الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مصطفى لغتيري لـ ” أشرعة “: الفورة النقدية التي عرفها المغرب مرتبطة بالأشخاص ولم ترتبط بمؤسسة نقدية

مصطفى لغتيري لـ ” أشرعة “: الفورة النقدية التي عرفها المغرب مرتبطة بالأشخاص ولم ترتبط بمؤسسة نقدية

أومن بالفوارق الدقيقة ما بين الأجناس الأدبية وأعتبر تداخل الأجناس إفقارا للأدب
الأدب “يؤرخ” للهامشي والمنسي واللامفكر فيه
السخرية ملح الكتابة وأعتبرها من أفضل أنواع الكتابة

دمشق ـ من وحيد تاجا :
رأى الأديب المغربي مصطفى لغتيري ان سبب خفوت وتراجع الحركة النقدية المغربية يعود الى كونها كانت مرتبطة بالأشخاص ولم ترتبط بمؤسسة نقدية تؤطرها وتضمن لها الاستمرارية. وحول العلاقة بين المؤرخ والروائي قال في لقاء مع ” اشرعة ” : هناك وشائج قوية ما بين الرواية والتاريخ، فإذا كان التاريخ يلتقط ما هو رسمي ومعترف به ، فإن الأدب “يؤرخ” للهامشي والمنسي واللامفكر فيه. اما حول تطرقه الى هوية المغرب الإفريقية تارة والامازيغية تارة أخرى فيقول : أومن بأن المغرب سيكون أقوى بتنوعه وتعدد مكونات هويته، والاعتراف بهذا التنوع ضرورة قصوى لا مجال إلى تجاوزها. والأديب مصطفى لغتيري من مواليد 1965 بالدار البيضاء.. وهو قاص وروائي مغربي بارز، له العديد من المؤلفات في القصة والرواية والنقد، وهو رئيس الصالون الأدبي المغربي سابقا، كما يعدّ من رواد الجيل الثالث من القصاصين المغاربة والعرب. حصل على عدد من الجوائز منها جائزة النعمان الأدبية من لبنان، جائزة الثقافة بلا حدود من سوريا، جائزة دار الحرف للرواية من المغرب، يتميز بإنتاجه الأدبي الغزير الذي وصل إلى 12 رواية ومجموعة قصصية، من أبرزها “ليلة أفريقية”، و”تراتيل أمازيغية”، و”حب وبرتقال”، و”أحلام النوارس”، و”عائشة القديسة” ، و”رقصة العنكبوت”، و”ابن السماء” فضلا عن عدد من الكتابات النقدية.

*ـ كيف كانت البدايات .. ومن هم الكتاب الذين تركوا أثرا فيك وشكلوا مرجعيتك..؟
تتميز البدايات دائماً بطابعها الزئبقي، فمن الصعب الإمساك بها، وحتى لو توهمنا الظفر بها، فإننا في حقيقة الأمر لا نظفر سوى بوهم البدايات، لكل ذلك من الصعب أن أحددها في زمان ومكان محددين، فهناك بدايات بالقوة كنت أشعر خلالها بالرغبة القوية في الكتابة، فأكتب نصوصا لنفسي فقط، وقد قمت بذلك منذ مرحلة المراهقة، وبداية بالفعل استجمعت فيها شغفي وطموحي وقررت أن أكتب من أجل النشر، وكان ذلك خلال تسعينات القرن الماضي. أما الكتاب الذين أثروا في نفسي وذائقتي الأدبية ، فهم عديدون وينتمون لميادين معرفية عدة منهم الأدباء وعلماء النفس والفلاسفة وعلماء الاجتماع والفلاسفة، أذكر منهم نجيب محفوظ وكافكا وماركيز وأحمد بورفور وفرويد وباشلار ودرويش وأدونيس ومنيف وهيمنغواي ومحمد زفزاف واللائحة تطول وتطول.

*ـ تميز المغرب بوجود حركة نقدية، يمكن اعتبارها الأهم على صعيد العالم العربي.. إلا أننا لاحظنا في الآونة الأخيرة خفوتا في هذه الحركة لصالح نشاط ملحوظ في مجال الرواية .. ما السبب برأيك ..؟
للأسف الشديد كانت الفورة النقدية التي عرفها المغرب مرتبطة بالأشخاص ولم نرتبط بمؤسسة نقدية تؤطر هذا العمل وتضمن له الاستمرارية، وقد ارتبطت بسياق سياسي وفكري عرفه المغرب في مرحلة من تاريخه تميز بالصراع الإيديولوجي الحاد، وخاصة مع ازدهار اليسار والفكر القومي العربي، وتمثلت تلك المرحلة المزدهرة بأعلام بارزين كعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وغيرهما، لكن ما إن صمت الأشخاص إما بتغييب الموت لهم أو بركونهم إلى الصمت حتى خفت صوت النقد الذي قدم لنا أسماء كبيرة كسعيد يقطين ومحمد برادة وأحمد المديني ونجيب العوفي وأحمد اليابوي وإدريس الناقوري وغيرهم. أما فيما يخص بروز صوت الإبداع الروائي في المغرب فأظن أن المغاربة يجنون ثمار سنوات عدة من الاهتمام الجدي بالقصة القصيرة، التي خلقت في المغرب جوا إبداعيا يتميز بالحركية والاستمرارية، وقد انتقلت هذه العدوى في العقد الأخير إلى الرواية التي يمكن اعتبار أكبر عدد من كتابها قادما من جنس القصة القصيرة.

. *ـ تتطرق في معظم رواياتك إلى التاريخ ..الأمر الذي يدفعني لسؤالك حول العلاقة بين الروائي والمؤرخ والحد الفاصل بينهما..؟
أومن بأن هناك وشائج قوية ما بين الرواية والتاريخ، فإذا كان التاريخ يلتقط ما هو رسمي ومعترف به ويحاول ترتيبه بمنطق معين من أجل استخلاص نتائج أو عبر ما ، فإن الأدب “يؤرخ” للهامشي والمنسي واللامفكر فيه ، يحاول ترتيبه ضمن سياق أدبي وفني لتحقيق غايات عدة أهمها الغاية الأدبية من خلال خلق أثر أدبي ينال إعجاب القارئ، وفي تاريخهما الطويل استفاد التاريخ من الأدب، كما فعل المؤرخون حين استعانوا بشعر ما قبل الإسلام مثلا من أجل رسم ملامح تلك الفترة التاريخية، كما أن الأدب استفاد من التاريخ من خلال توظيف بعض شخصياته وأحداثه الملهمة.
أما بالنسبة لي شخصيا فقد استهواني دائما التاريخ وهو ما ينفك ينتمي ضمن قراءاتي المفضلة، فدوما استهواني ترتيب تاريخ العالم بتفاصيله كرونولوجيا في ذهني، وقد وظفته في بعض رواياتي كالأطلسي التائه، التي اشتغلت فيها على شخصية صوفي عاش في مرحلة انتقال السلطة من الدولة المرابطية إلى الدولة الموحدية في المغرب، وفي “رواية” أسلاك شائكة” التي توقفت فيها عند الخلاف المغربي الجزائري وخاصة في ما يتعلق بإغلاق الحدود، وحاولت البحث في التاريخ عن جذوره العميقة التي وجدتها في ما يسمى بـ “حرب الرمال” التي اندلعت شرارتها بين البلدين بداية الستينات، كما تناولت في”تراتيل امازيغية” تاريخ المغرب قبل دخول الإسلام إلى البلد، من خلال مملكة أمازيغية حاربت الرومان من أجل استرجاع الثغور المستعمرة من طرفهم.

*ـ لجأت في روايتك ” زنبقة المحيط” إلى أسلوب الأكشن والحركة وكانت أقرب إلى الروايات البوليسية، التي يفتقد إليها الروائي العربي بشكل عام، لماذا .. وماهو سبب ابتعاد الروائيين العرب عنها.. ؟
أظن أن الطابع التقني للرواية البوليسية، وتركيزها على ألغاز الجرائم لحلها مما يجعلها جافة غير مستحبة لدى الكتاب عموما، لهذا حاولت في روايتي أن لا تكون بالشكل البوليسي التقليدي، بل جمعت ما بين ما هو اجتماعي وثقافي وفني وبوليسي، ولعل ذلك مما جعلها تستقبل استقبالا حسنا من طرف القراء. وأظن أن الأدب العربي مطالب للانفتاح على الأشكال الكتابية المختلفة لأننا للأسف نعاني من فقر مدقع في هذا الجانب، فمن العيب أن لا يتوفر أدبنا العربي بشكل مناسب على الرواية البوليسية ورواية الخيال العلمي ورواية المغامرات…

* ـ تطرقت في روايتك “الأطلسي التائه”، إلى حياة القطب الصوفي “أبي يعزي الهسكوري”. ويلاحظ محاولة الروائيين أو الشعراء العرب أحياء التراث الصوفي، بحيث أصبح الأمر اقرب الى الظاهرة ..ما قولك.. ولماذا العودة الآن إلى شخصية صوفية مثل أبي يعزي الهسكوري..؟
أظن أن الأمر مرتبط بسياق تاريخي وأدبي معين، ففي هذه المرحلة المربكة من التاريخ العربي الذي أصبح فيه التطرف الديني علامة مميزة، أدت وستؤدي إلى كوارث بلا حصر، أصبح الأديب العربي، الذي مسه بشكل مباشر وغير مباشر ضرر التطرف، يبحث ـ كضمير للأمة – عن تصور ديني مسالم، يحترم الاختلاف ويؤمن بالتعايش بين جميع فئات المجتمع باختلاف العقائد والطوائف والمرجعيات، ولعل التصوف يقدم لنا هذا النموذج المتسامح، كما أن الأديب محكوم كذلك بالمعطى الجمالي والفني، فشخصية المتصوف لها قبول لدى عامة الناس، وحين يتم توظيفها أدبيا تمنح النص جمالية لا غبار عليها.

* ـ لجأت في أكثر من رواية إلى توظيف الأسطورة، ومنها “عائشة القديسة” ، لماذا .. ومتى نستخدم الأسطورة بحيث لا تأتي عبئا على الأسطورة نفسها..؟
الأسطورة شكل من أشكال التفكير الإنساني، وقد كانت في فترة إنتاجها جوابا على كثير من الأسئلة الأنطولوجية والابستمولوجية والدينية كذلك، وحين يوظفها الأديب في رواية ما فإنه يهدف إلى تحقيق غايات عدة جمالية ودلالية لا تخفى على المتتبع.
أما بالنسبة لتوظيفي لـ”أسطورة “عايشة قنديشة” في روايتي”عائشة القديسة”، فقد ضربت به عصافير عدة بحجر واحد، أولهما إثارة الانتباه إلى الدور الذي لعبته المرأة المغربية والعربية في مرحلة الكفاح ضد المستعمر، فعائشة كانت امرأة مناضلة استعملت جمالها للإيقاع بالجنود البرتغاليين ثم قتلهم فيما بعد بسكين يكون مخبأ في ثنايا ملابسها، أفكر الآن فيما يقوم به الفلسطينيون ضد الجنود الإسرائيليين، وقد تحولت هذه المرأة في ما بعد في مخيال الناس إلى جنية نظرا للرعب الذي زرعته في نفوس البرتغاليين، الذين سموها” الكونتيسة” أي الأميرة لجمالها الخارق، فتحول هذا الرعب إلى المغاربة بعد قرون، وقد حرفوا اسمها إلى”قنديشة” وقد آثرت في روايتي أن أسميها بـ”القديسة”.
كما أنني سعيت من خلال الرواية إلى نوع من التنوير من خلال شرح الأسطورة وعمقها التاريخي الواقعي، لعل الناس يتخلصون من سيطرتها الخرافية على أدمغتهم، فلا زال بيننا من يؤمن بوجود واقعي لهذه الجنية الجميلة، التي أصبح لها قوائم الحيوانات وما تنفك تسلب عقول الرجال ليلا قرب شاطئ البحر، ثم تجهز عليهم إجهازا دون رأفة ولا شفقة.

* ـ تطرح في روايتي “تراتيل أمازيغية” و ” ليلة افريقية” . إشكالية الهوية المغربية .. كيف تنظر إلى هذه الإشكالية ..؟
أومن بأن المغرب سيكون أقوى بتنوعه وتعدد مكونات هويته، والاعتراف بهذا التنوع ضرورة قصوى لا مجال إلى تجاوزها، وبالفعل فالمغرب قد خطا خطوات كبيرة من أجل التصالح مع ذاته واحتضان تنوعه الثقافي والعرقي واللغوي، حتى لا يأتي من يستغله يوما ضدنا، فكما هو معروف فالمغرب تتحدد هويته بالبعد العربي والأمازيغي والإفريقي، كما أن لغاته متعددة فهناك اللغة العربية واللغة الأمازيغية بتفريعاتها واللغة الحسانية التي تنتشر في الصحراء، هذا بالإضافة إلى الفرنسية والاسبانية، هاتان اللغتان اللتان تعتبران “غنيمة الحرب” كما وصفها يوما كاتب جزائري.
إن هذا التنوع مصدر قوة، إذا استطعنا التعاطي معه بعقلانية، وقد حاولت في رواياتي استثمار هذا التنوع، لذا وظفت مثلا في “ليلة إفريقية” المكون الإفريقي وفي “تراتيل أمازيغية” المكون الأمازيغي، وقد تجد في كل رواية ملامسة لأحد المكونات ولو على استحياء، كما أن المكون العربي حاضر بقوة، وسيكون أكثر حضورا في رواية سأنشرها مستقبلا.

*ـ كان ملفتا ذلك البوح والاعتراف الذي قامت به شخصيات رواية “رجال وكلاب” بحيث جاءت رواية نفسية بامتياز ..؟
استثمرت في رواية “رجال وكلاب” تقنية التحليل النفسي، محاولا من خلال ذلك إشراك القارئ كفاعل أساسي في بناء النص، من خلال محاورته ومناقشته في بعض ما يحدث للشخصية الرئيسة، وقد توخيت من هذه الرواية تتبع مسار إنسان مغربي، في شتى مراحل حياته، محاولا البحث في الظروف الاجتماعية والسياسية التي شكلته وشكلت نفسيته، فالبطل مصاب بمرض الوسواس القهري، وقد حاولت في الرواية أن أتبين أسباب ذلك فوجدتها في التنشئة الاجتماعية والاختيارات الاقتصادية والسياسية للدولة، التي ساهمت في نحت نفسيته المرضية، لكنه مع ذلك لم يبق مكتوف اليدين، خاصة بعد أن تأكد بأن خلاصه بيده، وهو من يمكنه مساعدة نفسه للتخلص من المرض ونتائجه.

*ـ المكان هو البطل الأساسي في العديد من أعمالك مثل “رقصة العنكبوت” ..فما الذي يشكله المكان وخاصة المدن بالنسبة اليك. ولماذا تقصدت تغييب المكان والزمان في “رجال وكلاب “.. ؟
كثيرا من النقاد اعتبروا رواية “رقصة العنكبوت “رواية مكان بامتياز، لأنها تحيل على بعض الأماكن المشهورة في الدار البيضاء، وتعطي وصفا ضافيا لها، كما أن الشخصية شاب عاطل عن العمل لذا كان كثير التسكع في المدينة، وكان السارد يرافقه بـ “كاميرا” من أجل التقاط معالم المدينة، أما رواية رجال وكلاب فهي رواية الشخصية بامتياز لذا كان التركيز عليها أكثر من التركيز على المكان الذي تضطرب فيه، دون إهماله كليا، فقد تم ذكر بعض الأماكن كالبادية التي كان يعيش فيها جد البطل، ومدينة الدار البيضاء الذي انتقلت إليها أسرته، لكن دون ذكر تفاصيل كثيرة عن المكان.

* ـ في ذات الإطار اتهمك احد القراء بالكتابة عن قرية إيمزورن والحياة الريفية في “حسناء إيمزورن” دون أي معرفة حقيقية بحياة أهل المنطقة وعاداتها ..ما قولك ..؟
نعم لقد قرأت ما كتبه ذلك القارئ، وهو ليس ناقدا وإنما مجرد قارئ ينتمي إلى المنطقة التي كتبت عنها، لقد كان يعتقد أن الرواية ستنقل واقع المنطقة كما هو، ناسيا أن الكتابة الأدبية إعادة خلق للمكان بما يستجيب لأهداف الكاتب، ففي رواية”حسناء إيمزورن” كنت محكوما بأهداف محددة، وأهمها كتابة رواية منسجمة أحداثا وشخصيات ولغة، كما أنني آثرت لفت الانتباه إلى وضعية المرأة في المنطقة الريفية، التي تعاني فيها من كثير من الحيف، فالمرأة هناك خاصة في البادية لا تتمتع بحقوقها كاملة، وما زال هناك ما يشبه جريمة الشرف في المشرق العربي، كما أثرت الانتباه لبعض الظواهر الاجتماعية الأخرى.

*ـ يلجأ العديد من الروائيين إلى مزج الأجناس الأدبية في أعمالهم فنراها اقرب الى الشعر منها إلى النثر ..فيما تصر في جميع أعمالك على توظيف لغة تحافظ على سرديتها وموضوعيتها وحيادها.. لماذا ..وكيف تنظر الى موضوع تداخل الأجناس الأدبية ..؟
شخصيا أومن بالفوارق الدقيقة ما بين الأجناس الأدبية وأعتبر تداخل الأجناس إفقارا للأدب، فنصبح كلنا وكأننا نكتب نصا واحدا أو متشابها، فالقصة والرواية والشعر ستفقد هويتها تدريجا حتى نختفي، بينما الطريق الأمثل للأدب هو الحفاظ على الأجناس الأدبية، بل إضافة أجناس أدبية إن أمكن، كما حدث مع جنس القصة القصيرة جدا الذي لا أخفي إعجابي به وتحمسي له.
إن موقفي من تداخل الأجناس لا يعني رفضي لأن يكتب الكاتب في أجناس عدة مع مراعاة الفوارق من بينها، وهذا ما أمارسه أنا شخصيا، وقد قال كاتب يوما ما أن من لا يكتب في جنسين أدبين أو أكثر لا يمكن اعتباره كاتبا.

* ـ ناقشت مسألة صراع الأجيال في الأدب في رواية « ليلة إفريقية» ..كيف تنظر الى هذا الامر حسب الواقع المغربي بشكل خاص ..؟
أومن بأن الأدب لا يتطور في ظل القطيعة، بل في ظل الاتصال والاستمرارية، فكل جيل يستفيد من جيل سابق، ويراكم نصوصا جديدة، تضاف إلى ما سبق، وليس بالضرورة أن تتشابه معها ، بل لا بد من التأسيس عليها، حتى وإن اختلفت معها، فنحن أمام سلسلة متواصلة، تساهم في تطور الأدب وإغنائه، لذا أومن بأن يكون كل جيل جسرا للجيل الجديد من أجل العبور من خلاله إلى المستقبل، وأكره الصراع الفارغ ما بين الأجيال، خاصة إذا كان صراعا حول الزعامة، وبالطبع سيكون “الصراع” مرحبا به، إن كان خلافا في الأفكار والتصورات، لأن الجيل الجديد لا يمكنه أن يجتر أفكار من سبقوه، بل عليه أن يهضمها من أجل تجاوزها بخلق أفكار جديدة وتجارب إبداعية مبتكرة.

* ـ محاولتك إشراك المؤلف للقارئ في تقنية الكتابة ( ميتا رواية) في ” ابن السماء” او ” رقصة العنكبوت” او غيرها من الأعمال دفع بعض النقاد باتهامك بالابتعاد عن الحيادية في الرواية . ما رأيك.. وما حقيقة حيادية الكاتب ؟
أنا افرق بين الكاتب والسارد، وأظن أن أصحاب هذا الاتهام لم يفرقوا بينهما، فالكاتب لا يسمح له بالتدخل المباشر في كتاباته، أما السارد باعتباره تقنية سردية، فهو سيد الميدان يحل له ما لا يحل لغيره، فال”ميتا رواية” تعد من آخر التقنيات الكتابة التي تحاول المساهمة في التجديد الروائي، فكما يعلم الجميع، مع المناهج الأدبية المعاصرة أصبح القارئ حجر الزاوية في العمل الأدبي، لذا تقصدت هذه التقنية إشراكه في هندسة الرواية وكتابتها، فالميتا رواية أو السرد الشارح جعل القارئ يدخل إلى المطبخ السري للكاتب وهو يكتب روايته، فكل شيء يحدث أمامه، وبالطبع فالقارئ النبيه سيعرف انها مجرد حيلة روائية لا أقل ولا أكثر.

*ـ انتقد البعض اللغة البسيطة والسهلة في “رقصة العنكبوت ” والتي جاءت اقرب الى اللغة التقريرية، كما خلت الرواية من الرمزية حتى في أبسط صورها. الأمر الذي يدفعني للسؤال عن مفهومك للالتزام .. والى أي مدى يسمح لنا الالتزام بقضية ما مهما كانت نبيلة ، بتجاوز المسألة الجمالية في العمل الأدبي..؟
طبعا هذه وجهة نظر محترمة، لكنها ليست الوحيدة، فهناك وجهات نظر أخرى اعتبرت أن الرواية تحتفي بالواقعية لكنها بالمقابل ضربت عميقا في لغة الحلم والرمز والغرائبية، والدليل على ذلك عنوانه ” رقصة العنكبوت” المستمد أساسا من مقطع مؤثر في الرواية، حيث تداخل الواقعي بالخيالي في أقصى حدوده، وحيث التحول أو المسخ بلغة كافكا، حين تتعملق فجأة العنكبوت وتغطي بجسدها الشائه كل ما يحيط بها، ثم تنخرط في حركات بهلوانية مخيفة.
والرواية من حيث ما ذهبت إليه كنوع من الالتزام، حتى وإن كان هذا المفهوم قد استقر في متحف النقد الأدبي، تلامس قضايا بطالة الشباب الجامعي، وسقوطه في أيدي البرجوازية المتعفنة كي تستغله بشكل غير لائق.

*يلاحظ اتجاه في الرواية الجديدة نحو الغوص في المحرمات الجنس والسياسة .. هل تراها موضة أم ضرورة .. مع الإشارة ان الجنس لا يكاد يغيب عن رواية من رواياتك..؟
طبعا ينتمي كل من الجنس والسياسة إلى الحياة، والرواية تحاول جاهدة التقاط أهم ما يمور في المجتمع من ظواهر من أجل مقاربتها أدبيا، إنها نوع من السوسيولوجيا التي يمارسها الأدب والرواية على الخصوص، لذا فحضور الجنس في العمل الأدب ليس بدعا ، خاصة إذا كانت الضرورة الفنية أو ما يسمى بالصدق الفني تتطلبه، وفي رواياتي لامست بعضها موضوع الجنس لكن دون أن يكون ثيمة أساسية، بل كان حضوره لضرورة فنية ملحة.

* يقول احد الأدباء ان ” السخرية سلاح الضعيف وسلاح المحارب وسلاح الباحث عن مكان تحت الشمس” …فأي من هذه الأسلحة كان وراء استخدامك أسلوب السخرية في ” ابن السماء ” ..؟
السخرية ملح الكتابة وأعتبرها من أفضل أنواع الكتابة، ضدا على البكائيات المجانية واستدرار عطف القارئ بسكب الكثير من الدموع، وقد وظفتها في كثير من كتاباتي خاصة في القصة القصيرة جدا من خلال الاعتماد على المفارقات، التي تساهم في خلق جو من “السخرية السوداء” كما كان لرواياتي نصيب من هذا التوظيف، فقد لاحظ ذلك بعض النقاد خاصة في رواية”ابن السماء” التي تضعنا وجها لوجه مع شخصية عجائبية طردت من نعيم السماء لتستقر في جحيم الأرض وتناقضاتها، كذلك الشأن بالنسبة لرواية”رجال وكلاب” وخاصة من خلال النزعة الكلبية التي أصابت جد الشخصية الرئيسية التي جعلته يتماهى مع سلوكات الكلاب كلعق الماء وإحاطة عنقه بسلسلة كلاب.

* ـ سؤال أخير .. تلجأ في كل رواية تقريبا الى استخدام تقنية جديدة ومختلفة في السرد .. وسؤالي كيف تنتظر الى موضوع التجريب والحداثة في الرواية..؟
أومن بأن الكاتب محكوم بالتجريب إن أراد أن يضمن لنفسه التنوع والاستمرارية، لهذا أحاول أن أنوع في الموضوعات، التي أتناولها في رواياتي، لكن دون أن أنسى شكل هذه الروايات، فالشكل أكثر عمقا من المضامين، لذا نوعتها حسب طبيعة الموضوع الذي أتناوله، فاستعملت تقنية التحليل النفسي في “رجال وكلاب” وتقنية” رواية داخل رواية والميتا رواية في “ليلة إفريقية، وتقنية الحكاية الشعبية في “الأطلسي التائه، وتعد الأصوات في “على ضفاف البحيرة”، وتقنية تداخل الفنون في “رقصة العنكبوت” التي نجد السينما والموسيقى والفن التشكيلي داخل الرواية، وفي “امرأة تخشى الحب” ألفت مسرحية ” داخل الرواية، ووظفت المطاردات والاكشن في”زنبقة المحيط”، وهكذا دواليك.

إلى الأعلى