الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاتفاق الأخير.. فرصة لخروج ليبيا من أزمتها

الاتفاق الأخير.. فرصة لخروج ليبيا من أزمتها

” منذ أكثر من عام تشهد ليبيا حالة من الانقسام حيث تخضع العاصمة طرابلس لسيطرة تحالف من الفصائل المسلحة يعرف باسم فجر ليبيا يتكون من الاسلاميين وجماعات مسلحة من مدينة مصراتة في غرب ليبيا ومجموعات مسلحة مرتبطة بالأقلية البربرية. وأعلن هذا التحالف حكومة من جانب واحد وأعاد البرلمان السابق المعروف باسم المؤتمر الوطني العام بقرار من المحكمة العليا،”
ـــــــــــــــــــــــــ
تمر ليبيا بمنعطف خطير، فبعد سنوات من الانقسام والقتال بين الفريقين المتصارعين في طرابلس وطبرق، أسفرت أشهر من المفاوضات بوساطة أممية عن التوصل الى اتفاق، تحاول حفنة من الطرفين عرقلته لتستمر البلد في حالة الانقسام والحرب التي يمكن أن تعصف بمستقبل البلد.
تعاني ليبيا ـ العضو بمنظمة البلدان المصدر للنفط(اوبك) ـ من انقسامات عميقة بسبب المعارك المستمرة بين الفصائل المتصارعة التي أعقبت سقوط معمر القذافي عام 2011. ويترتب على هذا القتال المستمر تعطل إنتاج ليبيا من النفط الذي كان قويا ذات يوم كما أن احتياطياتها من النقد الأجنبي تتبدد بينما يتعاظم فيها تنظيم الدولة الاسلامية(داعش) كما يستغل مهربو البشر الفوضى في غمر أوروبا بطوفان من المهاجرين غير الشرعيين خاصة من افريقيا.
منذ اكثر من عام تشهد ليبيا حالة من الانقسام حيث تخضع العاصمة طرابلس لسيطرة تحالف من الفصائل المسلحة يعرف باسم فجر ليبيا يتكون من الاسلاميين وجماعات مسلحة من مدينة مصراتة في غرب ليبيا ومجموعات مسلحة مرتبطة بالاقلية البربرية. وأعلن هذا التحالف حكومة من جانب واحد وأعاد البرلمان السابق المعروف باسم المؤتمر الوطني العام بقرار من المحكمة العليا، بينما لا تعترف الامم المتحدة وكثير من بلدان العالم بشرعيته وذلك لانتهاء ولايته، وان كان يحظى بدعم قطر وتركيا. ويتمثل الهدف المعلن لفجر ليبيا في محاربة عودة عناصر نظام حكم معمر القذافي.
بينما تمارس الحكومة الليبية المعترف بها دوليا والبرلمان المنتخب عملهما من مدينة طبرق شرق ليبيا يهيمن عليها المناهضون للاسلاميون وتتشكل من تحالف يشمل اللواء خليفة حفتر الذي خدم في جيش القذافي الى جانب مقاتلين معارضين سابقين وقوات اتحادية. وقد انتهت قانونا ولاية مجلس النوات المنتخب في 20 اكتوبر2015. وعلى الرغم من تصويت المجلس بتمديد ولايته حتى يسلم المسؤولية للمجلس المنتخب القادم، إلا ان معارضيه يقولون إنه فقد شرعيته. وتدعم مصر الحكومة المعترف بها دوليا وربما يكون موقفها اذا فشل اتفاق الأمم المتحدة حاسما. وفي فبراير الماضي شنت القاهرة ضربات جوية على معسكرات لإسلاميين متشددين داخل ليبيا قرب حدودها. كما تدعم الامارات العربية المتحدة تلك الحكومة ايضا.
وشن خليفة حفتر عملية عسكرية دون تفويض باسم « عملية الكرامة» في عام 2014 لطرد مليشيات الإسلاميين من بنغازي وإنهاء موجة من العنف والاغتيالات كانت قد ضربت المدينة وقتها. ولكنه لم يقف عند ذلك الحد. بل حاول نقل الحرب إلى طرابلس والإطاحة بالحكومة وفصائلها الإسلامية. وقد ساهم ذلك في تقسيم البلد. وهناك من يرى ان حفتر قد ذهب إلى أبعد مما ينبغي في وصمه المليشيات الأكثر اعتدالا بالإرهاب. وانتقاداته واضحة للإسلاميين السياسيين من كل شاكلة ولون. فقد قال إن هناك ثلاثة خيارات لهم « إما جوف الأرض أو السجن أو الخروج من ليبيا”. ويعبر بعض القادة في صمت عن عدم الرضا عن طموحات حفتر السياسية وافتقاره إلى الكفاءة العسكرية وأنهم يشاركون على مضض في الحملة العسكرية التي يقودها. بل ان البعض في تحالفه يخشى من أنه إذا لم تتشكل حكومة وحدة، فان حفتر قد يستغل انتهاء تفويض مجلس النواب في طبرق ويشكل حفتر مجلسا عسكريا لحكم الشرق (الليبي) أو لممارسة سلطة أكبر خلف الكواليس. وفي الحقيقة فان العديد من القوات المناصرة لحفتر هي مجموعات مسلحة من سكان الاحياء، حيث اتخذ الصراع في بعض المناطق طبيعة عائلية بل وحتى عرقية ضارية حيث اتسم بتصفية بعض الحسابات القديمة بين القبائل العربية البدوية في الشرق وعائلات من غرب ليبيا بعضها له صلات بعيدة بتركيا. ويقال أن السلفيين المتشددين هم من بين أكفأ المقاتلين في صفوف قوات حفتر. وهؤلاء أيضا يقاتلون من باب التضامن المحلي وأحيانا القبلي مما يدحض فكرة أن الحرب التي يقودها حفتر هي في اساسها بين العلمانيين والإسلاميين. وفي علامة على التشرذم داخل هذا الحلف انشق ابراهيم الجضران قائد القوات الاتحادية الذي يسيطر رجاله على مرفأين نفطيين رئيسيين عن ذلك التحالف الذي يقوده حفتر الشهر الماضي. وحتى الآن فإن كل اعلانات عملية التحرير الواردة بشأن بنغازي او طرابلس التي تعلنها الجماعات المسلحة التي يقودها حفتر قائد الجيش الموالي لحكومة طبرق فشلت في تحقيق اي تقدم عسكري ملموس. ويتواصل القتال في بنغازي. فالصواريخ وقذائف المدفعية تتساقط في الضواحي بالقرب من المطار والطائرات تخترق الأجواء والمدارس والجامعات مغلقة وحجرات الدراسة مملوءة بالأسر النازحة بدلا عن الطلاب. كما أن انقطاع الكهرباء شيء معتاد. ويقول الجيش إنه يواجه جيشا متعصبا ومخادعا ومعززا بالمقاتلين الأجانب وشحنات الأسلحة التي تصل بالقوارب من بلدة مصراته الغربية المتحالفة مع حكومة طرابلس.
وقد سعى بيرناردينو ليون المبعوث الاممي الخاص بليبيا الذي تنتهي مهمته في 6 نوفمبر الجاري للتوصل الى اتفاق بين الفصائل الليبية الرئيسية بهدفين: وقف اطلاق النار وتشكيل حكومة وحدة وطنية. وفي 9 اكتوبر المنصرم، اقترحت البعثة الاممية تشكيلة حكومة وفاق وطني برئاسة فايز السراج، على ان تقود مرحلة انتقالية لمدة عامين تبدا من 20 اكتوبر المنفك. ويدعو اتفاق اقتسام السلطة الذي وضعته الأمم المتحدة الى تشكيل مجلس تنفيذي على أن يظل مجلس النواب الحالي المجلس التشريعي الرئيسي بينما يؤسس مجلس أعلى للدولة ليكون مجلسا تشريعيا ثانيا له دور استشاري ويتكون في معظمه من أعضاء المؤتمر الوطني العام.
وفي الحقيقة فقد قطعت اطراف التفاوض الليبية في مدينة الصخيرات المغربية بوساطة الامم المتحدة شوطا كبيرا، حيث تم الاتفاق على الاطار الامني الذي يتمثل في خروج الجماعات المسلحة من المدن وتسليم اسلحتها وعلى الاطار السياسي المتمثل في صياغة دستور جديد واجراء انتخابات نيابية.
والخلاف الان ينصب كما يعلن الطرفان على آلية اختيار اسماء المجلس الرئاسي الذي اعلنه ليون، مع عدم اعتراض اي طرف منهم على الشخصيات التي تم الاعلان عنها. وهو ما يبدو امرا يمكن التعاطي معه وتسويته اذا خلصت النوايات وتم تقديم مصلحة ليبيا على المصالح الضيقة، ويكون ذلك بتجاوز عدد قليل داخل الطرفين يسعى جاهدا لتخريب التسوية السياسية الجارية. وقد وضح أمر هؤلاء من خلال احتكارهم التصويت في البرلمانيين سواء في طبرق او طرابلس حيث لم يتم اجراء عملية تصويت حقيقية للموافقة على الاتفاق الاممي، بل بادر البعض من الراغبين في افشال العملية برمتها الى اعلان رفض البرلمانيين مع عدم اجراء تصويت. وقد هددت لجنة العقوبات في الامم المتحدة بفرض عقوبات على هؤلاء وغيرهم ممن يسعى الى اجهاض العملية السياسية لتشكيل حكومة مؤقتة للم الفرقاء الليبيين.
وفي الواقع فإن هناك عدة اعتبارات يجب ان يضعها الساسة الليبيون وقادة الفصائل المسلحة في الاعتبار، من بينها ان كل الترتيبيات والتسويات التي اعلن عنها ليون هي ترتيبا مؤقتا. وان اسماء الشخصيات التي اعلنها لرئاسة الوزارة هي شخصيات ليبية مشهود لها ولا يوجد اعتراض عليها. فضلا عن الاوضاع التي تمر بها ليبيا لا تجعل هنا ترفا في الاختيار بين البدائل. فهناك داعش التي تنمو وتمثل تهديدا لكل الليبيين من كافة الاتجاهات. حيث يجب اقتناع الفصائل الليبية بمحاربة تنظيم داعش بدلا من محاربة بعضهم البعض. فمن شان ذلك معالجة المخاوف المصرية من صعود التطرف في ليبيا في الوقت الذي يتصدى فيه لتهديدين كبيرين لأوروبا هما: زيادة تهريب البشر عبر البحر المتوسط وخلق مركز آخر للتطرف بالنسبة للشباب الاوروبي. فعلى كل الفصائل المتحاربة ان تهتم بقتال تنظيم داعش الذي يشكل تهديدا وجوديا لكل الاطراف: فقد هاجم مقاتلوه كل من المناهضين للاسلاميين الموالين لحكومة طبرق في نفس الوقت الذي يصنف فيه الاسلاميون الاكثر تطرفا داخل فجر ليبيا على انهم”مرتدون”. كما ان هناك الوضع الاقتصادي المتأزم للبلد. اضافة الى ذلك فإن البديل هو الحرب الواسعة والطويلة التي تهدد كيان ووحدة ومستقبل ليبيا. فهل ينجح الليبيون في تجاوز خلافاتهم والوصول الى توافق واتفاق يؤدي الى وقف الحرب والمشاركة السياسية في ادارة البلد للخروج من المأزق الحالي؟ وهل سيستطيع ليون اقناع الاطراف الليبية بالعدول عن رفضها للاتفاق في الوقت بدل الضائع من مهمته؟ أم يعلن فشله وينقل التركة الى خلفه الدبلوماسي الألماني مارتن كوبلر الذي ينتظر إشارة البدء لتولي مهمة الوساطة؟

السيد عبد العليم
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى