الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: حكم الوطن والتاريخ

باختصار: حكم الوطن والتاريخ

زهير ماجد

تذكرت في غمرة الاهتمام بالمنطقة، أن ثمة رجلا ليس برجل سيرته لا تنسى .. طواه الموت فجأة، فمضى ملعونا ومرذولا منسيا ولم يترك وراءه حتى الغبار الذي يعلق بشجر النخيل الجميل، إلا أنه لعب دورا من أقذر الأدوار وأكثرها تأثيرا على العراق ..
أدوار العراقي أحمد الجلبي كثيرة، لكن أبرزها إقناعه للبيت الأبيض أيام جورج بوش الابن، بأن صدام حسين ديكتاتور وأنه يمتلك أسلحة دمار شامل، ويتواصل مع “القاعدة” ويدرب مقاتليها، وأن رحيل صدام سيؤدي إلى قيام أنصع الديمقراطيات في المنطقة التي سيعمها السلام أيضا.
بهذه الجمل التي شحن فيها عقل بوش ومؤسسته من ديك تشيني إلى وولفوفيتز إلى رايس وآخرين، كان الجلبي قد نال ثقة هؤلاء وهو الذي تربي في كنف الاستخبارات الأميركية وكان قريبا من الإدارة نتيجة قدراته المالية وتاريخه الذي يقول عنه إن والده كان رئيسا للبرلمان العراقي قبل أن يطيح انقلاب عبدالكريم قاسم به عام 1958 بل هو مؤسس بنك الرافدين أيضا، إضافة إلى جده الذي لعب أدوارا مهمة في سياسة العراق.
قديما قال علي صالح السعدي الذي قاد انقلابا في العراق عام 1963 إنه جاء على ظهر دبابة أميركية، أما الجلبي فقد تم إنزاله بواسطة طائرة أميركية في بغداد عام 2003 عند احتلال العراق باعتباره المؤسس لما يسمى “المؤتمر الوطني” منذ عام 1990، وكان من أشد المدافعين عن حصار بغداد مقنعا الإدارة الأميركية بأن هذا الأمر سيؤدي حكما إلى إسقاط صدام حسين، فما كان أن تحمل ملايين العراقيين الجوع والمرض فيما بقي الرئيس العراقي ولم يغير به الحصار.
كثيرة ارتكابات الجلبي بحق بلده العراق وبحق العراقيين .. وقبلها تاريخه الأسود في عالم المصارف حين أنشأ بنك البتراء في الأردن ثم سرق الأموال فأغلق البنك وأصدر الأردن بحقه حكما قضائيا قاسيا مع منعه من الدخول إليه، وهكذا فعل في لبنان حين كان له مصرف “مبكو” الذي سرق أمواله أيضا وأدى إلى إفلاسه وإغلاقه وتشريد المئات من العاملين ومن أصحاب الرساميل.
كيفما قلبنا تاريخه سنجد ما هو الأشد سوادا، لكن ارتكاباته في مسقط رأسه في العراق هي الأبشع في هذا التاريخ، ورغم ما قدمه للأميركي والبريطاني من خدمات ومعلومات، فقد نبذه الأميركيون والبريطانيون بعدما اكتشفوا كذباته عليهم ومعلوماته التي جرت الوبال على القوات الأميركية. ومع أن رئيس وزراء بريطانيا توني بلير اعتذر مؤخرا عن خداعه للأميركي من أجل احتلال العراق، إلا أن الجلبي لم يعتذر ولم يبادر إلى تصحيح مسار حياته السياسية التي ظلت مشبوهة حتى لحظة وفاته. ورغم أنه ممول لعدد من القنوات الفضائية وفي طليعتها قناة “آسيا” إلا أنها لم تعر موته المفاجئ إلا بخبر صغير في محطاتها الإخبارية، إضافة إلى ما قيل في وقت لاحق من أنه ربما مات مسموما بعد شكوك في طبيعة موته، وهو من كان يمارس الرياضة ثلاث ساعات يوميا ويتناول طعاما صحيا.
لن يغفر التاريخ لهذا الرجل الذي ساهم في تدمير بلده العراق وفي إيصاله إلى ما وصل إليه .. بل هو من يقف وراء نكباته وأبشعها الاحتلال الأميركي له وما نتج عنه لاحقا وإلى اليوم.

إلى الأعلى