الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (183) : قضية المصطلحات العلمية العربية (5/6)

نافذة لغوية (183) : قضية المصطلحات العلمية العربية (5/6)

قدرة اللغة العربية على تأصيل العلم الحديث
أصَّل الشيء وأثَّله بمعنى واحد في اللغة العربية، هو أن نجعل للشيء أصلاً ثابتاً يُـبْنَى عليه. وتأصيل العلم الحديث بهذا المعنى اللغوي الصّرف يعني ترسيخ البنيان العلمي القادر على النهوض بالعلم في المجتمع العربي والإبداع فيه بغية الإسهام في الحضارة العالمية. وهذا البنيان العلمي لا يخرج عن وضع المصطلحات وتوحيدها واستعمالها وتأسيس اللغة العلمية العربية،أو استيعاب العلم الحديث. فإذا تحقّق هذا الاستيعاب تأصَّل العلم وبدأ المجتمع يتقدَّم ويُبدع. وقد لاحظنا أن اللغة العربية قادرة على استيعاب العلم، وهي تبعاً لذلك قادرة على تأصيله في المجتمع العربي؛ لأن الاستيعاب مقدّمة والتأصيل نتيجة، وإذا صحّت المقدمة قادت إلى نـتيجة صحيحة. ونحن، على الرغم من ذلك، ما زلنا نشكو من أن جذور العلم الحديث لم تترسّخ في مجتمعنا، ومن واجبنا السؤال: هل كان هناك خلل في استيعاب العلم (المقدمة) حال دون الوصول إلى النتيجة (التأصيل)؟.
الحقُّ أنّ هناك خللاً في استيعاب العلم، لكنه خلل غير لغوي بل هو سياسي، يتجلّى حيناً في التّشبُّث باللغات الأجنبية، وحيناً في ضعف الأمة العربية، وغالباً في مناخ القهر غير المواتي للإبداع. ولا بأس في وقفـة موجزة عند هذه التجليات السياسية؛ لأن التغلُّب عليها يعني إتاحة الفرصة للغة العربية لإثبات قدرتها على استيعاب العلم وتأصيله.
أ – التّشبُّث باللغات الأجنبية:
يبدو التشبُّث باللغات الأجنبية واضحاً في إصرار غالبية الدول العربية على تدريس العلوم بإحدى اللغتين الإنجليزية أو الفرنسية. والقائلون بذلك يستندون إلى المسوِّغات الآتية:
- الدول الأجنبية مصدر العلم الحديث في جانبيه النظري والتطبيقي، والنَّهْل من المصدر أفضل من صرف الجهد والوقت في وضع المصطلحات العلمية باللغة العربية، فتوحيدها فالصراع من أجل استعمالها.
- العلم لا وطن له، مصطلحاته عالمية، ولغاته سائدة شائعة معروفة.
- اللغة العلمية العربية ضعيفة جداً، لم تبلغ المستوى الذي يُشجِّع على الإبداع العلمي. كما أنها تفتقر إلى المصادر والمراجع العلمية التي تُعين على البحث العلمي، وتُغري المدرِّسين باستعمال اللغة العربية في تدريس العلوم.
هذه المسوِّغات التي استند إليها دعاة تدريس العلوم باللغات الأجنبية صحيحة لا يرقى إليها الشكّ. فالدول الأجنبية مصدر العلم وتطبيقاته، وهذا العلم عالمي لا وطن له، واللغة العلمية العربية لم تتكوَّن بعد، ولم تتوافر في المجتمع العربي المصادر والمراجع العلمية الكافية للنهوض بالبحوث العلمية. على أن هذه المسوّغات الصحيحة غير مقبولة؛ لأنها تُبقي المجتمع العربي ضعيفاً تابعاً للغرب، وتُسهم في إضعاف اللغة العربية وجمودها. وليس من مصلحتنا القومية في شيء الإبقاء على هذا الوضع الشاذ بين الأمم. فقد استعمرت اليابانُ كوريا ستين سنة مُنِع فيها تداول اللغة الكورية، وما إن استقلّت كوريا حتى كان أول مرسوم في أول عدد من الجريدة الرسمية هو منع التحدُّث باليابانية. كما كان أول قرار صيني بعد نجاح ماو تسي تونغ في الثورة عام 1949 هو مركزية اللغة؛ أي تعلُّم اللغة الخانيّة، لغة بكّين، بدلاً من اللغة الإنجليزية. كذلك الأمر بالنسبة إلى فيتنام وتنـزانيا وغيرهما. فقد رفضت هذه الدول اللغة الأجنبية، وتشبَّثتْ بلغتها القومية على الرغم من صعوبتها. وكان الموقف القومي الأصيل يقف وراء قرارات استعمال اللغة القومية وحدها؛ لأن الإبداع لا يتحقّق بلغةٍ غير اللغة القومية. ومن الواجب أن نعي هذا الدرس البليغ، وننطلق منه في مناقشة المسوّغات التي استند إليها دعاة تدريس العلوم باللغة الأجنبية.
إن الثقة باللغة العربية يجب أن تكون أساس الموقف العلمي الجديد، وهي، على أية حال، ثقة مبنيّة بطاقة ذاتية تملكها اللغة العربية وتستطيع بوساطتها استيعاب العلم، وليست ثقة مبنية بوهم لا أساس له من الصحة. وإن هذه الثقة لا تنفي الضعف العلمي في المجتمع العربي، ولا تخجل من الاعتراف به، ولا تنكر على الأمم الأخرى تقدُّمها في العلوم والكشوف والمخترعات، ولكنها في الوقت نفسه تدعو إلى أن يحتل العرب ما يستحقون من مكانة علمية بين الأمم الأخرى. وقد أثبتت لغتهم أنها قادرة على وضع المصطلحات وتوحيدها، وبدأت الطلائع العربية تناضل من أجل استعمال هذه المصطلحات في الحقل التربوي؛ لأن هذا الاستعمال يزيد اللغة العربية غنى ومرونة، ويساعد على إنشاء اللغة العلمية، ويتيح الفرص للإبداع العلمي العربي. وإذا كان العلم عالمياً فلماذا لا تُسهم الإبداعات العلمية العربية فيه، وتأخذ نصيبها منه؟. ذلك أن تدريس العلوم باللغة العربية يفرض على القائمين بالتدريس ترجمة الكتب العلمية وتعريبها، فتغتني المكتبة العربية بالمصادر والمراجع، وتُتيح الإمكانية لتأليف كتبٍ جديدة باللغة العربية تحمل آراء مؤلِّفيها وأصالتهم وتجاربهم العلمية. ولو استمرَّ تدريس العلوم باللغة الأجنبية لما كان هناك تشجيع لوضع المصطلحات العلمية باللغة العربية، أو سعي إلى انتشال المكتبة العربية من الفاقة العلمية. وهناك، على أية حال، دراستان منهجيّتان _ نهض بالأولى الدكتور محـمد راجي الزغول ولوسين تامينيان، وعنوانها: (الاتجاهات اللغوية للطلبة الجامعيين العرب). انظر نص الدراسة في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، العدد 25/26، تموز/ يوليو – كانون الأول/ ديسمبر 1984، ص 147 وما بعد ، ونهض بالدراسة الثانية الدكتور محمد راجي الزغول والدكتور رياض فايز حسين، وعنوانها (لغة التعليم العالي في الجامعات العربية، دور الانكليزية في سياق التعريب). انظر نص الدراسة في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، العدد 33، تموز/ يوليو – كانون الأول/ ديسمبر 1987، ص 65 وما بعد _ أثبتتا أن من أسباب تدنّي المستوى العلمي للطلاب الجامعيين العرب تلقيهم العلوم باللغة الإنجليزية التي لا يتقنونها جيداً، كما أثبتتا إمكانية ارتفاع المستوى العلمي لهم إذا تلقوا العلوم باللغة العربية، فضلاً عن تعبير الطلاب أنفسهم عن ميلهم إلى اللغة العربية ومعاناتهم من تلقّي العلوم باللغـة الأجنبية. قالت إحدى الدراستين: (إن كثيراً من المفاهيم البسيطة وحتى الساذجة التي تكون أحياناً بمستوى إدراك طفل، تبدو معقّدة وخارج دائرة الفهم لعدد كبير من أبنائنا لسبب بسيط هو أنها مكتوبة أو تُلَقَّن بالإنجليزية).
هذا كله يقودنا إلى أن مسوّغات دعاة تدريس العلوم باللغـة الأجنبية غير لغوية وإنْ حاول هؤلاء الدعاة إيهامنا بذلك. إن مسوّغهم الأساسي كامن في تماهيهم بالغرب، ومحاولتهم إخفاء ضعفهم في اللغة العربية، ورغبتهم في المحافظة على مكانة اجتماعية وجامعية رفيعة حصلوا عليها بوساطة اللغة الأجنبية التي يُدرِّسون بها. وهم يخافون على امتيازاتهم فيدافعون عن اللغة الأجنبية ويسوّغون التدريس بها، مما ينمّ على جوهر موقفهم السياسي من الأمة العربية؛ ذلك الموقف الذي يحول دون استيعاب العلم الحديث باللغة العربية وإنْ لم يكن لهذه اللغة علاقة بذلك.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى