الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة ك اتفاقية التنمية العالمية الجديدة بين الواقع والمأمول

أضواء كاشفة ك اتفاقية التنمية العالمية الجديدة بين الواقع والمأمول

عندما اجتمعت الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة عام 2000 فيما يعرف بـ”قمة الألفية” وأقرت ما أسمته “إعلان الأمم المتحدة للألفية” والذي يهدف للنهوض بالدول الفقيرة وتوفير التنمية المستدامة حول العالم كان يحدوها الأمل في أن تتحقق تلك التنمية خلال الخمسة عشر عاما المقبلة أي بحلول عام 2015 .. فوضعت أهدافا ثمانية رئيسية يتبعها 18 هدفا فرعيا و48 مؤشرا لقياس الجهود التي تبذلها الدول لتنفيذ ما يعرف باسم “الأهداف الإنمائية للألفية” ومعرفة النتائج الملموسة التي تحققت في مجال التنمية المستدامة المنشودة مثل القضاء على الفقر والجوع وتوفير التعليم الابتدائي الشامل والمساواة بين الجنسين وضمان الاستدامة البيئية وإقامة شراكة عالمية من أجل التنمية وغير ذلك من الأهداف .. ولا يقتصر ذلك على مدى الجهود المبذولة من قبل الدول النامية فقط وإنما أيضا يقيس مدى استجابة الدول الغنية في تمويل برامج التنمية.
وبعد أن أوشك 2015 على الانتهاء .. هل تحققت الأهداف الإنمائية للألفية؟.
بالتأكيد لا .. وذلك لعدة أسباب يعرفها الجميع يأتي على رأسها الحروب والصراعات التي ساعدت بشكل كبير في انتشار الفقر والجهل والمرض وتدمير البيئة .. كذلك زيادة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينتج من استخدام الوقود الأحفوري ويزيد من ظاهرة الاحتباس الحراري التي أدت إلى تزايد نسبة الكوارث الطبيعية والتي بدورها تقضي على مظاهر التنمية والتطور .. بالإضافة إلى تقصير الدول الغنية والمتقدمة اقتصاديا وفي مقدمتها أميركا في الالتزام بتسديد حصتها في المعونة الإنمائية والتي تقدر بتخصيص 7% من الناتج المحلي الإجمالي .. إلى جانب أن ما تم تحصيله من تلك المعونات الإنمائية تم توجيه جزء كبير منها لتخفيف عبء الديون على الدول الفقيرة وبقية الأموال قدمت على شكل مساعدات عسكرية وأخرى لمواجهة الكوارث الطبيعية وبالتالي لم توجه لتنمية الدول وتحقيق الأهداف المنشودة على أرض الواقع.
الآن وبعد 3 سنوات من المفاوضات الشاقة رسم زعماء 193 دولة حول العالم خارطة عالمية جديدة للتنمية المستدامة وأقروا اتفاقية يتم تنفيذها خلال 15 عاما مقبلة كبديل للاتفاقية الأممية السابقة ووضعوا 17 هدفا رئيسيا و169 فرعيا للتنمية المستدامة وحل مشاكل العالم الصعبة مثل الفقر وعدم المساواة بين الجنسين والتغير المناخي وخفض معدل وفيات الأطفال ومكافحة الفساد وتوفير التعليم والصحة للجميع وتعزيز دور المرأة ومكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري ووقف إزالة الغابات وتوفير فرص العمل وحماية موارد البحار وغير ذلك من الأهداف التي ترتقي بالدول وتأخذ بيدها نحو الاستقرار والنمو.
السؤال الذي يفرض نفسه .. في ضوء عدم تمكن الدول من تنفيذ الاتفاقية السابقة بأهدافها التي تقل بشكل كبير جدا عن مثيلتها الجديدة هل ستستطيع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة المنشودة الجديدة ؟.
لاشك أن هناك الكثير من التحديات تقف حجر عثرة في طريق تحقيق التنمية المستدامة ولكي يتم تنفيذ الأجندة المنشودة يجب أن يتم التعامل مع المشاكل بشفافية ومراقبة مراحل التنفيذ بجدية وصدق ومحاسبة من يقصر في أداء دوره وفرض عقوبات معينة على كل من لا يلتزم بمهامه لأن الأمر لم يعد يحتمل إطلاق الشعارات والوعود الزائفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع خاصة أن تكلفة الأهداف الجديدة قدرت بثلاثة تريليونات دولار.
إن المهمة ثقيلة فعدد الأهداف (169) كبيرا ويحتاج إلى متابعة شديدة ودقيقة من قبل الحكومات ولا يجب أن تؤدي هذه الكثرة إلى تشتت القائمين عليها ودخولهم في متاهة .. فإذا كانت إدارة كل هذه الأهداف صعبة في ظل الموارد والإمكانيات المتاحة إلا أنها ليست مستحيلة ولكنها تحتاج لإخلاص النية والعقل الرشيد والبعد عن المصالح الشخصية ومراعاة مصلحة الشعوب والبيئة والأرض جميعها لأن هذه الغايات لا تصب في صالح الدول الفقيرة فقط بل كافة دول العالم.
إن الشعوب حول العالم تحلم باليوم الذي تتحقق فيه أهدف التنمية المستدامة فيتحسن مستوى معيشة الفرد ويعم الاستقرار والأمان والرخاء أرجاء الأرض .. فهل سيحمل عام 2030 الرخاء والتنمية لتلك الشعوب العطشى للاستقرار ؟.. إنه أمل لو تعلمون عظيم.

* * *
احذروا إدمان “السيلفي”
منذ أن تم اختراع الكاميرا في الهاتف النقال لم يقتصر استخدامها على الطرق التقليدية للتصوير فقد اجتاحت الشباب بل والكبار والصغار أيضا بدعة جديدة فيما يسمى بالصور السيلفي التي تحولت إلى هوس ينذر بتحوله لمرض نفسي .. فلا يكاد يمر الإنسان بمكان كالمولات التجارية والأسواق والحفلات والشوارع أو حتى المنازل والحمامات إلا ويجد شبابا يلتقطون صورة سيلفي يوثقون من خلالها المكان أو الحالة أو اللحظة التي يعيشونها .. كما ظهرت عصا أو حامل السيلفي لتزيد الأمور تشويقا وسهولة عند التقاط الصور في أماكن غير تقليدية.
ولم يعد يقتصر التصوير على الأحداث التقليدية فقط أو ما يمر به الإنسان من مواقف طريفة بل تحول السيلفي أحيانا إلى فضيحة اجتماعية أو مقلبا بين الأصدقاء وأصبح البطل الرئيسي لكثير من القصص الإخبارية التي نراها على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي ما بين أطرف أو أغرب أو أسوأ أو أجمل سيلفي وغيرها.
الغريب أن هوس السيلفي وصل بالبعض لالتقاط الصور بجانب الموتى أو بعض الحيوانات أو في أماكن غريبة كناطحات السحاب وأعلى قمم الجبال أو عند القفز من الطائرة أو أثناء الهروب من النيران المشتعلة في المنزل أو حتى عند الانتحار .. كما تطور إلى فيديو السيلفي الذي يصور فيه الإنسان الكوارث اليومية التي يتعرض لها وهو ما يجعلنا نتساءل ما الذي يدفع هؤلاء الشباب للمبالغة في التقاط الصور أو الفيديو سواء بداع أو بدون داع بمفردهم أو مع أصدقائهم وأهلهم؟.
لقد شخّص علماء النفس إدمان السيلفي على أنه نوع من أنواع الاضطراب النفسي الذي من شأنه أن يتطور إلى مرض نفسي إذا لم يتدارك الإنسان نفسه ويقلع عن هذه التقليعة الغريبة .. ووصفوه بأنه أناني مغرور متعال يشعر بحاجته للتفوق على الآخرين ويكره النقد والتجاهل ويعاني من الفراغ العاطفي.
المؤسف أن كثيرا من فيديوهات السيلفي التي تسجل أثناء وقوع الإنسان في موقف محرج أو كارثي تعرض حياته للخطر لأنه لولا شغفه بتوثيق الحدث لدوافع غير منطقية لكان بإمكانه تلافي خسائر فادحة تحدث في الثواني الفاصلة أثناء وقوع الحدث والتي قد تكون فاصلة بين حياته وموته .. بل أحيانا يشكل السيلفي ذاته خطرا على حياة الإنسان عندما يحاول التقاط الصورة وهو في موضع خطر كأن يكون معلقا على أحد الكباري أو نافذة في ناطحة سحاب شاهقة أو بجوار حيوان مفترس وغيرها كما نراه في كثير من مقاطع الفيديو المنتشرة على الانترنت.
الطريف أنه في بعض الأحيان يكون للسيلفي فائدة كأن يتخد دليلا لتوثيق جريمة أو ما شابه فيساعد المحققين في التوصل إلى الجاني أو الحقيقة في بعض الحوادث.
السؤال الذي يفرض نفسه كيف من الممكن أن نستفيد من صيحة السيلفي فيما يعود على المجتمع بالخير ويبعد عن الشباب الأمراض النفسية ؟.
لا شك أن التوعية هي أهم وسائل تجنب الآثار السلبية للسيلفي من انتشار الأنانية والنرجسية خاصة أن معظم من يقوم بهذا الفعل يهدف إلى نيل استحسان الآخرين ورضاهم وأحيانا استغرابهم وهذا ما يجب أن نوجهه لتحسين صورة المجتمع ككل فنوضح لهؤلاء الشباب أنهم جزء من هذه الصورة لذلك يجب أن يكونوا واجهة مميزة وإيجابية تعكس ما يمتلكه وطنهم من طاقات بناءة .. فالتقليد واللهث وراء الموضة لا يمت للحضارة والتقدم بصلة بل هو ردة للخلف ورجعية لأن الإبداع هو ما يقودنا للأمام وليس التقليد الأعمى الذي لا طائل من ورائه.
نحن لا ننكر على الإنسان حقه في توثيق اللحظات الجميلة والذكريات الحلوة ولكن هذا لا يجب أن يكون بشكل مبالغ فيه أو أن القصد من ورائه التفاخر والتباهي بل يجب أن تكون في حدود المعقول حتى لا يهم من ورائها بأن هذا الإنسان مجنون سيلفي.
إن تقدير المجتمع للإنسان ليس بمقدار ما يتخذه من صور سيلفي يرفعها على موقعه الإلكتروني يظهر فيها أناقته ومظهره الجديد أو النيولوك الذي يسعى للحصول على أكبر عدد من مشاركات “اللايك” عليها بل بمقدار ما يبدعه ويقدمه لمجتمعه من خدمات تظهر جوهره الحقيقي وعقليته الراجحة التي تقوم بنشر المحبة ومساعدة الغير والسعي في الخير .. ساعتها سيشعر بقيمته في الحياة ويتولد لديه الرضا والقناعة واحترام الذات الذي بالتأكيد سيبعده عن السيلفي.

* * *
آخر كلام
يقول الشاعر جبران خليل جبران “لا تجعل ثيابك أغلى شيء فيك حتى لا تجد نفسك يوما أرخص مما ترتدي”.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى