الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كلمة طيبة كشجرة طيبة

كلمة طيبة كشجرة طيبة

علي عقلة عرسان

” الآن.. الآن وقت أفعال نقولها، ونرددها، ونسمعها، ونحشدها، ونوظفها.. إلخ، للسلم، والأخوة، وقبول الآخر، وانتصار القيم، أفعال مثل: أحيا، أحبَّ، آوى، أطعم، أصلح، سالم، صافى، آخى، عدل، حرر، حمى، فرح، أفرح، أسعد، وقى، اتّقى.. إلخ، إنه وقت الكلمة الطيبة، وخير أوقاتها الآن، فهي في كل أوان ومكان..”
ــــــــــــــــــــــــ
قُتِل، غَرِق، صُفِّي، جُرِح، بُتِر، عُذِّب، هُجِّر، نَزَح.. قُصِف، فُجِّر، دُمِّر، نُسِف، حُرِق، سُرِق.. إلخ، هذه الأفعال وغيرها، مما بُني للمعلوم، وأفعال من جنسها، بُنيت وتُبنى وتُنمى لأكثر من مشهور معلوم .. تلك أكثر الكلمات تداولاً في سوق الكلام، لا سيما في السياسة والإعلام، من بعد، أو بموازاة، الكلمات والتصريحات والبيانات التي تعجّ وتضج بالنفاق السياسي المعهود، ومصطلحاته وخلفياته، تلك التي ترسم المشهد، وتفيض بالغَثِّ، وتنمُّ عن التواطؤ والتآمر والفساد والإفساد، وعن تهافت شامل لا شفاء منه.. بينما هي نادرة أو عابرة، تلك الكلمات التي نسمعها تنعش النفس، وتبعث الأمل، وتمجد القيم، وتعلي شأن ما يجب أن يعلو في الحياة، التي يعيشها المرء مرة واحدة، ولا تعود دائقها التي تنقضي تباعاً، وتجعل العمر يتسرب من بين الأصابع، تسرب الماء من كفّ عطشان أدناه ليبلغ فاه وما هو ببالغه إلا بشق الأنفس. والأشد ندرة فيما نسمعه يومياً، كلمات تفضح تجار الحرب، والدم، والسلاح، والقيم، ومن يمارسون الطغيان والفساد، ويتسلطون على عباد الله، من الحكام وأتباعهم وأدواتهم، ومن هم على شاكلتهم في المواقع المقابلة لهم، من طلاب السلطة والزعامة والثروة والشهرة والشهوة، بأي ثمن.. ولكل أولئك، في الضفتين، حقول خصبة وممتدة في مجالات أبرزها السياسة وملحقاتها وملصقاتها وتجارها وبضائعها، وتجار الأزمات والحروب.
منذ سنوات وسنوات، وبضاعة هذا المعجم العربي نافرة، ورائجة، وغامرة.. وتحمل من المصداقية ما لا يمكن التقليل من قيمته، أو التشكيك به، لونها لون الدم، وثوبها ثوب الغم. وغالباً ما تعزز تلك الكلمات صورٌ قاسية جارحة ومثيرة، وهي تُلتَقط وتُعْرَض ليس بهدف تقديم توثيق يستهدف الإقناع، وكشف القناع، وتعزز مصداقية من يقول، فقط.. بل يتعدى دورها ذلك، في حالات كثيرة، إلى أمرين رئيسين: الحرب النفسية، وصب الزيت على النار. فهي: إمّا للتثبيط والتيئيس والشماتة والتشفّي، وإمَّا للإثارة والانتقام والتهييج والتحريض.
وفي مثل هذا المناخ، الذي يفرض نفسه على المستمع والقارى والمتابع، وربما على بعض المعنيين، وذوي الصلة بما يجري من حولهم وبالمشهد الذي يصنعونه ويديرونه.. في مثل هذا المناخ، لا يمكن أن تجد بيئة ملائمة لنمو البديل الأفضل، وفيها لا يمكن أن تنمو أفكار وتوجهات وخيارات إيجابية مغايرة للسائد البائس، تساهم في لجم الجريمة والمجرم، ومحاصرة الجنون والفتنة والحرب، وتحد من الحصار والبؤس والشقاء واليأس، تلك التي تطحن الناس وتطردهم من بيوتهم وديارهم وتجعلهم يفضلون المغامرة في متاهات الموت بشئ من الأمل، على البقاء في معترك الموت مع فقدان أي أمل.. ذلك لأن الدم يستدعي الدم، والإثم يغري بالإثم، والقتل يشيع القتل، والعنتريات العشوائية تنمو في أرض الحقد المروية، على حساب المروءات والأخلاق والقيم الأصيلة والأصلية. وفي مثل هذه الحقول، ومثل هذا المناخ، لا يكثر إلا النَّبت السام، الذي تهيّجه دِمَنُ النفوس، وتغذيه بما يزيده شمرخةً وسُمّيَّة وهياجاً.. وفي هذا المناخ أيضاً يتكاثر عشوائياً من يُنشَّؤون في الغيِّ والقسوة، ومن يحكمهم الجهل، ومن يستقطبهم التوحش، ويستثمر فيهم الأعداء، فتتزلزل بهم المروءة حتى لتكاد تزول. وبذلك يتحول كثير من الخلق إلى وحوش كاسرة، وتنكسر سلطة الأخلاق، والدين، والعقل، والدولة العادلة.. ليتحكم بالخلق وبمجريات الأمور، من تضمُر عقولهم، وتموت ضمائرهم، ويُزيّن لهم الطغيان حقاً وعدلاً فيلبسهم ويلبسونه، ومن تأخذهم العزة بالإثم، حتى ليصبح الواحد منهم هو الإثم.. فيصدق فيهم قوله تعالى، حين قال لبني إسرائيل: ” ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤.﴾- سورة البقرة
حين تتابع، وتسمع، وترى، وأنت محاصر بمتناقضات ما أنزل الله بها من سلطان، ومحاط ببؤس يندلق فوقه الدم البشري فيغطيه في المكان ويلون به الزمان.. فإنك تضيع أو تكاد، بين فجائع ووقائع يحملها الكلام، وبين إزاحات للمعاني والمفاهيم والدلالات التي تحملها الكلمات، لتحملها على غير ما هي، أو لتحمِّلها ما لا تحتمل.. يصنعها تحليل هو التطبيل أو التضليل أو الجهل أو التجهيل، وهو الانحياز الأعمى إلى جهة، وليس إلى الحق والمنطق والإنسان في كل توجه وتدبر وجهة.. تحليل وتعليل وتهليل، يريد أن يصوغك وهو يسوطك بمسواطه، ويضعك في بوتقة، على نارٍ هو بعض مادتها وبعض سدنتها. ويدخلك بشطارة هي الشيطنة، في نوع من الجرح والتعدل، يأخذانك بعيداً عن المآل والاقتناع. ومن الطبيعي أن يحدث ذلك، لأن المنطق المصنوع هو في نهاية المطاف خداع، أو هو ما يفضي إلى أردأ أنواع الخداع.؟!
وحين يدخلك “المحلل، السائط، الجارح، المعدِّل”، في معادلات بائسات من كلمات، بنيت على تمويه وتضليل، لتحقيق أهداف وغايات، فيقوم بنسبة الحسن إلى الذات والسيئ إلى أعداء الذات، مع وضوح المشهد والتحركات والدلالات.. تجد أن المراد هو إغراقك في بحور الضلال، بتضليل منهجي مدروس، قد لا يدرك من هم أدواته، لا ما يقومون به، ولا أبعاده ومخاطره، وقد لا يعرفون حتى من يقف خلفه، ويستثمر فيه.. لأن المال أعماهم عن كل تبصر ومآل؟! وإذا بقيت، بعد ذلك، مالكاً لبعض عقلك ونفسك، مدركاً لبعض ما يدور من حولك، وقادراً على إجراء تقاطع بين الواقع الذي يحصبك ويغضبك، وبين ما يُصوَّر لك ويراد لك.. بين الحشد العسكري في ساحات الاقتتال، والتسلح النوعي المتنامي في الجبهات المتقابلات، وإقبال المعسكرات المتحاربة على مزيد من الحضور الدموي، والاستعداد للوحشي من الفعل في ساحات المواجهات، لتحقيق انتصارات، مؤشراتها اجتثاث الخصم لا هزيمته فقط، ومن تكاليفها وأثمانها موت الأبرياء، ودفن آمال الشعوب، وتدمير الدول، وتهجير الناس إلى فيافي الأرض، وقبور البحار..؟! إذا بقي لك من نفسك وعقلك شيئ، ثم قمت بإجراء تقاطع لذلك الذي يجري على الأرض، ويخطط له في غرف العمليات في العواصم الفاعلات.. مع السياسة، ومواقف الساسة المعبَر عنه بكلام، مناقض في معانيه ودلالاته لما يجري على أرض الواقع تلك، وبعضه يسيل سلماً، ويدفق “حرصاً؟” على الأطفال والنساء والشيوخ و.. و.. إلخ، وفيه المدهون بالزبد والعسل ليخفي السم الناقع.. فإنك ستجد نفسك في بوتقة لا يكاد يفلت منها مخلوق، حيث “حتمية؟!” الصهر قدر، أو في حكم القدر، ليغدو المرء غير ما كان، وما لا يمكن أن يعود إلى جوهره ونقائه بحال من الأحوال، إذا ما تغيرت الأحوال وتغير الزمان.. ذلك لأنه يُصهر والخَبَث في مصهار، على نار، فيفقد ما يفقد، ويكسب ما يكسب، ثم يغدو خلقاً آخر، يتلاءم ورغبة الصُّيَّاغ، في أن يكون كما يشتهون، ويقررون، ويقدرون.
إن ذلك أفظع، أو هو من أفظع، أنواع الإرهاب، إذا أراد من يحاربون الإرهاب أن يحاربوه، وأفظع أنواع تزييف التعبير وحرية التعبير، لمن يحرصون عليها.. لأنه يزور الذات والعقل والضمير، ويبدل الصفات.. ذلك لأنه ليس رأياً يسمح لك بمقاربة رأي، بشيئ من العقلانية والحرية، وأنت على شاطئ أمن من جوع وخوف، وليس حوار إرادات حرة متناقضة أو متضادة في فضاء متساوٍ، من حيث المعطيات والأدوات والنتائج والمترتبات. فلو كان ذلك كذلك لهان الأمر وأصبح نوعاً من الخصب الثقافي والمعرفي والروحي، لا غنى للإنسان عنه.. لكن لأنه فرض رأي على ذي عقل وموقف ورأي، وحصار بالمقت والزيف والضلال والخداع، على من نريد له أن يتخلص من ذلك، فيتحر مادة وإرادة وروحاً.. ولأنه فعل مقرون باتهام وعذاب ورعب وإرهاب، وقد يكون مسمماً بموقف مسبق، ويتم في مناخ موت، يستهدفك ولا يرحمك إن آنت قلت تقول بضرورة احترام الإنسان في أي جلدٍ، وأي موقف وموقع كان.. وإن طالبت برحمة سواك من الخلق، الذين لا ناقة لهم ولا جمل، في:” حرب همجية، وفتنة دموية، وممارسات وحشية.. حرب بالنار، والكلام، والإعلام، والسياسة، وبكل أنواع الإرهاب والطغيان والظلم والخداع، نجاسة.. حرب فتنة هي القتل، بل هي الأشد من القتل، وإرهاب عقل لا صلة له بالمنطق والعقل، وفعل إنسان تجرد من كل صلة تشعره بإنسانية الإنسان.”؟!. إنك أمام معادلة غير عادلة بحال من الأحوال: فإذا كنت كما يريدك الصائغ أن تكون، فقدت نفسك، وإذا كنت كما تريد أنت أن تكون، وكما هو أنت حين كنت وحيث تريد أن تكون، وخالفت الصائغ السائط؟! سقطت في مستنقع من دمك، وأصبحت في خبر كان.. فلا أنت إنسان، ولا يطالب بك إنسان.؟! وهذا من أعتى أنواع وحشية الإنسان ضد الإنسان، في هذا الزمن الفريد بين الأمان، من حيث هو زمن التقدم، والحضارة؟! و” زمن الحرية وحقوق الإنسان؟!”، كما يقول المدافعون عن الحرية وحقوق الإنسان.
إن ما أشرت إليه من مفردات، في مطلع حديثي هذا، هو بعض سمات “الآن” الذي ننزف فيه، بينما يتربَّع على دمنا، وعلى مفارش فوق جماجمنا.. مجرمون، وانتهازيون، وإرهابيون، وبغاة فسدة طغاة، مفلسون روحياً ووجدانياً وثقافياً وإنسانياً، يزدهون إذ يفجرون، ويكبرون إذ يكذبون، ويُرفعون إذ يرهِبون ويقتلون، ويقبضون ثمن تحريك الشفتين واللسان، بكلمات لا تلبث أن تزكي الرصاص القاتل، والفتك الشامل، والعذاب الرهيب، والموت الزؤام، والخيانات بأنواعها، والسقوط إلى أدنى من الحضيض.. وفي حكم المجرم من يسوِّغ الجريمة ويزينها ويرفعها درجات، ويرفع صاحبها فوق القانون والعرف والعدل والناس.. حيث يصبح أشخاص صنوجاً في أكفّ “خَلَّابات وخَلَّابين، صناجات وطبالين”، يقبضون ثمن الفجور والافتراء والتعري، وثمن تبجيل اللصوص، وتمجيد الطغاة، ومناصرة البغاة، وإسناد المستعمرين، ومشايعة المستثمرين في الإرهاب والفوضى، والذين يمتصون دماء الشعوب، وينشرون فيها الفوضى لتضعف ويسودونو وتجوع فيتاجرون ويتحكمون.
دائما كانت الكلمة الطيبة: رسالة، وقيمة، وسيف حق، وشجاعة، وصفة حسنة، وانتصاراً للخير والعدل والإنسان.. وليس لنا، في هذا الزمن العربي الرديئ، ولا في أي زمن يفسُد فيه الناس، والمعيار، والمناخ، والحكم والحكام.. ليس لنا إلا الكلمة الطيبة مدخل إصلاح، وحبل إنقاذ واستنقاذ، وسلاحاً بوجه الفتنة والسلاح .. فالكلمة الطيبة، التي تقال بروح طيبة، ونية حسنة صادقة، وشجاعة فائقة، وهدف إنساني وأخلاقي نبيل ..هي بناء، وهدم من أجل البناء، وحقلها الخصب هو الإنسان الذي من أجله يكون البناء، وبه يكون، وفي فمه وبيده يصبح الكلام بناء وجمالاً، وتصبح الحياة حياة تستحق العناء. والكلمة كما نعرف، هي خير الجهاد، لمن يرفع مكانة الجهاد إلى مستوى العدل والسيف الالمصر، حين تكون ” كلمة حق في وجه سلطان جائر”، وحين تكون نصراً للعقل والعدل، ونوراً يبدد الظلام، ومنهجاً ونهجاً يكشفان طرق الخلاص أمام الأنام.
والآن الآن.. وقت الكلمة الحق والعدل والبِناء، ووقت إزهاق الباطل في سبيل الحق والالقيم والإنسان، ومن أجل انتصار العقل، وإقامة العدل.. حيث تتبنى ردع جنون الحرب ومجانينها، ولسان الناس بوجه الجور والظلم والقهر، وأداة من أشد أدوات وأد الفتنة فاعلية، ووسيلة للكف عن التحشيد من أجل قتال يمتد ويمتد، ولا يستفيد منه سوى أعداء العروبة والإسلام، أعداء الإنسانينة، وعلى رأسهم الصهاينة الإسرائيليين الذين يقتلون الفلسطيني الإنسان، لأنه حر، وأنه متعلق بوطنه ودينه، ولأنه إنسان.
الآن.. الآن وقت أفعال نقولها، ونرددها، ونسمعها، ونحشدها، ونوظفها.. إلخ، للسلم، والأخوة، وقبول الآخر، وانتصار القيم، أفعال مثل: أحيا، أحبَّ، آوى، أطعم، أصلح، سالم، صافى، آخى، عدل، حرر، حمى، فرح، أفرح، أسعد، وقى، اتّقى.. إلخ، إنه وقت الكلمة الطيبة، وخير أوقاتها الآن، فهي في كل أوان ومكان.. وهي في أن نفهمها جيداً، ونتدبر حكمها، ونعيها في قوله تعالى، ونعمل به، حيث قال، جل من قائل: ﴿ أَلَم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصلُها ثابِتٌ وَفَرعُها فِي السَّماءِ ﴿٢٤﴾ تُؤتي أُكُلَها كُلَّ حينٍ بِإِذنِ رَبِّها وَيَضرِبُ اللَّـهُ الأَمثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرونَ ﴿٢٥﴾ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبيثَةٍ اجتُثَّت مِن فَوقِ الأَرضِ ما لَها مِن قَرارٍ ﴿٢٦﴾ يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذينَ آمَنوا بِالقَولِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظّالِمينَ وَيَفعَلُ اللَّـهُ ما يَشاءُ ﴿٢٧﴾أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ بَدَّلوا نِعمَتَ اللَّـهِ كُفرًا وَأَحَلّوا قَومَهُم دارَ البَوارِ ﴿٢٨﴾- سورة إبراهيم.

إلى الأعلى