الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / القداس الأسود .. صفقة مع الشيطان
القداس الأسود .. صفقة مع الشيطان

القداس الأسود .. صفقة مع الشيطان

اختلف الكثيرون حول تاريخ نشأة عصابات المافيا حول العالم، ولكن الأغلب يرجع تاريخ نشأتها إلى القرن الثالث عشر مع غزو الفرنسيين لجزيرة صقلية الإيطالية في سنة 1282م بعد فساد نظام الحكم في فرنسا حيث تكونت في الجزيرة منظمة سرية لمكافحة الغزاة والتي حملت شعار(Morte Alla Francia, Italia Avanti) أو (الموت لفرنسا، ايطاليا الى الأمام) فجاءت كلمة مافيا من أول حرف لكل كلمة في هذا الشعار وصارت ترمز إلى هذه المنظمة.
ولكن هناك وجهة نظر أخرى يذكرها بعض زعماء المافيا وعلى رأسهم جوبونانو الذي يصف نفسه دائما في مذكراته برجل الشرف أن بداية المافيا كانت تتويجا للتمرد والعصيان الذي ظهر بصقلية عقب قيام أحد الغزاة الفرنسيين بخطف فتاة إيطالية في ليلة زفافها في عيد القيامة يوم الاثنين سنة 1282م مما أشعل نار الانتقام في صدور الإيطاليين والتي امتد لهيبها إلى مدن أخرى، فقاموا بقتل عدد كبير من الفرنسيين آنذاك انتقاما لشرفهم المذبوح في هذا اليوم وكان شعارهم هو الصرخة الهستيرية التي صارت ترددها أم هذه الفتاة وهي تجري في الشوارع كالمجنونة حيث كانت تردد (mafia.. mafia).
الكثير من زعماء المافيا يفضلون هذا التفسير الأخير لما فيه من معنى نبيل يجعل منهم في واقع الأمر جماعة للدفاع عن الشرف والمقدسات رغم أنها اكتسبت بعد ذلك صفة الإجرام وسارت منظمة للقتل وسفك الدماء وابتزاز الأثرياء.
بالطبع هناك عدة تفسيرات تشير إلى أصل كلمة مافيا مما يجعل الأمر صعب التحديد خاصة أن عصابات المافيا الحديثة ليسوا هم من ظهروا في صقلية منذ زمن بعيد.
أعمال المافيا في السينما لها نصيب الأسد، حيث نالت نصيبا وافرا من المعالجات السينمائية والتليفزيونية أيضا، فعالم العصابات والجريمة المنظمة شَكل نقطة جذب للسينما منذ بداياتها، منها من لم يصمد طويلا في الذاكرة، والآخر فرض نفسه داخلها وظل أسطورة يتحاكى بها الاجيال، كثلاثية (The Godfather) أو العراب. من منا أو من أجيالنا السابقة لا يعرفه؟.
اليوم تطل علينا هوليوود من نافذة عالم الإجرام والعصابات بواحد من أعمالها الجيدة التى جاءت لإخماد حالة الاشتياق التي تنتاب المتشوقين لمشاهدة أفلام من هذا النوع طال انتظارها.
القداس الأسود (Black Mass) : فيلم جريمة وعصابات أميركي من كتابة جيز بتروورث ومارك ملوك، وهو مبني على كتاب يحمل نفس الاسم لتحالف تم في السبعينيات، بين مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي والمافيا الآيرلندية، دونه الصحفيان العاملان في صحيفة بوسطن جلوب ديك لير وجيرارد أونيل، ويعد العمل الأفضل بعدة مستويات بين كل ما كتب عن حياة أحد أشهر رموز المافيا في تاريخ أميركا، الأيرلندي الأصل جيمس وايتي بولجر، وهي أعمال تجاوز عددها العشرة.
الفيلم اخرجه سكوت كوبر صاحب (Crazy Heart) أو قلب مجنون الذي حاز عنه جيف بريدجز جائزة أفضل ممثل 2009. لاشك أن المخرج والممثل سكوت كوبر عرف كيف يدير ممثليه في الفيلم بأفضل صورة، ومن الملاحظ انه تأثر بمناخ المخرج الكبير مارتن سكورسيزي اشهر من قدم عالم المافيا مع افلام مثل (Gangs of New York) و(The Departed) المستوحى بدوره من قصة بولجر(بطل اليوم)، حيث يدخلنا كوبر بشكل كلاسيكي لا يخلو من التوتر الى عالم المافيا المعتاد بأجوائه الداكنة وعنفه وبرودته والروابط العائلية والصداقات التي قد تتبخر عندما تقترف الأخطاء.
الفيلم من بطولة قرصان الكاريبي (جوني ديب)، الذي يتخلى عن ضفائر شعره الطويل لمصلحة شعر خفيف الى درجة الصلع، وينقل سواد شعره الى بعض من اسنانه، ويضع عدسات لاصقة زرقاء اللون. ليبدو نسخة طبق الاصل من بولجر، فأثار قشعريرة اشخاص عرفوا الزعيم المافيوزي الخطير عن قرب، مثل محاميه الذي كان يحضر التصوير، والذي لم يجرؤ على النظر اليه طويلاً. كما رصدت وسائل الاعلام المختصة.
ديب جسد دور بولجر الذي سيطرعلى عالم الجريمة في مدينة بوسطن من منتصف السبعينات حتى منتصف التسعينات، بشكل بارع جدا، فهو معتاد على تغيير شكله والتنكّر بطريقة مذهلة تعيد ايقاظ الشخصية شكلاً ومضموناً. ولكن أداءه تلك المرة يعد الأجمل منذ فترة طويلة وحتما سيرشحه لجائزة اوسكار للمرة الرابعة والتى لم يحظ بها من قبل.
من دون وجود جوني ديب، لكان الشريط سيرة ذاتية اخرى، جيدة بالطبع، لكنها ليست استثنائية. فأداؤه يمنح للشخصية حضورا ورهبة، تفوق براعة الماكياج، ورغم انه هو العنصر الابرز في الفيلم، الا أنه مدعوم بمشاركة مجموعة كبيرة من الممثلين الجيدين امثال (بيندكت كامبرباتش)، الذي رشّح ايضا للاوسكار عن فيلم (The Imitation Game)، ويقوم بدور شقيقه ويليام السيناتور الاميركي، و(جويل إجيرتون) في دور جون كونيلي صديق طفولته ورجل المباحث الفيدرالية، أيضا يشارك الممثل (كيفن بايكون) بدور احد رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي، اضافة الى الممثلة داكوتا جونسون، التي تقدم أداء تمثيلي جيد، لكن لم يستفد الفيلم كثيرا من وجودها كبيكون أيضا.
……………………………..

أحداث

الزمان 1975، المكان جنوب بوسطن، حيث عصابة (وينتر هيل) وزعيمها الشرس الأميركي ذو الأصول الإيرلندية جيمس وايتي بولجر، تسيطر على شوارع جنوب المدينة الواقعة بمقاطعة سوفولك بالولايات المتحدة. لكنه كان يواجه منافساً قويا جداً، وهو عصابة (أنجولو) الإيطالية المسؤولة عن نشاطات المافيا، في منطقة شمال بوسطن.
……………………………..

تحالف مشروط

نلتقي فيما بعد بصديق طفولة بولجر، وهو يعمل بمكتب التحقيقات الفيدرالية والذي سيكون له دور كبير في بسط هيمنة الأول على بوسطن، حيث يحصل بولجر على فرصة ذهبية عندما يعرض كونيلي عليه تحالف للقضاء على أنجولو.
كونيلي يتطلع إلى التطور في عمله من خلال القضاء على العصابة الإيطالية، الصفقة يرفضها بولجر في البداية لكرهه الشديد لأعمال الوشاية تلك ، لكنه يتراجع عن رأيه، ويجر معه مساعده الأيمن ستيفان فليمي، بعد أن يقنعه بأنها ليست وشاية لكنها تحالف، سيقضي من خلاله على أعدائه الإيطاليين بينما سيحكم قبضته على جميع أعمال بوسطن، بمساعدة الفيدراليين الذين سيقدمون له الحماية من الأجهزة الأمنية الأخرى التي كانت تقوم بتحريات وتحقيقات بخصوصه.
بدوره يشترط كونيلي على بولجر الابتعاد عن الأعمال الإجرامية، وخاصة القتل، ولكن يبدو أن الاخير لا يرغب من هذا التعاون سوى التخلص من منافسيه، ولذلك فهو لا يعبأ بشروط كونيلي خاصة أنه لا يبدو حازماً معه، بل على العكس من ذلك، فهو يرغب دائماً في كسب وده.
……………………………..

ملك الجريمة ببوسطن

في عام 1981، تتوسع الأنشطة الاجرامية لـ وينتر هيل وتزدهر اعمالهم الخاصة من تجارة المخدرات و تهريب السلاح والابتزاز والقتل، لتشمل عدة مناطق في بوسطن وخارجها، لكن في الناحية الثانية، تظهر حالة من التوتر على رفقاء كونيلي الذين بدوا محبطين بسبب عدم تحقيقهم تقدما ملموسا على الأرض مع استمرار اعمال أنجولو في الشمال، الأمر الذي دفع كونيلي لمطالبة بولجر بمزيد من التعاون يشمل أسماء وأماكن تجمعات العصابة الازورية.
سرعان ماتتطور العلاقة بين بولجر وكونيلي، صريع فتنة وسحر شخصية صديق طفولته الذي كان دائم الحماية له خلال طفولتهما معا بنفس الحي (ساوث بوسطن)، الذي يتشكل أغلب سكانه من أميركيين من أصل آيرلندي ينتمون للطبقة العاملة، ليعاقر الشراب معه، ويتقاسمان مائدة العشاء أكثر من مرة، ويتبادلان الهدايا.
ومع مرور الوقت يقع بيد مكتب التحقيقات الفيدرالي تسجيل صوتي يدين زعيم المافيا الايطالي أنجولو، ويتم القبض عليه ليصبح معها بولجر ملك الجريمة ببوسطن.
يواصل بولجر لعب دور المخبر مع الفيدراليين، ويدير أعماله الخاصة باستخدامهم لتغطية افعاله، لكن هذا الوضع لم يدم طويلا مع تزايد وتيرة تلك الأعمال الإجرامية التى تشير جميعها إلى ضلوع بولجر ورفاقه بارتكابها.

……………………………..

سقوط امبراطورية فساد

جيمس وايتي بولجر.. مخبر المباحث الفيدرالية منذ 1975، هو العنوان الذي يتصدر صحيفة بوسطن غلوب، بعدما يقدم العميل جون موريس اعترافاته لصحفيين يعملان بالجريدة، وذلك مع تشككه في جدوى وصحة التعاون مع بولجر.
وكعادة الصفقات من هذا النوع لن تسير الأمور على ما يرام، خاصة بعد توالي ظهور الفضائح التي تكشفت جرائم الزعيم المافيوزي، من قضايا قتل، وابتزاز، وتوزيع مخدرات، وتهريب أسلحة، وغسيل اموال وغيرها..
في عام 1995، يترك وايتي بولجر بوسطن للمرة الأخيرة، ويحكم على مساعده الأيمن ستيفان فليمي بالسجن المؤبد لقتله 10 أشخاص، بينما يحصل جون موريس على حصانة لشهادته ضد صديقه جون كونيلي الذي يرفض الشهادة على بولجر، ويحكم عليه بالسجن 40 عاما، فيما يترك بيلي بولجر منصبه كسيناتور، بعد أن يجبر على الاستقالة بسبب اخيه، ويتجه للتدريس.
يتم تصنيف بولجر بعد الألفية كرقم 2 في قائمة المجرمين المطلوبين للعدالة، بعد أسامة بن لادن مباشرة. ورقم 1 من المباحث الفيدرالية. وفي 2011، بلاغا من مجهول يساعد في القبض عليه بكاليفورنيا ويتم الحكم عليه بالحبس مدى الحياة.
القداس الأسود، فيلم يبتعد تماما عن أي مغامرات أو لمسات استثنائية، كل شىء يسير في قالب روتيني الطابع، لكنه يحمل رسالة واضحة بشأن حقيقة عالم الجريمة المنظمة، ألا وهي أنه لا يوجد أخيار في غالب الأحيان. وأن الأمر بالنسبة لعملاء الـ إف بي آي، وممثلي الادعاء الفيدرالي في الولايات المتحدة، ليس إلا لعبة يكتسي إحراز النصر فيها في بعض الأحيان بأهمية تفوق تلك التي تُولى لإحقاق الحق وإقامة العدل.
عنصرأخر أود مناقشته والذي يبدو أن الشريط عمل على إبرازه، وهو مفهوم الولاء داخل الوسط الإجرامي، فأحد أفراد العصابة يبدأ اعترافه في أول الشريط (فلاش باك) بالتأكيد على أنه ليس مخبراً فهو يحتقرهم، أيضا عضو الكونجرس اخو بولجر أجبر على الاستقالة لأنه رفض التحقيق في اتصال ورد له من أخيه قبل أن يغادر المدينة. أما الولاء الأشد غرابة، فهو ولاء جون كونيلي وهي علاقة من الصعب إيجاد مثيل لها في السينما التي دائماً ما كانت العلاقة فيها بين الشرطي والمجرم إما منافسة أو تواطؤا مبنيا على الفساد.

رؤية: طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى