لها دور الإدارة والتخطيط المستقبلي للبلد والاستشارة وتوجيه مسار الحاضر والمستقبل الوطني – مجلس التخطيط والمستشارين في الدولة – ومن أهم ما يمكن الإشارة إليه هنا، هو ضرورة البعد عن معايير القبلية السياسية او الاختيارات العاطفية والعشوائية او المحاباة الإدارية، بل لابد من التركيز على ان تكون تلك القيادات من وجهة نظري الشخصية قيادات- تكنوقراط – ذات محصول جيد من الانجازات العلمية والأكاديمية والفكرية والمشاركة المجتمعية، ولها قبول – كاريزما الشخصية – تعكس إمكانيات شخصية وقدرات إدارية وفكرية يمكن من خلالها دعم ما نطلق عليه بالثقة في مؤسسات الدولة، والاهم في هذا السياق ان تكون قيادات ميدان، تتابع ما أوكل لها من عمل من ارض الواقع – النزول الى الميدان – وليس اعتمادا على التقارير الورقية وما ينقل لها عبر الموظفين.
(2) تقنين التغيير في مناصب القيادات السياسية: والمقصود بالقيادات السياسية هي السلطة التنفيذية، فبقاء القادة السياسيين على رأس أي نظام سياسي لفترة معقولة مؤشر للاستقرار السياسي وليس العكس، ويعد التغيير المتلاحق والسريع في المناصب القيادية أحد مؤشرات عدم الاستقرار السياسي، ولكن وهو ما نؤكد عليه هنا، انه يجب أن نتنبه الى أمرين في هذا السياق أولهما: ان يقترن ذلك برضا الشعب وان كان ذلك معيارا صعبا بعض الشيء، ولكن يمكن القول ان القبول الاجتماعي المجمع عليه على اقل تقدير ، بالإضافة الى معيار العمل في سياق المصلحة العامة وهو ما يمكن كذلك الاستدلال عليه من خلال أسس وضوابط إدارية ورقابية ومجتمعية هو من ابرز المؤشرات الى الحاجة الى التغيير من عدمه، وثانيا: التنبه إلى ان بقاء تلك القيادات لفترات زمنية أطول من اللازم يمكن ان يؤثر سلبا على عطائها وأدائها وقدرتها وكفاءتها الإدارية والميدانية .
(3) شفافية الخطط الحكومية: من ابرز معايير الرضا الاجتماعي وتوطيد أركان الثقة في مؤسسات الدولة وكذلك إبقاء تلك المؤسسات في دائرة المشاركة الاجتماعية وهذه الأخيرة من ضرورات العمل الديموقراطي في القرن 21 شفافية الخطط الحكومية، والذي يجب ان يبرز مصداقيته وشفافيته إعلاميا مع بداية كل سنة، وذلك من خلال الإعلان عن توجهات ومخططات كل ( وزارة خدمية ) بوجه خاص وطرحها إعلاميا للرأي العام ، وهو ما يمكن ان يحقق النقاط سالفة الذكر، وكذلك يضع المجتمع كشريك وداعم للأجهزة الرقابية للدولة – كجهاز الرقابة ومجلس عمان وغيرها من الأجهزة والمؤسسات ذات الصلة – على مخططاتها وتوجهاتها ، وهو ما نطلق عليه بمصطلح الرقابة المجتمعية او الجماهيرية، ما يمنح كذلك تلك المؤسسات العامة ثقة المجتمع ودعمه، ويعد معيارا لإمكانية تمديد الفترة الزمنية للقائد السياسي وللمسئول من عدمه في الأجهزة التنفيذية والتخطيطية والرقابية في الدولة.
(4) تقاسم مسؤولية القرارات الوطنية: جل الأنظمة السياسية حول العالم باختلاف أشكالها وأنواعها واتجاهاتها الفكرية تحتاج الى مساندة ودعم شعوبها في ما تتخذه من قرارات وتوجهات وسياسات تنموية قائمة او قادمة، وسواء كان ذلك على مستوى قراراتها الداخلية او الخارجية، لأنها بدون ذلك الدعم الجماهيري من قبل مواطنيها ستبقى مهددة ومعرضة لخطر السخط والامتعاض والريبة والشك في أفكارها وتوجهاتها الراهنة والمستقبلية دائما، ما يمكن ان يؤدي مع الوقت الى فقدانها لدعم وتأييد الشرعية الجماهيرية القائمة أصلا على ثقة المواطنين بها، وبدون تلك الثقة تفقد الأنظمة السياسية والحكومات شرعية مهمة، بل غاية في الأهمية في القرن 21 ، الا وهي الشرعية الجماهيرية او الشعبية، لأنها وبدون تلك الشرعية تعرض نفسها ومواطنيها لخطر الاختراقات والتدخلات الخارجية، نتيجة ضعف الحصانة الداخلية، وهذه الأخيرة تنتج دائما نتيجة ارتفاع منسوب الشك والريبة وعدم الثقة بين المواطنين وحكومتهم وبالتالي نظامهم السياسي ككل.
ونحن هنا لا نقصد مشاركة جميع المواطنين في صناعة منظومة القرارات الوطنية، بل يكفي في هذا السياق مشاركة البعض ما يعبر عن سلامة العمل والتوجهات الديموقراطية في البلد، ونقصد بالبعض هنا أعضاء مجلس الشورى وأعضاء مجلس الدولة وأعضاء المجالس البلدية، وأضيف إليهم كذلك ضرورة اختيار قيادات مجتمعية وخصوصا من فئة الشباب المتعلم – ذكورا وإناثا – وممثلين عن بعض مؤسسات المجتمع المدني ، يتم انتقاؤها بعناية وأمانة للتشارك في طرح أفكارها في اجتماعات موحدة سواء تم عقدها عن طريق المحافظين او الولاة في الولايات ويتم رفع تقارير واضحة وشفافة بما تم فيها من أفكار ومقترحات وآراء الى الجهات المعنية بتحويل ما يطرح في تلك المحافل والاجتماعات الى أفكار واضحة ومدروسة تنفع الصالح العام ، وكذلك وهي نقطة مهمة عدم تهميش ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغض النظر عن مصداقيته ، يضاف الى ذلك ان مثل هذا النوع من التوجهات السياسية والديموقراطية المعاصرة يخفف من حمل المسؤولية الحكومية بالتقاسم والتشارك مع بقية مؤسسات المجتمع المدني والمواطنين من خلال ما نطلق عليه بتشاركية القرار السياسي.
(5) العمل على بناء وتعزيز منظومة رقابة وطنية قوية لا تنحصر في الرقابة المالية والإدارية، بل تشمل القرارات والتوجهات والتخطيط، حيث ان الرقابة الوقائية خير من الرقابة العلاجية، وبمعنى أخر الانتقال من رقابة المعاملات الى رقابة القرارات ، يضاف الى ذلك ضرورة البناء المؤسساتي الرقابي غير الرسمي، ويتلخص في مساهمة المؤسسات الشعبية الرقابية المؤهلة للقيام بهذه المسؤولية الوطنية كشريك لرقابة الدولة على مؤسساتها.
* بتصرف عن كتاب الدولة المطمئنة ، وكتاب القيادة والحكم الراشد

إلى الأعلى