الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نستنبت الأمل في الروح لنقوم من رمادنا

نستنبت الأمل في الروح لنقوم من رمادنا

علي عقلة عرسان

نحن السوريين، هنا والآن، أمام هذا الواقع وأمام هذه الوقائع.. الجبهات في سوريا نار مشتعلة، ووقودها نحن بالدرجة الأولى، والقتل في بلدنا على قدم وساق، والمعاناة بلغت حدًّا لا يطاق.. ومع ذلك كله، ورغم ذلك كله.. الأقوياء الدوليون المتناطحون، يحشدون في أرضنا لما هو أبعد من انتصار على داعش وعلى غيرها من المصنفين “إرهابيين”، أي المستهدفين في سوريا. والمضحك المبكي أن التصنيف “إرهابي” يكاد يشمل الجميع..

ألا نلاحظ أن المشهد القتالي المتصاعد، على الأرض السورية بنادق وخنادق، يتحول شيئًا فشيئًا، إلى حشود عسكرية لتحالفين دوليين كبيرين، يستعدان عمليًّا لما يمكن أن يصبح مواجهة مسلحة بينهما، رغم التنسيق، تبدأ عبر الوكلاء أولًا، ثم تصبح وجهًا لوجه، من بعد تفاقم الأوضاع، واهتراء التنسيق. ودوامة حرب وصراع دامٍ، في سوريا وعليها، تدفع هي ثمنه أولًا، من عمرانها، واستقلالها، وأرواح أبنائها، وخراب دولتها.. إلخ؟! إن قوات التحالفين الدوليين تتقابل الآن، من خلال الوكلاء في حرب جلها بالوكالة، بالدرجة الأولى، ويتم ذلك تحت راية محاربة داعش، ويكاد الكل يصبح بحكم داعش من حيث النتيجة. الحشد والاستعداد يستمران ويتصاعدان ويتجذران في الأرض، ويستقطبان قوى.. مما ينبئ بمواجهة أكبر قد تطول، وقد تتحول إلى مواجهة مباشرة، لا تلبث أن تنتشر نارها لتشمل مساحات أكبر من سوريا بكثير.. هي حرب في المنطقة أو الإقليم، تحقق للكبار أهدافًا وتسحق أهلها وما يمثلون؟! الكل الآن يتذرع بتنظيم الدولة “داعش”، وفي الوقت الذي يناوشها فيه، يخوض حربًا على الآخرين مع آخرين، ويعزز حضورًا عسكريًّا نوعيًّا، ويؤسس لزمن قادم، وهذا يوحي بأن داعش لا يمكن أن تكون وحدها هدفه، فهو يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وإلى ما يستقر ويستمر ويدوم، من بعد القضاء على الإرهاب.
الآن، على أرض الواقع في سوريا، نشهد اقتتالًا على جبهات، تخوضه قوى تعمل بإمرة قوى، هي من التحالفين، ولا يكاد ينجو أحدٌ من أحد. وتتم المواجهات الدامية وفق خطط كل من التحالفين، وبمساندة كل منهما لحلفائه، وبمشاركة منه لا سيما في القصف الجوي والاستهداف بالصواريخ من جهة.. وحيث يقدم أسلحة وذخائر، واستشارات وخبرات، ومساهمات لوجستية، ويسخر طاقات وقدرات، ويزج بعناصر بشرية في القتال في مواقع وحالات.. ويعود ذلك الإسهام لرأسي التحالفين على الخصوص، “الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية”.. لكن كل المنخرطين في كل من التحالفين يركض ليكون له وجود نوعي على الأرض، وفي الجو، والبحر، إن هو استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن لا يقدم المقاتلين والسلاح يقدم المال.. وهكذا الكل يسلح، ويمول، ويدرب، ويوجه، ويقصف، ويقتل.. ويعلن عن حضوره، سياسيًّا وعسكريًّا.. والكل يعزز قواته وقدراته النوعية وحضوره، ويؤسس لذراع قوية، وكلمة فاعلة، لبقاء طويل الأمد. غواصات، وسفن حربية، وبوارج، وقطع بحرية أخرى في البحر الأبيض المتوسط، وحاملات طائرات في مياهه قرب الساحل السوري، وأخرى تتجه إليه، منها “شارل ديجول” الفرنسية، و”الأميرال كوزنيتسوف” الروسية، ومقاتلات هجومية في قواعد عسكرية، منها “حميميم في سوريا، و”أنجرليك” في تركيا على الخصوص، وصواريخ عابرة للقارات تطلق من بحر قزوين إلى مواقع في سوريا تحمل رسائل ذات مغزى، وأخرى من نوع “أرض جو” للدفاع ضد هجمات بالطائرات أو بالصواريخ تحشد في سوريا، وعناصر بشرية برية على الأرض، يتزايد عديدها، وغرف عمليات في بلدان مجاورة لسوريا، في “الأردن، وتركيا، والعراق”.. والحشد مستمر، والقواعد تتسع وتتعدد. فهل كل هذا من أجل داعش، التي لا تملك، فيما يعلن الجميع ويعلم، لا طائرات، ولا غواصات، ولا صواريخ عابرة للقارات؟! أم أن الأمور تتجه إلى غير ذلك، تحت راية القضاء على داعش، وإن كانت داعش هدفًا رئيسًا للجميع؟!
واللافت للنظر، أن هذا الفعل العسكري على الأرض، وفي البحر، والجو، والمرافَق بحشد عسكري مستمر، متصاعد، وذي صفة نوعية وأبعاد استراتيجية، يتم بموازاة الفعل السياسي “فيينا ١و٢” الذي يقول أهله بحل سياسي للحرب في سوريا. وقد صدر عنه بيان سياسي أكد ذلك، وتضمن اتفاق الـ”١٧” المؤثرين، في غياب تام لسوريا والسوريين، على تسع نقاط هي أسس أو ثوابت للحل، بانتظار استكمال حل العُقد الأخرى. وهو بيان أكد على أن الحل السياسي في سوريا يستند إلى جنيف ١ وجنيف ٢!! فهل ما يجري يا تُرى هو تظاهرة قوة، أم تسابق بين أطراف دولية ليكون لكل منها موقع، وقول مؤثر، في “قرار الحل السياسي” للمسألة السورية، أم هو حشد عسكري وسياسي وإعلامي، لتقاسم لحم المريض المسجَّى على الفراش، أم هما الخداع والمكر السياسيان، بضاعة محترفي السياسة التي تتنكر للأخلاق، وتقدم المصالح على المبادئ، ولا تعنيها الشعوب والقيم والجوانب الإنسانية، إذا ما تعارض ذلك مع مصالحها الاقتصادية والسياسية، وحيث يقول الساسة شيئًا ويُعدّون لشيء آخر؟! ونحن في هذا الوضع نسمع من معظم أطراف التحالفين الدوليين الكبيرين، ومن قادة القادة على وجه التخصيص، مقولة: “إننا ندافع عن مصالحنا القومية” في سوريا، ويقولون شيئًا من ذلك في قضايا أخرى وبلدان أخرى، وفي أي مكان يشتغلون فيه بسياسة البؤس اللاإنسانية.
إذا قلنا إن هذا الأمر مقلق جدًّا، فذاك منا قول بلا معنى، ولا تأثير، ولا قيمة.. ليس لأن الوقت متأخر جدًّا فقط على هذا القول، ولكن لأنه لم يبق لنا ما نقلق عليه، فقد دُمر البلد، وفتت الشعب، وضعُفَت الدولة.. وأصبحت كل أمورنا تقريبًا في أيدي غيرنا، من “صديق وعدو”؟! وحتى إذا كنا لا نريد ذاك أو ذلك من القنوط، أو أننا استفدنا من دروس السنوات المرة التي قاربت أن تكون خمسًا أعجف من عجاف، وقررنا أن نراجع أنفسنا لنركز على مصالحنا العليا كوطن وشعب.. فإنه قد ذهب معظم ما كان لنا وما كنا، حتى في العزم والحزم والإرادة.. فلم يعد لنا من القوة، والاستقلال، والاقتصاد، ووحدة الموقف والصف والكلمة.. ما يفرض رأيًا، أو يصنع قرارًا. والحق، كما نعلم، يحتاج إلى القوة، وقوتنا صرفناها ودمرناها في قتلنا بعضنا لبعض، وقد قتلنا بذلك حقنا، حين دخلنا دوامة الحرب/الفتنة، والضعف القتال.. وحين أدخلنا دببة الكرة الأرضية إلى كرمنا الخصب الجميل؟! وعلينا ألا نغتر حين يقول لنا الدوليون المتناحرون على وطننا وفيه: “الحل بأيديكم، والشعب السوري يقرر؟!”، ذلك لأنهم يدركون جيدًا، وعلينا أن ندرك جيدًا أيضًا، أنهم يقفون وراء كل من يجلبونه ليقرر، وأنهم يملون عليه ما يقرر، وأنهم سوف يخربون أي قرار حينما لا يتوافق مع مصالحهم ومع سياساتهم ورؤاهم، وحصصهم من “جسد الرجل المريض، ذي “القرار بلا قوة؟!” وتحضرني بهذه المناسبة حادثة بسيطة رويت، وجرت في اجتماع الحلفاء الأربعة الكبار المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، بينما كانوا يتخذون القرارات المصيرية للعالم، الذي أصبح في قبضتهم، بعد هزيمة دول المحور. فقد طُرحت قضية تتصل ببلد، أو بموقع من بلد، وذهب الرأي بشأنها مذهبًا قد لا يرضي البعض، فقال أحد الكبار لزملائه: إن البابا لا يرضى بهذا الأمر. فقال له ستالين: “البابا كم دبابة لديه”؟! وانتهى الكلام في الموضوع. فصاحب الحق في أوقات الحرب، وفي معظم أوقات السلم، ينبغي أن يملك القوة، وإلا فحقه ضائع أو مضاع بين الأقوياء، وفي عالم تحكمه القوة وتضيع فيه العدالة، إلا إذا ساندتها قوة. وفلسطين لدينا، نحن العرب، أكبر مثال، فهي أعدل قضية لشعب، وموضوع أطول حضور في الأمم المتحدة، ولكن حقنا فيها بلا قوة تقيمه على قدمين، وتستخلصه من أيدي المجرمين.. ولذا يسرح الصهيوني العنصري في أرضنا الفلسطينية ويمرح، يهوّد ويبدد، ويقتلنا ونحن نتفرج على دمنا ونغرق فيه، وينتظر الواحد منا دوره في مسلسل القهر والإبادة؟!
نحن السوريين، هنا والآن، أمام هذا الواقع وأمام هذه الوقائع.. الجبهات في سوريا نار مشتعلة، ووقودها نحن بالدرجة الأولى، والقتل في بلدنا على قدم وساق، والمعاناة بلغت حدًّا لا يطاق.. ومع ذلك كله، ورغم ذلك كله.. الأقوياء الدوليون المتناطحون، يحشدون في أرضنا لما هو أبعد من انتصار على داعش وعلى غيرها من المصنفين “إرهابيين”، أي المستهدفين في سوريا. والمضحك المبكي أن التصنيف “إرهابي” يكاد يشمل الجميع.. فتصنيف الإرهابيين وتوصيف الإرهاب ليس مما يتفق عليه الجميع بعد، كما نعلم.. ولذا فالكل في سوريا يصنف الكل، وعلى هذا يدخل الجميع بيت الإرهاب الواسع، فيصبح كل في دائرة الاستهداف بوصفه “إرهابيًّا”؟! وهذا يحدث. ألا ترون أن للحرب/ الفتنة أحكامها وآثامها، وأن للفوضى الخلاقة الأميركية “حسنات؟!” منها أن يُصنف شعبٌ بكامله على أنه “إرهابي”؟! أمرٌ أكثر من عجيب وغريب.
وعندما تنتهي ورقة الإرهاب في سوريا، وتبدأ ورقتنا، أو ما يمكن أن يكون ورقة سوريَّانا العزيزة، التي “تدمينا، وتبكينا، ويزلزلنا وضعها من الأعماق، ومع ذلك يعمي البعض منا أو يعمينا”، بسبب ما آل إليه الأمر فيها، وما آل إليه أمر بنيها، الذين يسيل دمهم في كل مكان، وينزحون من مكان إلى مكان، ويتشردون في أنحاء الأرض بلا اطمئنان.. إلخ، عندها تبدأ مرحلة “سوريين، واجهات”، هم “لافتة” عريضة، لكل قوة ودولة لها في سوريا بيضة ورغيف.. وعش يا أيها السوري، إن عشت، سوريًّا عزيزًا، قويًّا مكرما، يحرر ويقرر، وينهض ويعمر، ويمارس الديمقراطية في دولة، تبحث عن قوامها بين جهات تحاول أن تطمس ذلك القوام.
نحن السوريين، هنا والآن.. نسأل أنفسنا، أو نتساءل في داخلنا: هل فقدنا كل أمل، بأن نكون، ونستعيد الجيد مما كناه، وما تطلعنا ونتطلع إليه، في وطن بنيناه، وحلمنا بأن يكون كما نريد، فكان ما كان فيه، بسبب منا وبالطامعين بنا، حيث بدأ هذا الزمان، زمان الموتى بلا أكفان؟! لا أستطيع أن أقول ذلك بتعميم، وتصميم، وجسارة، وجزم، وحزم.. لأن السوريين أكبر، وأكثر، وأعظم، من أن يتكلم شخص واحد باسمهم، وعنهم، مجيِّرًا لذاته ما تبقى منهم، أو ملغيًا من يلغي منهم ليصبح هم، فذاك ضرب من تقحم ووهم لا أرضاهما. لكنني، بذاتي ولذاتي، أرفض أن أقول بأننا انتهينا، أرفض ذلك ولا أقبل به، بل لا أقبل أن يستقر ذلك الأمر في القلب والذهن من أحد منا.. لأنه يجب أن يبقى الأمل ما بقي واحدٌ منا.. نعم.. نعم إنه الأمل، ومن ذا الذي يعيش بلا أمل، لا سيما حينما يتعلق الأمر بشعبٍ ووطنٍ وتاريخٍ وهوية، وبأمة ذات عقيدة، وحضارة؟! نعم إنه الأمل.. الذي إن غالبه الوهم غلب الوهمَ، استنادًا إلى تاريخ عشناه، ونضال خضناه، وإنجاز حققه أجدادنا وآباؤنا وحققناه، وأكاد أقول حفظناه لولا. ولولا!! نعم إنه الأمل، حضور الهوية والذات في كل حين، مع كل “علَقة، إنسان” منا خُلق من ماء مهين، ليخلف أباه آدم ذا الماء والطين.. حيث نقوم من رمادنا بعد كل حريق، ونبني ما دمرته أيدينا وأيدي من سيطر على أيدٍ وعقولٍ وقلوبٍ في وادينا ونادينا، ومن أهلكهم الغرور منا، فظنوا أن سوريا مزرعتهم ودارهم ومزارهم وحدهم، لا أكثر ولا أقل، وأنها كرْمهم الذي ينتهي شجره بانتهاء جناه في موسم نفس، لا تعرف من الحياة إلا أوجه التعاسة والشقاء والجهل والنقص والقصور؟! نعم أنا شخص عربي سوري، ممن أحرقت قلوبَهم الحربُ الفتنة.. ولديَّ أمل، نعم لديّ أمل في أن أقوم من رمادي، على الرغم من كل ما كان، وما صار، وما يُعد لوطني ولأمتي فيه.. ومنجم هذا الأمل العملاق، الذي أحثّ كل سوري على غرسه في قلبه، واستنباته في روحه، وإروائه بعزمه وعلمه، هو الانتماء لأمة أعزها الله بالإسلام، وهداها إلى عقيدة فيها إنقاذٌ للأنام، فوهبتها دمها وجهدها وعقلها وقلبها، فقام بذلك نبتً إنساني عملاق على سوقه، وأهمها التقى الذي هو “ضمير حى”، إن صح التعبير.. أقام على شيء من الحضور التاريخي أحد صعاليك العرب، عروة بن الورد القائل:
فيا للناس! كيف غلبتُ نفسي على شيئٍ، ويكرهه ضميري
ضمير هو التقى الحق في الأصل، يهدي وينير، يجدد الأنفس، ويحيي القلوب، وينعش الأرواح، حيث يعتقد المرء، بإيمان ثابت صادق، بأن الله وحده يحيي ويميت، وأن بيده وحده الأمر من قبل ومن بعد.. وأنه لا يخيب من آمن به، واستنصره واستهداه واتقاه.

إلى الأعلى