الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / الدبلوماسية العمانية .. نجاحات متوالية

الدبلوماسية العمانية .. نجاحات متوالية

قضايا

‏”إننا جزء من هذا العالم.. نتفاعل مع ما يدور حولنا من أحداث بكل الإيجابية والوضوح، ونكرس كل إمكانياتنا للمشاركة الموضوعية والفعالة لخدمة قضايا السلام والتعاون على كافة المستويات الإقليمية والدولية”
من خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ
في العيد الوطني السابع عشر.

مقدمة:
بعد تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في البلاد في 23يوليو 1970م، انخرطت السلطنة في المجتمع العربي والإقليمي والدولي، معتمدة على المنطلقات الأساسية التي مثلت ثوابتها، ومن ذلك بناء تواصل تعاوني مع جميع الدول. وقد قال جلالة السلطان: في 18/11/1985 ” إننا إذ نعتز بالصداقات التي تربط بين عمان والأسرة الدولية فإننا نؤكد في ذات الوقت حرصنا في أداء دورنا كاملاً على الساحة العالمية وفقاً للمبادئ التي اعتمدناها منذ البداية منطلقاً لسياستنا التي تسعى بكل إخلاص إلى الصداقة والتعاون مع الجميع”.
ــــــــــــــ
أكد وكيل وزارة الخارجية للشؤون الدبلوماسية سعادة أحمد بن يوسف الحارثي على أنه منذ اليوم الاول لتسلم جلالة السـلطان قـابوس بن سـعيد المعظـم – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم ، وضعت السلطنة أسساً ومرتكزات استطاعت من خلالـها أن تحقق الدبلوماسـية العمانية الكثير من الانجازات على كافة الاصعدة، وأضاف سعادته أن السياسـة الخارجيـة العمانيـة اتسمت بمجموعـة من الصفات التي فرضتها حقائق التاريخ والجغرافيا، والإمكانات الأمنية والإقتصادية والثقافية ، وقد جاءت في المجمل سياسة هادئة، ومعتدلة، ومتوازنة وحيادية، وكما انها كانت مؤثرة على المستويات: الخليجية والعربية والإقليمية والدولية وموضع احترام وتقدير من جميع دول العالم.
وقال سعادته بمناسبة انعقاد مؤتمر عمان الأول لأعمال البرتوكول والدبلوماسية إلى أن السياسة الخارجية العمانية تقوم على المرتكزات والثوابت التالية: المصداقية والشفافية في التعاطي مع كافة القضايا الاقليمية والعربية والدولية بمختلف انواعها، والإلتزام بالموضوعية والإجابية، وعدم الإنحياز إلى أي طرف دون حق والأخذ بالحوار وأسبابه، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو السماح بالتدخل في الشأن العماني وحل النزاعات والاختلافات بالطرق السلمية والدبلوماسية وذلك عبر تعزيز مفهوم السلام بين الشعوب، وتعزيز أهمية الحوار والمفاوضات للوصول إلى حلول للمسائل والقضايا الشائكة بعيداً عن إستخدام القوة و الالتزام بالأنظمة والقوانين الدولية ، وما يصدر عن المنظمات الإقليمية والدولية المتخصصة في شتى المجالات والعمل على إقامة علاقات ودية وصداقة مع جميع الدول والشعوب والتعامل بشكل إيجابي مع مختلف أطراف العمل الدبلوماسي.
ينطلق كتاب” عمان والثقافة والدبلوماسية ” لمؤلفيه جيرمي جونز ونيكولاس ريداوت من فرضية أن فهم السياسة الخارجية ينبع في جانب منه من فهم الثقافة المحلية التي تتجسد عبر الكثير من الممارسات اليومية العديد من الممارسات الدبلوماسية والتي ترجمت لاحقا في العمل الدبلوماسي. ويؤشر الكتاب اربع خصائص للدبلوماسية العمانية المعاصرة هي الميل للتركيز على العوامل الجيوسياسية الدائمة والابتعاد عن النزاعات الايديولوجية والطائفية وتفضيل التوافق في الممارسات الاجتماعية والسياسية والتأكيد على التسامح، وهذه المبادىء تتوافق الى حد بعيد مع المبادىء التي اختطتها السياسة الخارجية العمانية والمنشورة على موقع وزارة الخارجية العمانية:
ـ لموقع السلطنة الأستراتيجي الأثر الكبير في ربط السلطنة بكثير من الدول التي تطل على المحيط الهندي وعلى الخليج العربي وعلى بحر العرب.
ـ الخبرة التأريخية الطويلة التي ساعدت في اقامة علاقات متينة مبنية على أساس حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة بين الدول على امتداد الخريطة العالمية.
ـ مناصرة مبادىء العدل في العلاقات الدولية حيث تعمل السلطنة بكل جهد ممكن الى مناصرة قضايا الحق والعدل والانصاف في المحافل الدولية.
ـ الحفاظ على الأمن والسلم الأقليمي والدولي. إن سلطنة عمان كانت ولاتزال تعمل بكل جدية من اجل تحقيق السلم والأمن الدوليين الذي تنشده البشرية جمعاء.
ـ الواقعية في فهم الأحداث والعلاقات الدولية حيث تقوم سياسة السلطنة في عدم الانفعال والمبالغة لتقدير الأمور، أو في النظرة إلى المشاكل التي تقع في الساحة العربية أو الدولية، وإنما التقدير المبني على أساس الواقع وعلى الاتزان والحكمة وبعد النظر والتحسب لعواقب الأمور، وعلى حسن التصرف واللباقة في اتخاذ المواقف السياسية والثبات على هذه المواقف عن اقتناع كامل ووعي رشيد وليست مبنية على حقائق ردود الأفعال .
يضيف المؤلفان أن الإسلام انتشر في عمان بطريقة دبلوماسية بحتة. وفود كثيرة زارت المدينة للاتصال بالرسول الكريم محمد (ص)، وهذه الوفود، سواء بطريقة تشكيلها وتفويضها، كما يرى الكتاب، كانت دبلوماسية بحتة والرسول الأعظم بادلهم الأسلوب ذاته عندما أرسل ممثلا عنه للتواصل مع أهل عمان للأتفاق على طرق نشر الأسلام بين العمانيين. واستمر الحال مع الخلفاء الراشدين وظهور المذهب الأباضي الذي وقف منذ البداية، كما يذكر الكتاب ” ضد الطغيان واللاشرعية ” وشدد على مبدأ التشاور في اختيار الأمام، وهو النهج نفسه الذي سار عليه العمانيون في تقاسمهم لموارد المياه القليلة من خلال نظام الأفلاج، وفي تصميم البيوت حيث يتصدر المجلس مدخل الدار، وفي أيثار الأخر على النفس أو ما أسماه فردريك بارث ” مبدأ الكياسة ” و الابتعاد عن الفرقة والتناحر.
/// إنجازات الدبلوماسية العمانية :
يقول علي بن مسعود المعشني (الخبير في العلاقات الدولية) ” بما أن السياسة الخارجية العمانية، سياسة هادئة ومتزنة وعقلانية وواقعية إلى أبعد الحدود، وتستقي بذورها ومنابت جذورها من تاريخ السلطنة ومكانتها في قلوب وعقول العرب والمسلمين والعالم، فقد اتسمت بالحكمة والزُهد والعف عن المغانم والمكاسب الذاتية، وتسجيل النقاط ، والأضواء والبهرجة وتسويق الذات والمن ، رغم أن من ذلك ماهو متاح ومباح بل ومحبب في أعراف السياسة ودهاليزها، وأروقة المدارس الدبلوماسية وأعرافها. الأمر الذي شجع البعض على خطف الأضواء وإنتحال الأدوار وخوض البطولات الوهمية، على حسابنا، في تلهف وهوس واضحين ليدلف على مسار التاريخ ، ويقتطع لنفسه مكانة فوق الأرض وتحت الشمس .”
وسطرت الدبلوماسية العمانية ملاحم حقيقية منذ الساعات الأولى للنهضة المباركة من خلال انضمام السلطنة إلى جامعة الدول العربية في سبتمبر من عام 1970، وفى اكتوبر عام 1970 انضمت الى الامم المتحدة، وفى فبراير عام 1972 اصبحت عضوا فى منظمة المؤتمر(التعاون) الاسلامي، وفى سبتمبر عام 1973 اصبحت عضوا فى حركة عدم الانحياز، وسارعت السلطنة الى وأد جميع خلافاتها مع الآخرين متسلحة بأعلى درجات الحكمة والصبر ورباطة الجأش لطي تلك الملفات والتي أرادها البعض، كما يقول المعشني، صراعات دامية تستنزف قدرات وطاقات الشعوب، بدأت باليمن الجنوبي ثم التفت الى بقية الجيران، لترسم السلطنة بذلك لنفسها سياسة وقائية في قراءة هادئة وعميقة للمستقبل، عبر جملة من المساعي والمشروعات لإيجاد صيغ تعاون بين الدول المطلة على الخليج العربي ، لتعزيز التعاون والتكامل وتعميق المصالح والجوار والتي من شأنها تقويض الأطماع والصراعات وعدم تعريض المنطقة لمخاطر لا يحمد عقباها. قال جلالة السلطان قابوس : “لقد حافظنا دائماً خلال المرحلة الماضية على مبادئنا السياسية، ومواقفنا الثابتة ) النابعة من قناعتنا وتقديراتنا الدقيقة للمسائل الإقليمية والدولية، فقمنا بتوثيق عُرى الأخوّة والتعاون مع الدول العربية والإسلامية، كما عملنا على تأكيد أواصر الصداقة مع جميع الدول والشعوب على أساس من الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والسعي إلى حل المنازعات بالوسائل السلمية، ومراعاة المواثيق والمعاهدات الدولية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة”.
بذلت السلطنة جهودا كبيرة لإنهاء الحرب العراقية الإيرانية ، خاصة وأن الطرفين المتحاربين كانا يعتبران السلطنة وسيطا نزيها وفاعلا ، ونجحت السلطنة في تقريب وجهات النظر وتجسير الفجوة بينهم في زمن قياسي، وتكللت تلك الجهود والمساعي الحميدة في اتفاقية وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة في 8/8/1988 .
وتمسكت السلطنة بمبادئها وحيادها بالرغم من جميع تلك التطورات الدرامية في المنطقة والعالم ، منتهجة سياسة خارجية متزنة وواقعية في جميع طروحاتها ، تأخذ بنظر الأعتبار جميع المعاهدات والمواثيق والأعراف الدولية. تجسد ذلك بجلاء شديد في موقف السلطنة من الثورة الإيرانية في 1979، حيث قام سعادة يوسف بن علوي بن عبدالله (وكيل وزارة الخارجية حينها) بزيارة لطهران والتقى بالخميني، ليفتح البلدان صفحة جديدة من العلاقات المتميزة بينهما. وقد مثلت تلك الزيارة ومانتج عنها خطوة عبقرية استباقية للدبلوماسية العُمانية في مفصل تاريخي مهم، واستثمارًا سياسيًا استراتيجيًا عظيمًا، في مرحلة تحول تاريخي عظيم. كما يُحسب للدبلوماسية العُمانية ، موقفها الموزون والمتوازن من اتفاقية كامب ديفيد ومقاطعة العرب لمصر.
ويضيف المعشني ” تجلت عبقرية السياسة العُمانية بصورة كبيرة في كارثة غزو العراق واحتلاله لدولة الكويت في الثاني من أغسطس 1990 ، حين تواجدت وحدات من الجيش السلطاني العُماني في حفر الباطن ضمن وحدات درع الجزيرة وأبقت الدبلوماسية أبوابها الأمامية والخلفية مشرعة لجميع الأطراف، فهذا التزاوج الحيوي الذكي أبقى السلطنة خارج دائرة الشبهات والمراهقة السياسية وأكسبها إحترام وتقدير جميع أطراف الأزمة ، كنظام راسخ وغير هوائي أو متقلب المزاج والأفعال .”
وتكررت النجاحات العمانية في حروب احتلال أفغانستان عام 2001 ، والعراق عام 2003 ، حيث تسلحت الدبلوماسية العمانية بأعلى درجات المسئولية وضبط النفس ، والتعبير الواضح لكافة الأطراف بخطورة تداعيات تلك الحروب على المنطقة والأمن والسلم الدوليين. ونجحت الدبلوماسية العمانية مجددا في موقفها الفعال والمتوازن والحكيم من ما أسمي بالربيع العربي، وخاصة بعد جنوحه نحو العنف الأعمى وتمزيق الأوطان، وقد تجلى الموقف العماني في رفض منح مقعد سوريا للمعارضة ورفض تكرار السيناريو الليبي في معالجة الأزمة السورية، وإصرارها على جعل العقوبات تجاه سوريا، عقوبات ثنائية وفق ماترتئيه كل دولة وتقدره. كما أن سعي السلطنة لإعادة النظر في ميثاق جامعة الدول العربية وبحث سبل تطويره، وتطوير هيكل الجامعة ومنظومتها، ومباركة عدد من الأقطار العربية لمسعى السلطنة هذا، يعتبر رصيدا إيجابيا آخر يضاف للدبلوماسية العُمانية ، في خلق مفهوم عربي موحد ومعاصر للتضامن والعمل العربي المشترك.
وختامًا، برهنت الدبلوماسية العُمانية ومن خلال نجاحها الكبير في التوفيق بين الخصمين اللدودين الولايات المتحدة وإيران، بأنها مهندس رائع لصياغة قناعات ومواقف الكبار كذلك، والذين غابت عنهم الرؤية والبصيرة طيلة ثلاثة عقود في حل أزمة عمودها فقد الثقة ، رغم نفاد وفشل كافة مفاصل وأدوات إستراتيجياتهم ، حيث سعت السلطنة ونجحت في حصر الخلاف في ملفه النووي. والسلطنة لم تنس أخوتها العرب في سوريا واليمن. فقبل عدة أيام قام معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بزيارة مفاجئة إلى العاصمة السورية دمشق ، لم يتم الإعلان عنها مسبقاً، التقى خلالها الرئيس السوري بشار الأسد، ونظيره وزير الخارجية السوري، وليد المعلم. وعبر الرئيس السوري بشار الأسد عن “تقدير الشعب السوري لمواقف سلطنة عُمان تجاه سوريا، وترحيبه بالجهود الصادقة التي تبذلها لمساعدة السوريين في تحقيق تطلعاتهم”، من جهته، أكد معالي يوسف بن علوي، الذي يُعد أول مسؤول يزور سوريا وسط “القطيعة” الخليجية لسوريا، “حرص سلطنة عُمان على وحدة سوريا واستقرارها”، مشيراً إلى أن السلطنة مستمرة في بذل كل مسعى ممكن للمساعدة في إيجاد حل ينهي الأزمة في سوريا. من جانب آخر أشادت الحكومة اليمنية بالمواقف السياسية الحكيمة لحكومة السلطنة وقيادتها وثمنت الجهود المبذولة من قبل السلطنة في تقديم وايصال المساعدات الانسانية للشعب اليمني،. تقول أوس الكوثري ” على الرغم من حيادها المعلن، تؤدي سلطنة عُمان دوراً محورياً في الأزمة اليمنية، ممثلةً «حبل نجاة» يكاد يكون وحيداً، لوقف الحرب المستمرة على اليمن منذ خمسة أشهر. تواصل عُمان بذل الجهود من أجل تقريب وجهات نظر أطراف الصراع بصمتٍ ومن دون ضجيج. وبرغم عضويتها في مجلس التعاون الخليجي، بات واضحاً تمايز السلطنة عن باقي الدول الأعضاء لأسباب عدة، ما جعل مبادرات مسقط تتصدّر المشهد الاقليمي في الوقت الحالي لإحياء العملية السياسية وإطفاء الحرائق المستعرة، إلى جانب حراك الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، من إيران إلى سوريا فاليمن والسعودية وحتى إلى غرداية في صحراء الجزائر.”
ويقول السيد عبدالعليم ، الكاتب والمترجم في الوطن العمانية، “بناء على رصيد السلطنة وخبرتها في ممارسة الدبلوماسية الهادئة الهادفة وقبولها لدى أغلب أطراف النزاع في سوريا، تسعى السلطنة جاهدة إلى تحقيق انفراجة في الأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات والتي راح ضحيتها الآلاف وتم تشريد وهجرة الملايين من أبناء الشعب السوري الذي يحظى بمكانة لدى كل مواطن عربي. ويضيف وبالنظر إلى تلك التطورات المتلاحقة على صعيد الوضع السوري من التدخل الروسي المباشر لدعم الحكومة السورية، واللقاءات والاتصالات التي تتم بين حكومة السلطنة والأطراف المتصارعة في سوريا، يتضح أنه ربما كان هناك ما تحمله الدبلوماسية العمانية في جعبتها من أفكار ومقترحات ومبادرات يمكن أن تجد قبولا لدى الفرقاء السوريين بما يمثل خطوة مهمة في إذابة جليد تلك الأزمة الممتدة
لم تلجأ الدبلوماسية العمانية في عهد صانعها ومخططها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، إلى مايؤجج الخلافات أو مايورث الخصومات بين الأجيال أو الشعوب، في استنطاق واضح وعميق لدول الأيام وسيرورة الحياة ونواميس التاريخ ومقتضيات السياسة، بل ولم تلجأ في لحظة ما لقطع علاقاتها الدبلوماسية أو التقليل من مستوى التمثيل – رغم مشروعية ذلك وشيوعه في الأعراف الدبلوماسية – كتعبير عن موقف سياسي تجاه أي خلاف ، بل لقد رفعت السلطنة وطبقت شعار ” لاضرر ولا ضرار ” في تسوياتها لجميع خلافاتها الحدودية مع أشقاء الجوار من برية وبحرية ، تأكيدًا لحسن النوايا وضمانًا لطهارة القلوب وصفائها . ما هي أسرار النجاحات العمانية التي لا تنتهي ؟
السياسة الخارجية العمانية : فكر نير و تاريخ عميق.
ويقول محمد القطاطشة (أستاذ العلوم السياسية المساعد، رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، جامعة مؤتة) وعمر الحضرمي (رئيس قسم الدراسات الدبلوماسية، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية) أن السياسة الخارجية العُمانية مرت في مرحلتين أساسيتين، الأولى مرحلة التكوين، حيث لم يكن لدى الدولة العمانية قبل مجيء جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم الى السلطة في 1970 أية سياسة خارجية واضحة وكان مفهومها لطبيعة العلاقات الدولية يستند إلى مخرجات صراع القوى في الخليج العربي وفي المحيط الهندي.
ويرى الباحثان إن معظم مكونات الفكر السياسي لدى القيادة العُمانية آنذاك تشكل من الخبرة المستمدة من ذلك الارتباط، وهو في النهاية أغفل أو أهمل البعدين الخليجي والعربي اللذين كانا مشغولين بالنضال من أجل الاستقلال والعمل على تأسيس مؤسسات تعنى بالعمل العربي المشترك، على غرار جامعة الدول العربية. واستمر هذا الوضع حتى مجيء جلالة السلطان قابوس عام 1970 ، والذي أدار السياسة الخارجية للدولة الفتية وفق إدراك وفهم مختلف للمتغيرات في المنطقة والعالم وكذلك لأهمية التفاعل مع تلك المتغيرات. بدأت الدولة الجديدة بالانفتاح على العالم، خاصة محيطها العربي والشرق الأوسط، آخذة بنظر الاعتبار ظهور النفط خاصة في منطقة الخليج العربي وتاثير الحرب الباردة. امتازت السياسة الخارجية الجديدة للسلطنة بالواقعية والحياد وعدم الانحياز والجنوح الى السلم والحوار والالتزام العروبي والاسلامي وانتهاج سياسة حسن الجوار واحترام القوانين والأعراف الدولية والوقوف إلى جانب القضايا العربية والإفريقية، وقضايا الدول النامية وكذلك مزجها للحداثة والتاريخ.
من جهته يقول أحمد بن سالم بن أحمد الشنفري في دراسته الموسومة ” الخطاب السياسي للسلطان قابوس ” إن سلطنة عمان أدركت أن التخطيط والتنظيم هما أساسا صياغة الاستراتيجية الخارجية، من خلال خطاب سياسي يلتزم بما يتفق والثوابت للدولة، ويتوافق مع إمكاناتها وقدراتها وذلك حتى يأتي القرار السياسي منسجماً مع ذاته، وأن يكون متواترا على صورة واحدة يحكمه “الثابت” ولا تحكمه الآنيّة والمرحلية”.
عرفت سلطنة عمان في المرحلة الثانية كما يؤكد عبد الحميد الموافي في كتابه عمان : بناء الدولة الحديثة ثورة حقيقية في جميع نواحي الحياة بقيادة السلطان قابوس بن سعيد، انعكس ذلك جليا في الأداء العماني الدبلوماسي الذي عبر عنه السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ ” لقد حافظنا دائماً خلال المرحلة الماضية على مبادئنا السياسية، ومواقفنا الثابتة النابعة من قناعتنا وتقديراتنا الدقيقة للمسائل الإقليمية والدولية، فقمنا بتوثيق عُرى الأخوّة والتعاون مع الدول العربية والإسلامية، كما عملنا على تأكيد أواصر الصداقة مع جميع الدول والشعوب على أساس من الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والسعي إلى حل المنازعات بالوسائل السلمية، ومراعاة المواثيق والمعاهدات الدولية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة”.
في هذه المرحلة تمكنت عُمان، كما يذكر كتاب مسيرة الخير(2001) الذي اصدرته وزارة الاعلام من رسم سياسة أكثر اتساعا وتحررا من الإطار الإقليمي، وترافق ذلك مع قراءة مستجدة لقواعد الواقع الداخلي وإيقاعاته وانعكس كل ذلك بشكل مباشر على السياسة الخارجية العُمانية. يقول جوزيف كيشيشيان في كتابه رؤية من الخارج: بعض مميزات السياسة الخارجية العمانية أن السلطنة انطلقت في مسيرة تحوّلية ضخمة استغرق الإعداد لها وإنجازها حوالي خمس سنوات (1970-1975) . ويضيف رياض نجيب الريّس في كتابه ظفار: الصراع السياسي والعسكري في الخليج العربي1970-1976 ” استطاعت السياسة الخارجية العُمانية أن تخرج من عزلتها التي فرضتها على نفسها قبل تولي السلطان قابوس الحكم، وسعت السلطنة لإقامة علائق أوثق مع دول الجوار، ومع بقية دول العالم. واتسمت هذه المرحلة بالجدية، والإعداد للانخراط في استحقاقات الفترة التحولية على صعيد المنطقة والعالم. وسرعان ما أتت هذه السياسة اكلها على الصعيدين العربي والأقليمي، فهي لم تنكر على مصر كامب ديفيد، ولكنها أكدت أنها ستقف مع الحق العربي كيف استدار. وفي حروب الخليج لم تكن السياسة العُمانية تشتط، ولكنها عملت على اغتنام علاقاتها مع كل أطراف النزاع للاحتفاظ بمخرج يمكن أن تمر به مقدرات الأحداث، إن هي اتجهت نحو الحلول السلمية. ففي الحرب العراقية الأيرانية نهجت السياسة الخارجية العُمانية كما يقول تاونسيد مسلكاً توفيقياً، فلا هي وقفت مع إيران كلية، بالرغم من خصوصية العلاقة الجيواستراتيجية معها، فرفضت دعوات القطيعة مع طهران ، ولا هي تخلّت عن العراق فاستمرت في الوقوف معه للخروج من المأزق. كما سعت السلطنة إلى المشاركة الفاعلة في الجهود التي بذلت لإعادة مصر إلى الصف العربي، بعد أن تعرضت لنقد وهجوم بسبب زيارة السادات للقدس ولتوقيعها كامب ديفيد. وفي حرب الخليج الثانية ظلت السلطنة تمارس سياسة الحياد والتعقل الأمر الذي مكنّها من قيادة محادثات واتصالات أدت في النهاية الى بقاء العراق في الصف العربي، وفي نفس الوقت تحرير الكويت.
/// ثوابت السياسة الخارجية العُمانية:
يعتقد سلطان الحطاب ( الكاتب في صحيفة الرأي الأردنية) أن الدبلوماسية العمانية ليس لديها فائض وقت او جهد لتعطيه للوساطة بين الدول المتخاصمة او التي توترت العلاقات بينها في الاقليم او المنطقة العربية او حتى على المستوى الابعد اي دوليا ولكن الوساطة والتقريب بين وجهات النظر والوصول الى حلول للمشاكل المستعصية هو جزء من السياسة العمانية. بل انه جزء اصيل فيها منذ خرجت عمان من عزلتها قبل 44 سنة وانطلقت بالنهضة التي يقودها السلطان قابوس بن سعيد. ويضيف الحطاب ليس غريبا ان تنجح الوساطة العمانية في اكثر من مناسبة وقضية لانها لا تعمل من اجل الثناء او لأهداف تكتيكية وإنما لخدمة المصلحة العمانية في الدرجة الاولى والتي تندرج نتائج الوساطات بتحقيق الامن والاستقرار في منطقتها في خدمة مصلحتها. ومن هنا كان عرض الوساطة العمانية بين البحرين وقطر وبين السعودية وقطر على مستوى الاقليم ومن اجل تخفيف الحصار عن مخيم اليرموك في وساطة لدى ايران عبر سوريا وايضا والأهم الوساطة بين الولايات المتحدة الاميركية وايران وقد نجحت وحملت الكثير من النتائج وازالت الكثير من التوترات الخطرة بغض النظر عن ما هي عليه هذه العلاقات الان فقد التقى الاميركيون والايرانيون في عمان وطهران وواشنطن وكان للدبلوماسية والسياسة العمانية الدور الرئيسي.
يقول القطاطشة والحضرمي أن الدول ذات الإمكانات المتواضعة نادرا ما تستطيع أن تفرض نفسها على مسرح الأحداث الدولية، خاصة وأن المجتمع الدولي لا ينصاع بسهولة إلا للدول القوية والدول المثابرة والنشطة والموجودة باستمرار على الأصعدة كافة. كما اثبت التاريخ أن الدول، غالباً، ما تعدّل في مواقفها أو تغيّر فيها،بل، وأحياناً، تقوم بالتخلّي عنها، استجابة للتطورات والمتغيرات التي يشهدها العالم. إن استعراض ثوابت السياسة العمانية سيقودنا الى الاستنتاج أن الدول تستطيع أن تنهج سياسة خارجية ثابتة وملتزمة وأن ذلك سيصب في مصلحة تلك الدول.
إن القراءة الواعية والمتعمقة لجميع أحاديث جلالة السلطان قابوس المعظم ، التي مثلت في كثير من جوانبها مجمل السياسة الخارجية العُمانية، تصل إلى حقيقة اهتمام السلطنة بالالتزام بالتخطيط الواعي وفق ما تمليه المفاهيم الحديثة للمجتمع الدولي، ووفق التماهي مع التطورات والتغيرات التي يشهدها هذا المجتمع. في خطاب لجلالة السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لمناسبة العيد الوطني الثامن عشر قال ” إننا نحرص دائماً على أداء دورنا كاملاً على الساحة الدولية وفقاً لسياستنا التي ننتهجها منذ البداية، بكل الإيجابية والوضوح . ” فجاءت السياسة الخارجية العمانية ملتزمة بالموضوعية، والإيجابية، والابتعاد عن القرارات العاطفية المتسرعة وغير المدروسة. وتمسكت السلطنة في كل حراكها السياسي الخارجي بالإيمان بضرورة الوصول إلى حلول لكل القضايا على وجه يؤمن السلامة لكل الاطراف.
ولم تغفل تلك السياسة البعد الديني والتاريخي للسلطنة. يقول جلالة السلطان قابوس المعظم ” سوف نعمل جادين على تثبيت حكم ديمقراطي عادل في بلادنا في إطار واقعنا العماني وحسب تقاليد وعادات مجتمعنا، جاعلين نصب أعيننا تعاليم الإسلام الذي ينير لنا السبيل دائماً”. لقد اعتمدت سلطنة عُمان الدين الإسلامي والموروث الحضاري العقائدي كأساس منهجي، وزاوجته بحداثة أملتها شروط التقدم العلمي والتطور الحضاري، استطاعت السلطنة من خلال ذلك الخروج بمعادلة واعية ومدركة لكل ما يستجد في العالم دون المساس بالثوابت. يقول هادي حسن حمودي في كتابه الفكر السياسي العماني” استطاع الفكر السياسي العُماني أن ” يوازن بين وظائف المدخلات ووظائف المخرجات، في سياسته الخارجية، وذلك بعودته إلى الثابت المقدس، فوفّر لنفسه قدرة الإيمان وقدرة اتباع الهدي الإسلامي، وذهب في التوجّه نحو بناء القوة المادية التي مكّنته من مناهضة القوى غير المؤمنة . ” جاء في خطاب جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في الذكرى العاشرة للعيد الوطني ” وعلينا، أيضاً، واجب الحذر من أولئك الذي يشوّهون تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف لخدمة أغراضهم السياسية”..
نصّت المادة الأولى من النظام الأساسي للدولة، على أن”سلطنة عُمان دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة تامة عاصمتها مسقط”. و ترجمت الدبلوماسية العمانية ذلك في كل توجهاتها بالعمل ابتداء داخل الدائرة العربية، حيث امتزج تاريخها بالتاريخ العربي وارتكزت مصالحها على هذا الأساس. منذ دخول سلطنة عمان جامعة الدول العربية في سبتمبر 1971 وهي تحرص كل الحرص على المشاركة الفاعلة والمستمرة في كل الأنشطة التي تتم من خلال الجامعة. كما أكدت في كل اتصالاتها وتواصلها على مبدأ قيام علاقات عربية – عربية قوية .ومن هذا المنطلق فقد أقامت السلطنة سلسلة علاقات مع الدول العربية على المستوى العام والخليجي والثنائي تميزت بالقوة والمتانة، إيماناً منها بأهمية التضامن العربي وأهمية العمل العربي المشترك في سبيل خدمة القضايا العربية والمصيرية. وقد تميزت كل هذه العلاقات بالمرونة وبالتفهم الكبير والواعي للأحداث على أسس واقعية، ونظرة متوازنة بعيدة عن الانفعال وعدم التروّي. لقد أدّت هذه الممارسة إلى تمكين عُمان من المساهمة القوية والمنتجة والإيجابية في حل كثير من النزاعات العربية. في خطابه في العيد الوطني الثالث 1973 قال جلالة السلطان قابوس المعظم : ” إننا جزء من الأمة العربية، تربطنا وحدة الهدف والمصير قبل أن يجمعنا ميثاق الجامعة العربية. وموقفنا من القضايا العربية واضح وصريح ولا لُبس فيه ولا غموض، وقد أعربنا عن تضامننا مع إخواننا العرب بكل ما نستطيع، وسنبقى دائماً مؤيدين للحق العربي ندعمه بالدم والمال ونسانده بكل طاقاتنا حتى يعود الحق إلى نصابه، وترتفع أعلام النصر على الرؤوس بعون الله”.
لقد فرض الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان على مدخل الخليج العربي والمحيط الهندي، وإشرافها على الجانب الغربي من مضيق هرمز شديد الأهمية عليها قرارا ً سياسياً أمنياً دولياً ذا خصوصية وحساسية، لذا، وجدنا أن السياسة الخارجية العُمانية في تعاطيها مع القضايا المفروضة ضمن ثابت الجغرافيا قد اتسمت بالهدوء، والتأني، وبالموضوعية؛ وذلك لأن السلطنة قد أدركت أن موقعها الجيواستراتيجي قد حمّلها مسؤولية كبيرة، تمثلت في المساهمة بشكل رئيسي في تأمين حماية مدخل الخليج العربي الذي يعد من أهم خلجان العالم. فعلى شواطئه تقوم دول نفط الشرق الأوسط، وعليه تتزاحم دول القوّة، وتقوم حوله مذهبيات دينية بارزة أصبحت تأخذ دورا ً هاماً في صناعة العديد من جوانب السياسات الخارجية لدول المنطقة. بسبب هذا كله، يقول عبدالحميد الموافي اتخذت عُمان سياسة خارجية ركزت على صيانة الأمن والسلم في الخليج، وقد تفردت في كثير من التوجهات والقرارات الأمر الذي جعلها في بعض الأحيان متفردة، بعد أن ذهبت معظم دول الخليج العربية إلى اتجاهات سياسية أخرى مختلفة . ويعتقد الصحفي أحمد بن سالم بن فرج باتميرة (في بحثه الموسوم عمان ومجلس التعاون لدول الخليج العربية) أن ذلك لم يؤثر في الموقف العُماني، إذ غالباً ما كانت الدول المنازعة لها والمختلفة معها تعود إلى الأخذ بالرأي العُماني، فحين رأت سلطنة عُمان أن الهم الأمني يجب أن يكون له الأولوية بين دول الخليج رأت هذه الدول أن البعد الاقتصادي السياسي والاجتماعي هو الأهم، وقد ثبت صحة الرأي العُماني خاصة بعد غزوالعراق.
ويعتقد أحمد بن سالم بن احمد الشنفري أن في منطقة كالمنطقة العربية تعد قراءة التاريخ والموروث التاريخي شرطاً أساسياً في فهم سلوك الدول. لسلطنة عمان تاريخ يمتد الى اثني عشر قرناً وسبق أن أسست دولة مترامية الأطراف في أسيا وافريقيا وعانت من اضطرابات وقلاقل وأطماع أجنبية وكانت كل مرة تخرج منها أقوى عظما وأكثر دراية في ادارة شئونها الداخلية والخارجية . استفادت سلطنة عمان الحديثة من هذا التاريخ الطويل في رسم سياسة خارجية امتازت بالوسطية والأعتدال والتروي وبعد النظر مكنتها من تكون محط إعجاب الدول الكبرى قبل الدول الصغرى. وكانت الكاريزما الشخصية لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ، ووقوف العمانيين وراء قائدهم في عملية النهضة الشاملة التي دفعت بالبلاد نحو التحديث والتطوير والدخول في سياق المجتمع الدولي المتحضر.، ناهيك عن طبيعة “الشخص” العُماني التي اتسمت بالعقلانية والهدوء والتبصّر، وجمعت بين الطبع المحافظ وذلك الطبع الباحث عن الحداثة، إلى جانب وضوح سمات السعي نحو التوازن والحوار.
لقد التزمت السياسة الخارجية العُمانية بمبدأ اعتماد الحوار، وتعزيزه بين الاطراف المتنازعة لحل الخلافات بروح الوفاق، والتفاهم، والتنكر لفكرة الحرب ومقاومتها كوسيلة لفض الخلافات، وإنهاء الصراع ات بين الدول. قال جلالة السلطان قابوس المعظم في مقابلة في صحيفة الأهرام القاهرية في 20/1/1985 :” وقد ثبت الدليل أنه يمكن بالمفاوضات وبالطرق السلمية أن تتوصل الأطراف المختلفة إلى حلول أفضل من الحلول التي يمكن التوصل إليها بالنار والبارود، وهي الحلول التي تزهق الأرواح وتنفق وتضيّع الأموال”. لقد أكد الفكر السياسي العماني كما يذكر هادي حسن حمودي على أن الحوار يجب أن يكون هو اللغة السائدة بين جميع الشعوب ، رافضا لاستخدام القوة والسلاح إلا ما كان دفاعاً عن النفس. من هذا المنطلق، جاء الفهم العُماني للعلاقات الدولية، وبالتالي لمفهوم السياسة الخارجية، وذلك تأكيداً على أن المصالح المشتركة بين الدول هي الأساس الذي يجب أن يُرتكز عليه، إضافة إلى ضرورة البناء على الإيجابيات. وقد تنامى هذا التوجه مع مكونات النفس العُمانية الجانحة للسلم والتفاهم على الصعيدين العام والخاص. لقد عرفت المنطقة العربية مصداقية الرؤية العُمانية، وذلك عندما اكتوت تلك المنطقة بنيران ثلاث حروب مدمرة نتيجة لما حذرت منه السياسة العمانية من ان الافتقار إلى لغة الحوار والارتهان إلى حل المشاكل باللجوء إلى لغة الحرب والقتال سيؤدي لا محالة الى نتائج مرعبة. في هذه الظروف استطاعت السياسة العُمانية أن تسجّل موقفاً يُحسب لها، حينما كانت دائما تغلب لغة العقل والحوار على لغة السلاح والقتال. ويمضي جلالة السلطان قابوس قائلا : ” نحن في هذه المنطقة يجب أن نكون واقعيين، وألا نفعل شيئاً تكون له آثار سلبية علينا في المستقبل، لذلك يجب أن نسعى لإيقاف هذه الحرب، وللصلح بين طرفيها. كما يجب أن لا نميل كل الميل لأي طرف بالنسبة للحرب ذاتها، لكنه يجب أن نساعد الشعب العراقي للخروج من هذه الأزمة وللوصول إلى حل مُرضِ بالنسبة للشعب العراقي . وفي الوقت نفسه فإنه ينبغي أن نسعى بإقناع جيراننا في ايران بأن ما لهم من حق، يمكن أن يتحقق لهم بالطرق المشروعة، وبالطرق السلمية”. إن منهجية الحوار في الفكر السياسي العُماني قد رفضت، دائماً، سياسة الأمر الواقع، وتبنت وبكل اقتدار الواقعية السياسية المبدئية دون الانحياز إلى أي طرف من اطراف النزاع . لقد جعلت الضبابية العربية حول حرب الخليج الأولى ما رسخته عُمان وطلبته مخرجاً ممكناً وموضوعياً وحقيقياً . التزمت عُمان منهجية الحوار، حتى في القضايا الحساسة كالقضية الفلسطينية، وذلك بالدعوة إلى حوار عربي – عربي، ثم حوار عربي – دولي في إطار القانون الدولي والقرارات الدولية، وأكدت أنه عبر الأخذ بمبدأ الحوار كأحد ثوابت السياسة الخارجية، يمكن الحصول على الحقوق المشروعة في أي خلاف دولي. تمكنت سلطنة عُمان من أن تحقق مشاركة فاعلة وإيجابية في تمهيد الأرضية لحل العديد من الأزمات التي جنبت المنطقة، أو أنها كانت قادرة على تجنيبها صراعات كثيرة. وقال جلالة السلطان قابوس المعظم في 18/11/1979 : التشاور فيما يتعلق بالميادين السياسية والأمنية أصبح الآن مهماً للغاية بالنسبة لاستقرار المنطقة وأمنها واستمرار مناعتها ضد التدخلات الأجنبية. ” و قال أيضا محذرا في 18/11/1975 ” إننا لسنا على استعداد لأن نضع أيدينا في يد حليف غادر……إننا نحمل السلاح دفاعاً عن العقيدة والوطن والكرامة ، ونمد أيدينا حرصاً على الوئام والسلام ورابطة الدم. ”
لقد أدركت سلطنة عُمان، وهي تُصيغ سياستها الخارجية، أن معظم الدول العربية
عندما تتعاطى مع الشأن السياسي الدولي، فإنها تقول في توجهها إلى الرأي العام الدولي خطاباً سياسياً مصاباً بالازدواجية الناجمة عن عدم حسن التعامل بين الشأن الداخلي ومعطياته والفهم الدولي للأحداث والتطورات. وهذا يدل على فهم غير ناضج لحركة العالم ولقوانين تلك الحركة على مستوى العلاقات، وعلى مستوى المصالح. ولذا، كما ترى السلطنة، فإن هذا هو السبب الأكثر أهمية في افتقاد المشكلات العربية المحلية والإقليمية للتعاطف الدولي المطلوب. وتداركاً لهذه الأزدواجية السياسية، فقد حسمت السلطنة موقفها في وقت مبكر، حيث طالبت بضرورة ترصين الداخل والانطلاق من معطياته والإفادة من تأثيراته التي تدخل في صلب المعادلة السياسية العالمية؛ وبالتالي يسهل معالجة القضايا المستعصية وتحقيق الأهداف. وقال جلالة السلطان قابوس المعظم في 18/11/1981 ” إذ إن العالم يشهد في هذه الحقبة أحداثاً ومتغيرات معقدة ومتشابكة فإن ذلك يلقي علينا مسؤولية أكبر نحو بناء وتطوير قدراتنا الذاتية بما يمكننا دائماً من تحقيق أهدافنا.” وقال جلالته في 18/11/1975: “إننا إذا أردنا أن نضمن لبلدنا القيام بدوره كاملاً من أجل خدمة قضايا الحرية والسلام فإنه يجب علينا أن نواصل جهودنا لبناء وتعزيز قوّة بلدنا، وأن نعد أجيالنا الصاعدة للمهام والمسؤوليات التي تنتظرهم.” لقد أدرك الفكر السياسي العُماني، انطلاقاً من هذه القاعدة الثابتة، أن ثمّة ارتباطا جدلياً بين الداخل والخارج على مختلف مستويات التنمية والعلاقات الدولية. لذا فقد أحاط الداخل والخاص بكثير من الاهتمام والدراسة والتحليل، وآمن أن التعاطي مع القضايا الدولية الهامة والمتفاعلة يجب أن يرتكز، وبصورة جليّة ومباشرة، على ترصين المعطيات الداخلية. وعلى هذه الأسس جاءت المقاربة العُمانية للقضية الفلسطينية، حيث رأت السلطنة أن على العرب، قبل أن يبدأوا تداول الأمر مع الخارج، أن يتفقوا فيما بينهم، وأن يجمعوا كلمتهم، وذلك بنبذ الفرقة وتوحيد السياسات، وعليه فإنه لا يمكن الوصول إلى العالمي قبل إنجاز المحلّي.
أن الرؤية العُمانية لمفهومي السياسة الخارجية والعلاقات الدولية تنطلق من الذات إلى الآخر، ومن المحلي الخاص إلى الدولي العام، مع الالتزام بمنظومة القيم الأخلاقية القائمة على الحوار السياسي وتبادل المنافع، على أسس مبدأ المصالح المشتركة. لذا، فإن عُمان ترى أن من حق كل دولة، دون خروج عن مبادىء القانون الدولي، أن تبحث عن مصالحها، فإن توافقت هذه المصالح وتقاطعت فيجب الذهاب إلى دائرة التعاون لحل كل الأزمات والخروج من كل الاختناقات. وتدرك عُمان أن أية سياسة لأية دولة هي قائمة على أساس المصالح.
انطلقت السياسة الخارجية العُمانية فاعلة في جميع الدوائر التي تشمل النشاط السياسي والعمل الدبلوماسي، عكست تماسك هذه السياسة وثباتها، فهي تعمل بكل جدية على مستوى الخليج العربية وعلى مستوى الدائرة العربية، وكذلك الشأن في الدائرة الإسلامية، ودائرة دول عدم الانحياز، وضمن المجموعة الدولية. وأكثر ما يبرز هذا التوجه، سلسلة العلاقات التي بنتها السلطنة مع معظم دول العالم، ناهيك عن المركز الحضاري الذي احتلته على الصعد كافة، حتى أصبح الموقف العُماني موضع تقدير العالم، وذلك لما حفظته للدول من احترام وتقدير لشؤونها الداخلية مع البناء على ما تفرضه المصالح المتبادلة المشتركة من أرضية إيجابية تكون أساساً للعمل الدولي الصالح والفاعل.
لقد ألزمت سلطنة عُمان نفسها باتباع سياسة خارجية حيادية حيال كل القضايا التي
تكون طرفاً فيها، أو تلك التي تكون قادرة على التأثير فيها. وقرأت الدولة العُمانية الأحداث الجارية في العالم بشكل عام، وفي المنطقة على وجه الخصوص من زاوية أن من واجب كل الدول المنتمية إنسانياً للمجتمع الدولي المتحضر أن تسعى إلى نبذ الخلاف، وبالتالي الالتزام بالحلول السلمية، وهذا لن يتأتى إن لم توجد بعض الدول القادرة على إدارة التهدئة، وذلك عن طريق إبقاء جميع القنوات مع كل الدول مفتوحة، وبناء علاقات جيدة معها، الأمر الذي يهيء لها فرصة حل الأزمات بعد أن حققت القبول من لدى جميع الأطراف، وهذا لن يكون إلا إذا اعتمدت هذه الدول الحيادية. في هذا الصدد صرح مصدر رسمي عُماني في 1990 أن العراق لا بد أن يكون طرفاً في هذا الموضوع (النظام الإقليمي) للخليج بغض النظر عن النظام القائم في بغداد. فالعراقيون سيظلون دائماً جيراننا ولا بد من التوصل إلى توافق معهم، وليس هناك داعٍ لإيجاد الشقة بين الشعوب. وفي حديث لوزير الإعلام العُماني في 19/2/1990 نشرته صحيفة الوطن العمانية في اليوم التالي ، قال: إن شعوب المنطقة ودولها لا يمكن إزالتها بشطبة قلم، وإنها تشكل حقيقة تاريخية وجغرافية وسياسية، لذا فإننا نتبنى منطقاً سياسياً يتعارض مع أية محاولات تصعيدية.
لقد لعب الفكر السياسي لجلالة السلطان قابوس المعظم دورا كبيرا ً ومهماً في كيفية إنجاز المشروع السياسي الحضاري في سلطنة عُمان. وقد جسّد الخطاب السياسي العُماني وظيفته بشكل واضح في تحقيق النهضة الحديثة التي تعكس ارادة التغيير ونقل السلطنة الى مصاف الدول المتحضرة والفاعلة بنشاط في نشر السلام والمحبة بين جميع شعوب الأرض.

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي

إلى الأعلى