السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل ينجو العراق من التسونامي؟

هل ينجو العراق من التسونامي؟

أ.د. محمد الدعمي

”.. إذا كان إخفاق هذا المشروع الأميركي العملاق قد تبلور اليوم بهيمنة شبكتي “داعش” و”الدولة الإسلامية”، العراقيتي التولد والنمو، على ثلث مساحة العراق وعلى أكثر من ثلث مساحة سوريا، فإن الشروخ الطائفية والإثنية تبقى تمتد، عابرة النفوس والحدود، بسبب عدم إتاحة الحكومات المتتالية لمبدأ مواطنة عام وشامل من نوع “عراقية جميع العراقيين”،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
حرصت أن أخص قرائي العمانيين بفكرة، وإن كانت مقتضبة للغاية، عن كل إصدار جديد لي (أكان بالعربية أو بالإنجليزية)، لذا أجد أنه من المفيد أن ألاحظ بأن كتابي الجديد الذي نشر قبل بضعة أيام تحت عنوان (هل ينجو العراق من التسونامي) Will Iraq Survive the Tsunami قد ارتكن الى افتراضية أساسية مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية لم تحقق نصراً ناجزاً في حرب العراق سنة 2003، نظراً لأن النتائج النهائية التي لم تتكشف إلا بعد مرور أكثر من عقد ونيف من السنين قد أماطت اللثام عن أن المنتصرين النهائيين في هذه الحرب الفظيعة لم تكن الولايات المتحدة نفسها ولا حتى العراق، وإنما كانوا قيادات أحزاب وقوى المعارضة التي مكثت خارج العراق لعقود طوال، ممتطية شكوى وإحتجاج الكتل السكانية الأساسية في العراق، خاصة الكرد والشيعة، على سبيل رسم صورة غير واقعية للكتلة السكانية الثالثة، اي أهل السنة والجماعة، على سبيل التشويه، ممتطية ذرائع العالم الغربي بوجود اسلحة دمار شامل في العراق!
لذا لم يتجسد الإخفاق الأميركي فقط في عدم إيجاد أية أسلحة دمار شامل، أو في الفشل الذريع في إكتشاف أية خيوط تربط بين نظام البعث (1968-2003) من ناحية، وبين الشبكات الإرهابية، “القاعدة” بخاصة. لذا فقد تمكنت قيادات قوى المعارضة، في المنفى، أن تمتطي حمى الخوف الإقليمي والدولي من اسلحة الدمار الشامل التي افترض وجودها في العراق على سبيل تبرير وحث الغزو الأميركي للعراق، ثم امتطائه للقفز لملء “خواء القوة” المحقق الذي كان متوقعاً أن يحدث بعد إسقاط نظام البعث، في اندفاع عام وشامل للهيمنة على أذرع وأجهزة الدولة، مع إشارة خاصة الى حث الضغائن والعواطف العدائية ضد الكتلة السكانية السنية بدعوى أنها كانت الكتلة المستفيدة من النظام السابق.
وهكذا تم سحب اقدام الدول المتحالفة بقيادة الولايات المتحدة الى مشروع عسكري/مدني عملاق، كان من أهم نتائجه الخطيرة هو استبدال الولاء الشامل للوطن العراقي الواحد، بولاءات ثانوية وفرعية تؤول الى تشطير العراق بسرعة فائقة، خاصة بعد أن شهد هذا البلد الشرخ الأعظم سنة 2003 بسبب توظيف الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة القوة العسكرية المفرطة في غزو العراق، الأمر الذي أطلق أنواع الشروخ والتصدعات في صفوف الشعب العراقي، مصدراً تشققات الطائفية والإثنية عبر الحدود الدولية الى بقية دول الإقليم، كي تهدد نظاماً شرق أوسطي دام قائماً لحوالي قرن كامل.
وإذا كان إخفاق هذا المشروع الأميركي العملاق قد تبلور اليوم بهيمنة شبكتي “داعش” و”الدولة الإسلامية”، العراقيتي التولد والنمو، على ثلث مساحة العراق وعلى أكثر من ثلث مساحة سوريا، فإن الشروخ الطائفية والإثنية تبقى تمتد، عابرة النفوس والحدود، بسبب عدم إتاحة الحكومات المتتالية لمبدأ مواطنة عام وشامل من نوع “عراقية جميع العراقيين”، الأمر الذي قاد ويقود المواطنين إلى البحث عن ولاءات ثانوية وفرعية، كالولاء للطائفة وللمنطقة وللمدينة وللإنحدار الإثني، وهي ولاءات تكرس التشرذم والتشطير، للأسف.
وإذا كان مستقبل الدولة العراقية مهدداً بكليته، بسبب هذه التعقيدات فإن الحاجة تغدو ماسة اللحظة الى قيام حكومة قادرة على رأب الصدع الداخلي بين كتل السكان العراقية الرئيسة من خلال إتاحة مبدأ وطنية شامل قادر على استقطاب ولاء الأمة لانتزاعها من الولاءات الثانوية اللامجدية.

إلى الأعلى