الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يتمخَّض هذا الصراع عن توازن دولي جديد؟

هل يتمخَّض هذا الصراع عن توازن دولي جديد؟

جواد البشيتي

تتهيَّأ الأسباب والظروف الآن لنشوء تكتُّل دولي جديد، يضم في نواته الصلبة روسيا والصين، ولديه القابلية للتوسُّع؛ وربَّما يتَّسِع، عاجلًا أو آجلًا، لإيران، المطلَّة على بحر قزوين الاستراتيجي، وعلى مضيق هرمز الاستراتيجي، ولدول آسيوية أخرى، لها أوزانها المهمة في الاقتصاد العالمي. ونشوء مثل هذا التكتُّل يعكس مَيْلًا استراتيجيًّا روسيًّا في المقام الأول؛ وهو (أي هذا التكتُّل) يشبه “المجال الحيوي” الروسي، الذي يشمل جمهوريات سوفيتية سابقة في أوروبا وآسيا، وبعض الدول في أوروبا الشرقية كبولندا.
ويشتمل هذا التكتُّل، إذا ما أصبح حقيقة واقعة (وهذا أمر يقرِّره ويحسمه الصراع الدولي الذي انطلقت شرارته من القرم) على كثير من عناصر القوَّة العالمية والاستراتيجية، ومنها على وجه الخصوص:
الترسانتان النوويتان الضخمتان الروسية والصينية.
الغاز الطبيعي السيبيري الروسي، مع النفط الخام الروسي، فروسيا هي الأولى عالميًّا في إنتاج النفط والغاز. والغاز هو “لغة القرن الحادي والعشرين”؛ فهو، أكان طبيعيًّا أم صخريًّا، في طريقه إلى أنْ يغدو المحرِّك الأوَّل للاقتصاد العالمي، ولاعتبارات كثيرة، منها الاعتبار البيئي.
الصين العطشى إلى الطاقة، وإلى النفط الخام والغاز في المقام الأول؛ فاقتصادها، ولجهة نموِّه المتعاظِم المتسارٍع، هو وحش لا يشبع من الطاقة. وغني عن البيان أنَّ الاتِّصال الجغرافي بين روسيا والصين يسمح بالتأسيس لصلة استراتيجية دائمة بينهما في مجال الطاقة.
والصين هي الآن مستودع عالمي للقطع النادرة، وللدولار واليورو على وجه الخصوص؛ فروسيا ببيعها الصين نفطًا وغازًا تستمر في تلبية حاجتها إلى الدولار واليورو.
والصين تُنْتِج وتُصدِّر الآن معظم أنواع السلع الموجودة في الأسواق العالمية؛ وهذا إنَما يعني أنَّ روسيا تستطيع الحصول من الصين على معظم ما تحتاج إليه من سِلَع.
ومع دمج السوقين الصيني والروسي يصبح لدينا أكبر سوق (استهلاكية) في العالَم.
إنَّ لروسيا والصين مصلحة مشتركة في النأي بنظامي الحكم فيهما عن “الإصلاحات الليبرالية” التي ينادي بها، ويدعو إليها، الغرب في استمرار.
ومع ضم إيران إلى هذا التكتل، يصبح أهم مَصْدَرَيْن للطاقة في العالم، وهما الخليج وبحر قزوين، ضِمْن نفوذ هذا التكتُّل؛ لكن روسيا تحتاج إلى نافذة تطل منها على البحر الأبيض المتوسط؛ وليس لها من نافذة حتى الآن إلاَّ الساحل السوري، وميناء طرطوس على وجه الخصوص؛ ولهذا الساحل أهمية استراتيجية لروسيا ليس من الوجهة العسكرية فحسب، وإنَّما من الوجهة الطَّاقيَّة؛ فالأنابيب التي تَنْقل النفط الخام والغاز (من بحر قزوين وإيران على وجه الخصوص) إلى الأسواق الأوروبية تحتاج إلى الساحل السوري؛ ولسوف تشتد حاجتها إليه في حال فضَّلت تركيا البقاء في التحالف الغربي.
الولايات المتحدة بذلت وسعها للقضاء على هذا التوجه الاستراتيجي الروسي وهو في مهده؛ وما كان ممكنًا أنْ توجِّه إليه ضربة قوية إلاَّ انطلاقًا من أوكرانيا، وفي القرم على وجه الخصوص. وأهمية القرم الاستراتيجية بالنسبة إلى روسيا كان يدركها على خير وجه بوتين نفسه. إنَّ لروسيا التي تُطِلُّ على البحر الأسود أسطولها الحربي في هذا البحر، الذي تُطِلُّ عليه، أيضًا، أو تتموضع فيه، شبه جزيرة القرم، التي لم تخضع للسيادة الروسية إلاَّ بعد انتصار روسيا على الدولة العثمانية سنة 1783؛ وهمزة الوصل بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط هي مضيقا البسفور والدردنيل التركيان. وليس لروسيا الآن من ميناء في “المتوسط” يخدم وجودها العسكري في المياه الدافئة لهذا البحر إلاَّ ميناء طرطوس السوري؛ وللوصول إليه، ينبغي للسُّفُن الحربية الروسية الموجودة في البحر الأسود، أيْ في القاعدة البحرية الروسية في ميناء سيفاستوبل في شبه جزيرة القرم، أنْ تَعْبُر مضيق البوسفور، فمضيق الدردنيل، وصولًا إلى بحر إيجة، ومنه إلى البحر الأبيض المتوسط.
ومع أنَّ روسيا وأوكرانيا تقاسمتا أسطول البحر الأسود، بعد تفكُّك الاتحاد السوفيتي سنة 1991، ظلَّت شروط وجود وبقاء الأسطول الروسي في شبه جزيرة القرم، التي كانت خاضعة للسيادة الأوكرانية، نقطة خلاف أساسية بين موسكو وكييف.
ولقد ارتفع منسوب قلق موسكو عندما أعلن الرئيس الأوكراني السابق (الموالي للغرب) فيكتور يوشينكو، سنة 2009، أنَّ على روسيا التخلِّي عن قاعدتها البحرية (ومقر أسطولها في البحر الأسود) في ميناء سيفاستوبل بحلول سنة 2017؛ لكنَّ الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، الذي أُطيح به، قرَّر بعد انتخابه سنة 2010 تمديد فترة بقاء الأسطول الروسي في الميناء حتى سنة 2042 في مقابل 100 مليون دولار تدفعها موسكو لكييف سنويًّا على شكل إيجار لقاعدتها البحرية في سيفاستوبل، والتي تضم نحو 300 سفينة حربية من مختلف الحجوم، ويعمل فيها أكثر من 26 ألف عسكري روسي من القوى البحرية والجوية.
روسيا، وبخلاف الولايات المتحدة، لا تملك لأسطولها البحري الحربي، الذي أسَّسته في مطلع السبعينيات، قواعد ساحلية في أماكن إبحار قطعه بعيدًا عن سواحلها، تُزوِّد هذه القطع الوقود والمؤن والعتاد، وتُجْرى فيها اعمال الصيانة لها؛ وهذا ما يُمثِّل نقطة ضعف لأسطولها البحري الحربي، ويُفسِّر بعضًا مما تبديه من دعم لسورية التي تضمن لها وجودها العسكري في موانئها، وفي مقدَّمها ميناء طرطوس.
روسيا، وبفضل وجودها العسكري في ميناء سيفاستوبل وميناء طرطوس تَجْعل مضيق البوسفور ومضيق جبل طارق في متناول يدها، وتتمكن من التحكُّم بهذين المضيقين الاستراتيجيين.
وكانت روسيا والصين قد أعلنتا عزمهما على التخلِّي عن الدولار في مبادلاتهما التجارية، وعلى السعي لإنشاء سوق دولية جديدة في القَلْب من آسيا، وإحياء “طريق الحرير”، البرِّي القديم الممتد في القارة الآسيوية، متوقعتين انضمام بقية دول “بريكس” إليها، وهي الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا؛ وقد يتَّسِع هذا “التَّكتُّل الاقتصادي ــ الاستراتيجي الجديد”، مستقبلًا، فتَنْضَم إليه كل دولة تشعر أنَّها متضرِّرة اقتصاديًّا وسياسيًّا من استبداد القوَّة العظمى في العالَم (الولايات المتحدة) بالعالَم، اقتصاديًّا وماليًّا وسياسيًّا..
ولقد وُصِف هذا التوجه بأنَّه “قنبلة تاريخية”، فجَّرَتْها روسيا والصين؛ ولسوف تُصيب مقتلًا من الدولار بصفة كونه “العملة الدولية الأولى”، و”العملة التي بها وحدها يُسَعَّر النفط (وغيره من السلع الاستراتيجية)”؛ فالعملات القومية (وفي مقدمها العملتان الروسية والصينية) ستَحِلُّ محل “الورقة الخضراء” في التجارة بين دول هذه السوق الجديدة، وسيُضْرَب، من ثمَّ، نظام “البترودولار”؛ فتجارة النفط والغاز بين هذه الدول لن تكون بالدولار؛ أمَّا الرئيس الصيني فاقترح، في الوقت نفسه، أنْ تتعاون ألمانيا (قاطرة الاقتصاد الأوروبي، ورابع أكبر اقتصاد في العالم) والصين في تطوير “طريق الحرير”، الذي يربط تجاريًّا بين ألمانيا (ومعها أوروبا) وبين روسيا والصين.

إلى الأعلى