السبت 21 أكتوبر 2017 م - ٣٠ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / السياسي والعسكري في سوريا

السياسي والعسكري في سوريا

”.. لم ينتظر الأتراك إعلان النتائج النهائية للانتخابات بشكل رسمي حتى سارعت الطائرات التركية لقصف الأكراد في العراق وسوريا، علما بأن الأكراد هم رأس حربة حقيقية في محاربة داعش في البلدين. وحتى إن لم يكن أردوغان يقصد دعم داعش بضرب من يحاربونها، فهو بالتفريغ السلبي يفعل ذلك باستهدافه الأكراد. هذا الدور التركي المتوقع كفيل بتعقيد أي محاولات للتوصل لتسوية سياسية،”
ــــــــــــــــــــــــــــ
مع تهديد طهران بالانسحاب من مفاوضات فيينا بشأن تسوية سياسية للأزمة السورية، يتوقع تصاعد العمل العسكري في الأيام المقبلة كي يعزز كل من طرفي الأزمة أوراق تفاوضه في حال انعقاد جولة جديدة خلال أسبوعين كما سبق وأعلن في نهاية الجولة الافتتاحية قبل أيام. لا يقتصر الأمر على الطرفين الرئيسيين في سوريا الآن ـ إيران والسعودية ـ بل إن كل الأطراف اللاعبة على الساحة السورية ستصعد من العمل العسكري فيما قد يكون دفعا نحو حل سياسي. ذلك لأنه من الصعب تصور أي حسم عسكري للصراع في سوريا وعلى سوريا بأي شكل من الأشكال ولصالح أي طرف من الأطراف. لذا، تجد الأميركيين يعلنون عن تغيير استراتيجيتهم في سوريا ويقررون إرسال “خبراء” عسكريين “لمساعدة حلفاء أميركا” هناك. والروس يصعدون القصف الجوي لداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية في سوريا، ويقصفون تدمر للمرة الأولى.
ربما يكون العامل الجديد الأهم هو عبر الحدود الشمالية، فمع نجاح حزب أردوغان وتعزيز الرئيس التركي سلطته يتوقع تصاعد الدور التركي في سوريا ـ وهو عسكري بالأساس. ولم ينتظر الأتراك إعلان النتائج النهائية للانتخابات بشكل رسمي حتى سارعت الطائرات التركية لقصف الأكراد في العراق وسوريا، علما بأن الأكراد هم رأس حربة حقيقية في محاربة داعش في البلدين. وحتى إن لم يكن أردوغان يقصد دعم داعش بضرب من يحاربونها، فهو بالتفريغ السلبي يفعل ذلك باستهدافه الأكراد. هذا الدور التركي المتوقع كفيل بتعقيد أي محاولات للتوصل لتسوية سياسية، ليس فقط بسبب المصالح ـ وربما حتى المطامع ـ التركية في سوريا وإنما لأن تركيا تريد تحقيق أعلى المكاسب من مشاركتها في مفاوضات التسوية سواء على حساب طرفي الأزمة الاقليميين أو من الدول الأوروبية والغربية.
لكن يظل الدور الرئيسي والمؤثر هو للطرفين الأساسيين، طهران والرياض، وما يبدو من دائرة أوسع روسية/أميركية. وإذا كانت الدلائل تشير إلى أن واشنطن ليست مستعدة للدخول في صراع إقليمي أو دولي ـ حتى لصالح أقرب حلفائها ـ فإن روسيا لا تبدو مستعدة للتنازل عن دور حصلت عليه بالتفريغ السلبي وبغض النظر عن التبعات والنتائج. ودعك من التصريحات الرسمية العلنية، فأغلبها لأغراض الاستهلاك المحلي و”تطييب خاطر الأصدقاء” أكثر منها تعبيرا عن سياسة عملية. من هنا، يتأكد مجددا أن السياسي والعسكري في سوريا بيد طهران والرياض أكثر منه بيد موسكو وواشنطن. ليس فقط لدعم هذا الطرف للنظام وذاك للمعارضة، ولكن لأن الصراع الأساسي في المنطقة يبدو الآن متركزا في سوريا ـ حتى أكثر منه في اليمن. وما لم تتفق السعودية وإيران فلن يكون هناك لا سياسة وعسكرية ـ بمعنى الحسم ـ في سوريا وربما ولا في غيرها.
يفتح هذا باب الاحتمال، الذي قد يبدو بعيدا لكنه لا مناص منه في نهاية المطاف، وهو التفاهم بين الطرفين الإقليميين. وإذا لاحظنا تصريحات طهران والرياض نجد أن هناك قاسما مشتركا يمكن أن يشكل أرضية تفاهم ضرورية وكفيلة بتجنيب المنطقة مزيدا من التدهور، بل على العكس يمكن في مراحل لاحقة من التطور أن تشكل منطلقا للتعاون يصد مطامح الطامعين. فكلا البلدين يطالب الآخر بالكف عن “التدخلات الخارجية” ويدعو كل منهما الآخر إلى “التعاون من أجل التنمية وليس الصراع”. وإذا كانت تلك التصريحات تعبر عن رغبة حقيقية فتلك أرضية مشتركة كافية للانطلاق، ولعل الساحة السورية وتسوية الأزمة هناك سياسيا وتجنيب البلاد وشعبها مزيدا من الدمار تكون بداية لتسوية أزمات أخرى من اليمن إلى غيرها.
قد يتصور البعض أن من الصعب تقريب وجهات النظر بين البلدين، وربما هناك قوى وأطراف دولية وإقليمية لا تريد هذا التقارب لاستفادتها من التنافس الإقليمي السعودي/الإيراني. وفي ذلك بعض من الصحة، خاصة وأن هناك أطرافا في المنطقة لا ترى لها مستقبلا في حال تعاون السعودية وإيران بدلا من تنافسهما، وفي مقدمة هؤلاء تنظيم الإخوان (الذي يجد سندا قويا من طرف إقليمي ثالث هو تركيا). لكن، هناك مثال مهم يمكن القياس عليه وهو العلاقات الإيرانية/الأميركية التي ظلت لأكثر من ثلاثة عقود في غاية السوء والتوتر وحتى العدائية. مع ذلك دخل البلدان في مفاوضات أدت في النهاية إلى إنهاء عزلة إيران ورفع العقوبات عنها في اتفاق تاريخي حول برنامج الجمهورية الإسلامية النووي. ولا شك أن الدور الذي لعبته سلطنة عمان في هذا الاتفاق التاريخي يبشر بإمكانية تكراره اقليميا، وربما يكون الأمر أسهل على السلطنة وهي ضمن مجلس التعاون الخليجي.
صحيح أن المواقف المعلنة تبدو شديدة التباعد ويصعب التوفيق بينها، لكن إذا كان إذابة الجليد مع “الخواجة” ممكنا فالمنطقي أن يكون ممكنا بين شركاء الدين والجغرافيا والتاريخ. وبدون تكهنات، لا شك أن هناك جهودا تبذل في هذا السياق وربما كان من الحكمة أن تظل بعيدة عن الإعلام (والسوشيال ميديا الكفيلة بإفساد الكثير، رغم فوائدها الأخرى). كل ما يأمله المرء، أن تكون التصريحات المتشددة مجرد تعبير علني عن اتجاه حقيقي نحو التفاهم، بداية في سوريا ثم من يعلم أين وإلى أين لما فيه خير المنطقة والعالم.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى