الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة القلم (9)

سورة القلم (9)

إعداد ـ أم يوسف
سُميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لأن ‏الله ‏سبحانه ‏وتعالى ‏أقسم ‏فيها ‏بأداة ‏الكتابة ‏وهى ‏‏”‏القلم‏‏” ‏ففضلت ‏السورة ‏بهذا ‏الاسم ‏تعظيما ‏للقلم ‏‏، ‏وسُميت ‏أيضا ‏‏”نون ‏والقلم‏‏” ‏وسورة ‏‏” ‏القلم‏‏”، وهي مكية من المفصل آياتها (52) ترتيبها الثامنة والستون نزلت بعد العلق . بدأت باسلوب القسم “ن والقلم وما يسطرون” ،لم يذكر لفظ الجلالة في السورة ،اسم السورة “القلم”. الجزء (29)، الحزب (75) .
تناولت هذه السورة ثلاثة موضوعات أساسية هى: موضوع الرسالة والشبه التي أثارها كفار مكة حول دعوة محمد بن عبد الله وقصة أصحاب الجنة “البستان” لبيان نتيجة الكفر بنعم الله تعالى والآخرة وأهوالها وشدائدها وما أعد الله للفريقين المسلمين والمجرمين، ولكن المحور الذي تدور عليه السورة الكريمة هو موضوع إثبات نبوة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) .. فإلى التفسير مع الإمام القرطبي.
قال تعالى:(كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * إن لكم فيه لما تخيرون * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ).
قوله تعالى: (كَذَلِكَ الْعَذَابُ) أي: عذاب الدنيا وهلاك الأموال، عن ابن زيد. وقيل: إن هذا وعظ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي (صلى الله عليه وسلم)، أي كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وقال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدا (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر، وتضرب القينات على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم وأسروا وقتلوا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرام فخابوا. ثم قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين يحتمل أنه كان واجبا عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعا والأول أظهر، والله أعلم. وقيل: السورة مكية، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحط، وعلى قتال بدر.
قوله تعالى:(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) تقدم القول فيه، أي: إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا. وكان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا ، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا. فقال:(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) أي: كالكفار، وقال ابن عباس وغيره: قالت كفار مكة: إنا نعطى في الآخرة خيرا مما تعطون فنزلت (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) ثم وبخهم فقال:(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) هذا الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين.(أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) أي: لكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصي.(إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) تختارون وتشتهون. والمعنى: أن لكم “بالفتح” ولكنه كسر لدخول اللام، تقول علمت أنك عاقل “بالفتح”، وعلمت إنك لعاقل “بالكسر”. فالعامل في (إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) “تَدْرُسُونَ” في المعنى. ومنعت اللام من فتح “إن”. وقيل: تم الكلام عند قوله: “تَدْرُسُونَ” ثم ابتدأ فقال:(إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) أي: إن لكم في هذا الكتاب إذا ما تخيرون، أي: ليس لكم ذلك. والكناية في “فيه” الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب، ثم زاد في التوبيخ فقال:(أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ) أي: عهود ومواثيق. (عَلَيْنَا بَالِغَةٌ) مؤكدة. والبالغة المؤكدة بالله تعالى. أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ) كسرت “إن” لدخول اللام في الخبر. وهي من صلة “أيمان”، والموضع النصب ولكن كسرت لأجل اللام، تقول: حلفت إن لك لكذا. وقيل: تم الكلام عند قوله:(إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ثم قال:(إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ) إذا، أي ليس الأمر كذلك. وقرأ ابن هرمز “أين لكم فيه لما تخيرون” “أين لكم لما تحكمون”، بالاستفهام فيهما جميعا. وقرأ الحسن البصري (بَالِغَةٌ) بالنصب على الحال، إما من الضمير في “لكم” لأنه خبر عن “أيمان” ففيه ضمير منه، وإما من الضمير في “علينا” إن قدرت “علينا” وصفاً للإيمان لا متعلقاً بنفس الإيمان لأن فيه ضميراً منه، كما يكون إذا كان خبراً عنه. ويجوز أن يكون حالاً من “إيمان” وإن كانت نكرة، كما أجازوا نصب “حقاً” على الحال من “متاع” في قوله تعالى:(مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ)، وقرأ العامة “بالغة” بالرفع نعت لـ “أيمان”.
.. يتبع بمشيئة الله.

* (المصدر: تفسير القرطبي)

إلى الأعلى