الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات : الواقع .. الإنسان ابن التناقضات

كلمات : الواقع .. الإنسان ابن التناقضات

كلما دخلت في عمق المأساة العربية وفي الواقع العربي المتردي، تجدني انضم الى الفئة القائلة بأن لا مجال للكتابة العاطفية حيث السيطرة في هذه الأجواء للبكاء على أطلال الأمة .. إذ كيف يمكن لشاعر ان يتغزل وهو مثلا محاصر بأعداء .. في الوجع العام تصبح الكتابة من صلبه، لا يمكن للمرء ان يضحك في جنازة وأن يقهقه عاليا أمام الناس .. لكل حدث موقفه، وما يمكن فعله هنا قد لا يصلح هناك.
ومع ذلك تراني امشي الى الأمل، فلربما ينتفع المرء بنظرته المتأملة فيصحو ذات يوم على خلاص أمة .. انها مشاعر تبنى على تصورات وأحلام، لكنها في السياسة وقائع وواقعية، وكلما فتحنا باب التفكير بما نحن فيه، ستجدنا نضرب كفا بكف، مايحيط بالوطن العربي صعب ومعقد وخطير في مداه المنظور وحتى البعيد، وأي كلام بالتالي يمكنه ان يكتب عن هذا الجحيم الذي طال ونخاف ان يتأصل فيصبح احداثا لا تنتهي، واعلم تمام العلم ان الذين خططوا لهذه الكارثة التي نمر بها، وضعوا لها سقفا زمنيا طويلا، فهنالك امة يجب ان لاتفيق في عرفهم، ان تتعايش على امنها المضطرب، وحياتها الاجتماعية التي استجدت تفاصيلها سوءا، وبالتالي خضع اقتصادها للريح الجهنمية.
ضمن هذا الجو التعيس والمشحون، تظل مفارقات الحياة على حالها، هنالك من يحب، وهنالك من يتزوج، وهنالك من يدرس على أمل الفوز بالشهادة، وهنالك من يخطط لمشروعه الخاص، هنالك حالمون، ورياضيون يمارسون رياضتهم كل يوم .. هنالك بعثرة تامة في الحياة الانسانية لا يمكن لها ان تتوقف، انها فقط حيثما يكون الخطر يتحول المرء الى ملتزم بالبحث عن اي اسلوب يهرب منه.
هنالك من يقاتل اسرائيل في الاراضي المحتلة، لكن هنالك ايضا اصناف من اهتمامات الآخرين .. في سوريا ما نعرفه من آلام شعب أقل مما هو معلن، ومع ذلك من يذهب الى دمشق العاصمة يجد العمل والجهد والبيع والشراء، كما يجد تفكيرا بمشاريع الغد، وثمة من يتزوج مثلا او يكتب قصائد حب لفتاة عالقة في خياله او موجودة في الواقع. فالحياة عادية وبكل اشكالها المعروفة، كأنما الدنيا بخير حولها مع ان هنالك جحيما مستوطنا قربها او على بعد كيلومترات منها.
تنتصر الحياة دائما لأن لها معنى وجوديا .. عندما وقعت الهزيمة الكبرى عام 1967 باحتلال اسرائيل لاراض عربية في سيناء والجولان والضفة الغربية ، لم يجد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر اي معنى لتوقف الحياة بكل تنوعاتها ، ولهذا استدعى كوكب الشرق ام كلثوم ليقول لها ان تغني الحب كما غنته، المجتمع بحاجة في هذا الوقت اكثر من اي وقت مضى، ويجب ان نعيد سيرة الحياة العادية وان تنتصر فيها التفاصيل الطيبة. وكان قد تناهى الى اسماعه انها توقفت عن الغناء اكراما للمرحلة الصعبة التي تمر بها مصر، وبالفعل عادت ام كلثوم الى جوها الغنائي المعروف ومن يتابع تلك المرحلة يجد انها غنت العديد من اغنياتها العاطفية ولعبت دورا في مسح دموع المهزومين، دون ان تنسى مثلا الغناء الوطني، فهي من اصله، وهي التي قدمت فيه الثمين والجميل، فكانت اغنيتها المعروفة ” اصبح عندي الآن بندقية الى فلسطيني خذوني معكم ” ، وهي التي تحولت احدى اغنياتها ” والله زمان ياسلاحي” الى نشيد مصر الوطني ايضا.
عالم يريد ان يعيش، ولكي يستمر عليه ان يتجانس دون ان ينسى مايجب ان يلتزم به. اليوم هنالك مواليد ولدوا اثناء الحرب اللبنانية ، مما يعني ان ثمة من عاش حبا وسط النار، وهنالك في سوريا من ولد ايضا خلال الحرب، وخلال الحرب العالمية الثانية لم تتوقف المواليد في روسيا التي هاجمها النازيون .. طاقة الانسان خلاقة، هو ابن الخطر في لحظته، لكنه ايضا ابن الأمان في لحظته. فتراه يعيش هذا وذاك وبينهما فرق بسيط من الوقت والزمن.
هنالك قصة فيها بعض الخيال، بطلتها أمرأة عاد زوجها من الحرب وقد تغير تماما في سلوكه وعاداته، فلم تجد له حلا سوى ان تشتكي لأحد الحكماء، الذي اشار عليها ان خلاص زوجها يكمن في ان تحضر له شارب نمر حي .. وحين لم تجد بدا من هذا الأمر، ظلت تبحث عن كيفية تنفيذ الفكرة بالفعل، فعرفت ان ثمة نمرا يسكن احدى المغارات .. حملت اليه طعاما وتقدمت منه بخوف ووضعت له الطعام، ثم عاودت الكرة مرات الى ان اعتاد النمر على رؤيتها، فسألها بعد ان اطمأن اليها بماذا تريد فقالت اريد بعضا من شاربك فجن جنونه لكنه عاد الى هدوئه ثم قال لها خذي منه ماتشائين. حملت المرأة الشارب وهرولت مسرعة الى الحكيم واعطته الشارب وهي في غاية الفرح، فما كان منه الا ان وضعه على النار واحرقه فجن جنونها قائلة تعبت كل هذا التعب لكي تحرقه بهذه الطريقة، فقال لها الحكيم: من يصبر على تطويع نمر يمكنه الصبر على اعادة زوجها الى حياته العادية.
اذن بالصبر وحده نلاقي شؤون الحياة .. ولكن الصبر غير الاتكالية، وغير الكسل، انه مزيج من اشياء مبعثرة في شخصية المرء لايمكنها ان تهزمه ابدا. ان مادة السياسي الاساسية في عمله هو الصبر .. الحروب لا تنتهي فقط بالميدان، يلزمها صبر متعب كي تنتهي بالشكل الذي تحسمه احيانا المعارك كما حصل في الحرب بين ايران وعراق صدام حسين حيث اعلن الخميني يومها الهزيمة ، او تنتهي بتسوية سياسية عبر اتفاق ما حصل للحرب اللبنانية التي جلس فيها المتحاورون طويلا للبحث عن حل ووجدوه في اتفاق فيما بينهم . لكن كل الحروب عامة يجب ان تنتهي بحوار ، ماعدا الحرب العالمية الثانية التي انتهت بسقوط هتلر وحزبه، وكذلك الحال في الحرب العالمية الاولى التي هزمت فيها المانيا ايضا، وهي التي ولدت بالتالي ماجاء بعدها من حرب كبرى اخرى.. ولهذا كما يقول محمد حسنين هيكل، فان كل حرب جديدة هي بقايا حرب قديمة.
اريد ان اصل الى زبدة الكلام، وهو قدرة المرء على العيش الذي هو رائع كما يقول ناظم حكمت في كل الظروف. عندما يحب الشاب يجد ان حبيبته نهاية العالم لا قبلها ولا بعدها فيخاف خسارتها وهي ايضا بالمقابل، وعندما يقع المرء في مشكلة تقف ظنونه انه لن يقوم منها، كان احد رجال الدين في لبنان يخاطب مستمعيه بتكرار جملة تقول ان الانسان يجب ان لا يستسلم لأية حالة ، عليه ان يجرب دائما الى ان يقع على الافضل . فليس هنالك من نهايات دائمة وثابتة الا الموت ، وحتى هذا فتح الدين له نوافذ حساب وجنة ونار …
في الفكر المادي هنالك تناقض في حياة الانسان يساعده على التلاؤم مع طبيعة العيش والحياة .. فهو يفكر لأنه اشرف المخلوقات ، ولأنه كذلك فهو يعيش التناقضات في لحظات احيانا او في تباعد فيما بينها ، لكنه اسيرها . فهو يحب ويكره ، ينام ويصحو ، يبكي ويضحك ، يحجم ويقدم ، يمرض ويشفى … هي في اصول يومياته احيانا ، لكنها الثابت الدائم الذي لايفارقه ، وتراه يخضع له ويمارسه دون ان ينتبه الى انه يمارسه.
نحن نعتاد على تصرفاتنا فلا نفلسفها ولا نعيرها احيانا اهتماما، عندما دخل الراديو على حياة اجدادنا اصابهم الهلع من جهاز يأتي بالاصوات بهذه الطريقة الغريبة القائمة على سلك فقط .. وعندما دخلت السيارة مثلا اصيب الناس بالذهول، حتى انه كما اخبرنا، عندما وصلت السيارة لأول مرة الى احدى القرى اللبنانية قدم لها البعض حشيشا ظنا بانها تأكل وانها مخلوق طالما انها تمشي وتتحرك. ثم تطورت اساليب الحياة وفي كل منها كنا نتفاجأ بالاختراع الجديد، حتى ونحن نستعمل اليوم جهاز الخليوي لا ننتبه الى سحر فيه، اينما نكون موجودين فهو يشتغل ، ومن بين مليارات الاجهزة يرن جهازنا عندما يطلبنا احد من اي مكان في العالم.
اذن الحياة ايضا عادات، والعادة طبيعة بشرية هي التلاؤم مع البيئة .. وثمة اعراف، ولكل مجتمع اعرافه واشكاله التربوية ومفاهيمه . لكن الذي لايختلف عليه هو ماتقدمنا من حالة الانسنة البشرية الذي هو عالم واسع من المشاعر والاحاسيس والقيم والمفاهيم والافكار. في اللحظة الاولى التي يولد بها الطفل تأتي صرخته المجلجلة، بكاؤه حالة تنفس بادخال الهواء الى رئتيه، للكن الأمر الهائل هنا ، انه يمارس واحدة من العواطف التي ستلازمه طوال عمره، فيما يقال انه عندما يوضع على صدر الأم يشعر بعاطفة جميلة تتسرب اليه. اذن منا وفينا كل مبتدأ نعيشه . وعند الموت يبكي فقط المحبون والاهل لانها المفارقة الاخيرة، فيما المتوفي جثة هامدة ، وكما يقول الشاعر ابو العلاء المعري ” ان حزنا في ساعة الموت / اضعاف سرور من ساعة الميلاد”، تلخيص دقيق لميزة انسانية تعتمد على العيش الطويل الذي عاشه الانسان ووجد له وجودا في آخرين وفي اهل واصدقاء واقارب.
يقولون ان العالم بات قرية، هو كذلك بالنسبة لدول عظمى، اما بالنسبة للانسان فهي المكان الذي ولد فيه وتربى وعاش، الوطن مخزون الرؤية والمشاهدة والملامسة واللغة .. من يهاجر يظل اسير المكان الذي ولد وترعرع فيه، اما اولاده فلا يشعرون شعوره، بل هم ارتبطوا اولا واخيرا بالمكان الذي ولدوا فيه وشربوا من حياته.
نحن ابناء حياة لها معنى مقدس، فيها الكثير من الثوابت التي اعتدنا عليها ولا نعيرها اهتماما . الايمان بقدرات المرء ضرورة للانسجام الداخلي ، والا تصبح الحياة بلا معنى .. هنا نكتشف معنى التناقض في حياة الانسان ، وبدونه يفقد المرء انسانيته التي هي طموح مفتوح لا يقف بوجهه عائق.
لا بد من انتصار الحياة في النهاية .. صحيح ان المرء يشعر احيانا ان الحرب هي الأساس وان الكراهية هي الأساس ايضا، وهي عكس ما يعتقد البعض، لكن لا بد من التمسك بما اعتدنا عليه فهو منجاة من أي تأويل او تفسير آخر.

زهير ماجد

إلى الأعلى