الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / كتاب الأكراد من العشيرة إلى الدولة

كتاب الأكراد من العشيرة إلى الدولة

يحاول الباحث والكاتب اللبناني المعروف موسى مخول في كتابة الأكراد من العشيرة الى الدولة الصادر في طبعته الأولى عام 2013م عن بيسان للنشر والتوزيع والإعلام ـ ببيروت – أن يقدم بانوراما تاريخية وافية عن الاكراد والمسألة الكردية حرص فيها على تبيان الجواب الحضارية للكرد وأثرهم في الحضارة الاسلامية خصوصا ما أغفله المؤرخون بقصد او بدونه .
ويتكشف لمتصفح الكتاب منذ صفحاته الاولى زخم هذه الدراسة البحثية بالمراجع العلمية التي تؤكد ما أشار إليه المؤلف في مقدمة كتابه الى حرصه في بحثه عن المسألة الكردية أن يخرجها على منهج علمي أكاديمي يستند الى المراجع الموثوقة والوثائق المحققة حيث تضم قائمة المراجع ما يزيد عن مائتي مرجع عربي فضلا عن المراجع الفرنسية . كما يبدو كذلك كم الجهد المبذول في هذا البحث التاريخي الذي حاول الباحث فيه – كما يقول – ان يكون واقعيا وأن يبقي المسألة الكردية في اطارها التاريخي والطبيعي المستند الى المراجع والوثائق الموثوقة بعيدا عن غبار الخيال والسرد القصصي وحلم الشعر وفورة العاطفة ، مؤكدا على ان التاريخ لا يعدو ان يكون خادما للحقيقة فقط. قسم الباحث بحثه الى مقدمة وسبعة عشر فصلا ، وقائمة للمراجع العربية والفرنسية ، حيث تناول اصل الكرد والواقع الجغرافي لكردستان وهي تعني في اللغة الكردية بلاد الكرد التي ليست دولة مستقلة لها حدود سياسية محددة وانما كناية عن تعبير جغرافي شامل يعيش ضمنه شعوب اكثرها تنتمي الى العرق الكردي او فيما يعرف في الادبيات الكردية بالوطن الكردي .. والتجمعات السكانية للأكراد في الدول المجاورة التي تجمعها نفس الطبيعة الجغرافية الجبلية ، موضحا بأن الكرد يسكنون تركيا وإيران والعراق وسوريا وروسيا حيث بحث في كتابه هذا التاريخ السياسي للأكراد في هذه الدول باستثناء روسيا .وفي عرض سريع تطرق المؤلف الى اللغة الكردية ومكونات النظام الاجتماعي الكردي لاسيما العشيرة والنظام الاقطاعي ومظاهر التحول الاجتماعي التي مر بها الاكراد والآثار التي خلفها نظام الاقطاع اجتماعيا واقتصاديا الى ان اخذ بالتلاشي في القرن التاسع عشر وصولا الى علاقة الكرد بالدولة الاسلامية التي اعتنقوا دينها وإسهامهم الحضاري فيها ودورهم المحوري في الدفاع عن ثغور الاسلام خلال الحروب الصليبية مستشهدا بالقائد الكردي صلاح الدين الأيوبي واسهاماته التي يشهد لها التاريخ، الى جانب الحياة الثقافية للأكراد .بعد ذلك يفرد المؤلف المساحة في بحثه للحديث عن القضية الكردية او ما يتعارف عليها بفكرة الأمة الكردية او الوطن الكردي التي برزت على السطح في العصور الحديثة بعد ان ساعدت بعض العوامل على تغذيتها وازدهارها .حاول الباحث تسليط الضوء على الواقع الكردي والتحركات الحزبية في كل من العراق وتركيا وايران وسوريا والمحاولات الكردية المجتمعة في النزوع نحو الاستقلال الذاتي والوحدة السياسية بعد تنامي الاحساس الكردي بهضم حقوق الاكراد في هذه الدول وذلك إما بالدبلوماسية احيانا كما في العراق وايران وسوريا او بالقمع ومحاولة تذويب العرق الكردي وتماهيه ضمن اطار الدولة الأم التي يعيش عليها الاكراد كما هو الحال في تركيا ، واحيانا ايران والعراق أيضا ، وصولا الى المفاوضات والاتفاقيات التي شهدها النضال الكردي نحو الاستقلال مع هذه الدول كمعاهدة “سيفر” المحورية الشهيرة او تلك الثورات التي كانت تقوم بها الزعامات الكردية كالملا مصطفى البرزاني ، الذي حقق انتصارات كبيرة للأكراد اما عسكرية عن طريق حرب العصابات او عن طريق التفاوض مع الحكومات العراقية المتعاقبة كما في اتفاقية 1970 التي يمكن اعتبارها جميعها مكاسب واقعية ومعنوية كبيرة للحلم الكردي بالاستقلال والحكم الذاتي افضت بدورها الى ظهور اقليم كردستان العراق بشكله الحالي حيث واصل ابنه مسعود البرزاني المسير لتحقيق باقي الاحلام الكردية .
كما استعرض الباحث الصراعات بين الأكراد انفسهم التي اثرت بدورها على مساعيهم لتحقيق حقوق الامة الكردية كما يرونها ، وكيف تم استغلال ذلك اما لشق عصا الاكراد انفسهم او كورقة تستغلها حكومات الدول التي يعيش الاكراد على اراضيها للضغط بها على بعض هذه الحكومات حتى لا تستجيب فيها الحكومات لمطالبهم وثم ضمان عدم تكرر ذات المطالب مع الاكراد على ارضها ، او لأغراض سياسية بحتة تخدم هذه الدول وتضعف من قوى الدول الاخرى . هذا الى جانب الدور الاجنبي الخارجي الذي احسن استخدام واستغلال الورقة الكردية لتحقيق مصالحه الخاصة للضغط على حكومات الدول التي يشكل الكرد جزءا من نسيجها الاجتماعي لتحقيق اهداف ما دون أي انتصار في الحقيقة للقضية الكردية التي دائما ما تبدي زعامتها صدق نواياها للغرب في الحين الذي يخذلها فيه الاخير ، كما يرى الزعماء الاكراد وما خذلان المجتمع الدولي لجمهورية مهاباد الكردية في ايران إلا أكبر الأمثلة على ذلك.
ويلخص الباحث في الفصل الاخير واقع القضية الكردية في تركيا وايران والعراق ، حيث يخلص الى ان هذه القضية التي تعدها هذه الدول نزاعا داخليا ، كذلك فهي مصدر خلاف وتحريك للصراع فيما بينها اذ يجمعها قاسم مشترك وهو عدم قيام دولة كردية منفصلة في دولة واحدة او متحدة في الدول الثلاث لذا تصبح القضية بؤرة ساخنة ومصدر قلق دائم للكرد وحكومات هذه الدول .
كما خلص الباحث الى انه على القيادات الكردية ان تدرك ان مصالح الكرد وطموحاتهم مرتبطة بمصالح الدول التي يعيشون عليها ، وعدم الركون الى الاعتماد على الدور الخارجي ووعوده البراقة القائم على المصالح التي يتكشف زيفها مع كل تطور تشهده القضية الكردية في هذه الدول.

أحمد الجلنداني
a_aljalandani@hotmail.com

إلى الأعلى