الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الشورى والتطلعات المجتمعية والدروس المستقاة (مواكبة للحدث الانتخابي الشوروي)

الشورى والتطلعات المجتمعية والدروس المستقاة (مواكبة للحدث الانتخابي الشوروي)

سعود بن علي الحارثي

” تبني بعض أفراد المجتمع عبر وسائل التواصل الدعوة إلى مقاطعة انتخابات مجلس الشورى والإعلان المباشر من قبل آخرين بعدم التوجه إلى صناديق الانتخابات, ومقابلة الجهود والمناقشات والجلسات الحوارية التوعوية والتثقيفية وأساليب الإقناع بسلبية متناهية, والسعي إلى استقطاب أكبر عدد من المواطنين وإقناعهم بالمقاطعة لإيصال رسالة قوية إلى الجهات المختصة والمعنية بعدم رضا المواطن عن صلاحيات وأداء مجلس الشورى.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرابع عشر : أولوية الفترة الثامنة العمل على استعادة ثقة المجتمع .
في سلسلة المقالات الخاصة بالشورى والتطلعات المجتمعية والدروس المستقاة المواكبة للعرس الانتخابي الشوروي الذي شهدته السلطنة في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي والتي نشرت تباعا في هذه الصفحة, سنخصص العدد الأخير منها لاستعراض الأهمية التي تكتسبها الفترة الثامنة ومسئولية أعضائها في استعادة وتعزيز ثقة المجتمع بالشورى, وهو تحد ينبغي أن تأخذه الأطراف الفاعلة في العمل الشوروي ضمن الأولوية في خططها وبرامجها ومسار عملها وبالأخص مجلس الشورى, هذا إن أردنا للسلطة البرلمانية وثقافتها المجتمعية ومؤسسات الدولة التطور في الصلاحيات والممارسة وفاعلية التنسيق والتعاون والإيمان الكامل بأهمية ودور وصلاحيات كل مؤسسة وتحقيق رضا المجتمع وترسيخ المفاهيم والمبادئ القانونية بما يحقق مصالح الوطن ويتوافق مع تطلعات وطموح المواطن ويعزز الأمن والاستقرار على الأمد البعيد ويقدم عُمان إلى العالم باعتبارها دولة حديثة تقوم على العمل المؤسسي والقانوني . ولا أشك بأن الجميع متطلع متلهف إلى تحقيق هذه الأهداف مؤمن بأنها ستحقق للوطن المزيد من النمو والازدهار والاستقرار والمشاركة الفاعلة بين مختلف الأطراف. لقد أكدت المناقشات المتواصلة والكتابات والملاحظات التي شهدتها وسائل التواصل والجرائد اليومية ونتائج الاستبيان المعدة من قبل مؤسسات حكومية ومجتمعية وبعض التحقيقات الصحفية والمتابعات اليومية والتواصل مع عدد من المترشحين لعضوية الشورى وغيرها, على التراجع المستمر لثقة المجتمع في مؤسسة الشورى التي أعادتها لفترة وجيزة تلك الصلاحيات التي نصت عليها التعديلات الأخيرة في النظام الأساسي التي صدرت بموجب المرسوم السلطاني رقم 99 /2011م , وبالتالي غياب الجهود والأعمال التي تقدم وتبذل من قبل الأعضاء عن المواطن , أو أن الممارسات البرلمانية على أرض الواقع والانجازات لم تلامس أو لم تصل إلى تطلعات وطموحات المجتمع, وقد عرجت إلى ذلك في أكثر من مقال استعرضت فيها الاشكالات التي تواجه عمل المجلس, وسواء أكانت تلك الثقة تراجعت لأسباب مرتبطة بأداء المجلس أو مدى تجاوب الحكومة أو أسلوب تعاطي المجتمع مع مؤسسة الشورى أو أنها ذات علاقة بالثقافة العامة البرلمانية في عمومها, فما يهمنا من ذلك كله أن نجري تشخيصا لاستخلاص الأسباب الحقيقية والعمل على معالجة الخلل. ويمكن إيجاز الانطباعات المجتمعية التي بني عليها هذا المقال أو طبيعة النظرة إلى المجلس التي أظهرتها بشكل أكثر بروزا وعمقا الاستعدادات والجهود والأعمال التي رافقت الانتخابات, في الآتي:
تبني بعض أفراد المجتمع عبر وسائل التواصل الدعوة إلى مقاطعة انتخابات مجلس الشورى والاعلان المباشر من قبل آخرين بعدم التوجه إلى صناديق الانتخابات , ومقابلة الجهود والمناقشات والجلسات الحوارية التوعوية والتثقيفية وأساليب الاقناع بسلبية متناهية, والسعي إلى استقطاب أكبر عدد من المواطنين وإقناعهم بالمقاطعة لإيصال رسالة قوية إلى الجهات المختصة والمعنية بعدم رضا المواطن عن صلاحيات وأداء مجلس الشورى.
كمية التعليقات والمقالات الصحفية وعمليات الهجوم والرسومات الكاريكاتير حد الازدراء أحيانا, والتي يتعرض لها المترشحون عن ولاياتهم, واتهامهم بالسعي فقط من أجل مصالحهم وخدمة أهدافهم وتطلعاتهم, واستخدام المجتمع كوسيلة لتحقيقها عبر وعود ( لا قيمة لها رفعها كثيرون قبلهم فتنصلوا منها ولم يحققوها على أرض الواقع بمجرد ما حصلوا على العضوية), وتكثيف التواصل مع الناس في مناسباتهم والاطمئنان عليهم وإظهار الحرص على مصالحهم وتبني بعض الخدمات الآنية واستخدام شعارات وطنية … لم تكن مألوفة أو معروفة لدى بعضهم , كل ذلك لاستقطاب الأصوات وتحقيق الفوز , واسقاط الحاضر على أحداث ومواقف وشخوص الفترات الماضية لتأسيس وترسيخ النظرة السلبية عن مجلس الشورى وأعضائه, كذلك تعرض بعض اللوحات والأعمال الدعائية لعدد من المترشحين لعمليات تشويه وتخريب …الخ
الخلط واللبس والتداخل بين النظرة المحدودة في تقييم دور العضو وصلاحياته كممثل لولايته وناخبيه , وبين المجلس كممثل للمجتمع يستوعب في مظلته وصلاحياته وأعماله البرلمانية جميع الاعضاء الممثلين لولايات السلطنة, ليكون تأثير العضو في قرارات المجلس صوت واحد من بين خمسة وثمانين صوتا يمثلون عمان. فما زالت شريحة واسعة من المواطنين تنظر إلى دور العضو وانجازاته وتجري عليه التقييم من خلال ما يقدمه أثناء فترة عضويته لولايته من مشاريع خدمية وما يجريه من مصالح ومكاسب لأولئك الناخبين الذين أعطوه أصواتهم, مع غياب تام في التقييم إلى النظرة الشمولية في دور العضو ومساهماته في المجلس ومناقشاته وأعماله البرلمانية وتمثيله المشرف لعمان في الداخل والخارج من عدمه, والتي لا يعيرها بعض الناخبين اهتماما للأسف.
من خلال المتابعة والاستقصاء والسؤال والمناقشات المتواصلة ونتائج الاستبيانات التي أجريت حول نسبة الإقبال المتوقعة من الناخبين للتوجه إلى صناديق الانتخاب, والتعرف على أسباب ودوافع الطرفين المطالب بممارسة الحق الانتخابي والداعي إلى العزوف .. أرى بأن هناك دوافع أربعة شجعت الناخب للتوجه للتصويت وإلا لكان العدد أقل بكثير من ذلك, وقد تمثلت في: دعم مرشح القبيلة الذي تم الاتفاق عليه ويمثل فوزه من عدمه تحد مع مرشحي القبائل الأخرى في الولاية _ المنافع سواء كانت مباشرة من خلال الاحتيال على القانون بشراء الأصوات, أو غير مباشرة كدعم بعض المشاريع والمبادرات المجتمعية , دعم الفرق والأندية الرياضية, المجالس العامة والمساجد, الأعراس الجماعية … الخ _ من أجل الحصول على عذر الغياب عن الدوام الرسمي, إذ أن معظم الموظفين يفضلون الاستمتاع بيوم إجازة في مقابل ساعة يتوجهون فيها إلى مركز الانتخاب ويحصلون مقابلها على شهادة موجهة إلى المؤسسة التي يعمل فيها _ دافع وطني خالص نابع من الإيمان بأهمية مجلس الشورى ودوره البرلماني, ودعم المرشح الكفء الذي يمثل الولاية أفضل تمثيل. وهذا الدافع الأخير هو ما يمكن الاعتماد عليه فعلا ويمثل النسبة الحقيقية للمشاركين في التصويت من العدد النهائي.
لكل ما ذكر, فإن مجلس الشورى ستواجهه معضلة كبرى وتحد خطير يتمثلان في ثقة المجتمع شبه المفقودة في مؤسسة الشورى, والعمل على تعزيز هذه الثقة تدريجيا إلى أن يصل بها إلى المستوى المرضي والمريح والمطمئن وتشجيع المواطن للتفاعل معه أي المجلس وأعضائه, والمساهمة بالرأي والتقييم والمتابعة وتقديم الملاحظات والمشاركة في الانتخابات … ومما لا شك فيه أن هذا المطلب لا يهم مجلس الشورى فقط بل ينبغي أن يؤرق الحكومة كذلك فهي متهمة من قبل شريحة واسعة من المواطنين بأنها سعت إلى تهميش الشورى وتحجيم صلاحياته, هذا جانب, ومن جانب آخر فإن المطالبة بصلاحيات أكبر لمجلس الشورى وتمكينه من القيام بمسئولياته البرلمانية التشريعية والرقابية كانت من أولى مطالب حراك 2011م , واستمرار انعدام وتدهور هذه الثقة يعني التسويف والمماطلة والقفز على مطالب المواطن , وقد يفضي ذلك إلى نتائج غير محمودة العواقب على المستوى الوطني , كما أن ظروف المرحلة وتحدياتها ومستجداتها وتطوراتها السياسية في الداخل والخارج تتطلب توحد كل القوى واستقطابها وتوجيهها نحو العمل الوطني وإعدادها وإشراكها من ثم في الحوارات والمناقشات وفي وضع السياسات وتطوير القطاعات ومعالجة المشاكل وطرح القضايا التي تهم الوطن وتخدم الصالح العام للمواطن , ويأتي العمل والحرص على تطوير صلاحيات مجلس الشورى برلمان عمان وتمكينه من ممارسته لصلاحياته التشريعية والرقابية مقدمة أساسية لتحقيق هذا الهدف النبيل , فالعمل البرلماني إنما هو نشاط وطني يستهدف في المقام الأول مصلحة الوطن وتحقيق طموحات ومصالح المجتمع في عمومه .. عليه ومن أجل أن يتغلب مجلس الشورى على هذه المشكلة وهو يبدأ نشاطه في هذه الفترة ( الثامنة ) , فلا بد له من القيام بالخطوات التالية:
أولا : دراسة وتقييم مسيرة الشورى على مدى ثلاثة عقود ونصف, أي منذ أنشاء المجلس الاستشاري وحتى اليوم من حيث: تطور الصلاحيات والممارسات وانعكاساتها على المجتمع , استخلاص النتائج والفوارق وحجم التطور الفعلي الذي طرأ على هذه المسيرة ومقارنتها بتطلعات وطموحات المجتمع. على أن تستند هذه الدراسة على جملة من المصادر والمعطيات ذات العلاقة بعمل المجلس والمرتبطة بمسيرته, المتمثلة في: كفاءة الأعضاء وما إذا كانت تشهد تراجعا أو تطورا, مراجعة دراسات وأعمال وممارسة الصلاحيات طوال الفترات السابقة, الإنجازات التي تمت في كل فترة , مدى تجاوب الحكومة مع المجلس, قدرات الامانة العامة وما شهدته من تطورات … وفقا لكل فترة أو مرحلة من مراحل المجلس , والخروج بنتائج وخلاصات ترفع إلى المقام السامي هدفها الارتقاء وتطوير عمل المجلس ضمن توصيات تعتمد على المسيرة ذاتها.
ثانيا : دراسة الممارسة البرلمانية والآليات التي اعتمدها وسار على نهجها مجلس الشورى خلال الفترة السابعة على ضوء الصلاحيات التي نص عليها المرسوم السلطاني رقم 99 / 2011م . وتبين ما إذا كانت هذه الممارسة تتوافق وتنهض بتلك الصلاحيات وتمثل عملا برلمانيا صحيحا وتلتقي مع تطلعات المجتمع ؟ أم أنها تحتاج إلى تصحيح وتغيير وغربلة وقراءة جديدة وتطوير يشعر المواطن بأن تغييرا فعليا طرأ على صلاحيات وأعمال وممارسات مجلس الشورى , خاصة فيما يتعلق بالمناقشات مع الوزراء ودراسات المجلس وتقاريره وتجاوبه السريع مع الأحداث والملفات والمطالبات المجتمعية وتجاوب الحكومة مع المجلس وكيفية معالجة الإشكاليات القانونية … والتي ظلت على ذات الآلية والمنهج منذ المراحل الأولى لمسيرة الشورى .
ثالثا : أهمية تشكيل لجنة دائمة هدفها التواصل مع المجتمع وصياغة برنامج تثقيفي وتنظيم سلسلة من اللقاءات الحوارية مع المواطنين والنخب في مختلف المحافظات والولايات وذلك وفقأ لمجموعة من المحاور والآليات التي تقوم على : دعوة الإعلاميين والأكاديميين ورؤساء وأعضاء مؤسسات المجتمع والكتاب والمثقفين وطلبة الجامعات لحضور جلسات المجلس ولجانه والاطلاع على أعماله وممارساته البرلمانية وإنجازاته وتنظيم لقاءات حوارية معهم والاستماع لملاحظاتهم ومطالبتهم بتقديم مرئياتهم وتقييمهم لأداء المجلس … القيام بزيارات ميدانية إلى مختلف المحافظات والولايات للتعريف بأعمال المجلس وإنجازاته والقضايا التي يقوم بدراستها وتثقيف وتوعية المجتمع بالعمل البرلماني وتعزيز ثقافته والخروج بخلاصات تتعلق بنظرة المجتمع للمجلس واستقرار مكامن الخلل وأوجه القصور… وقيام أعضاء من المجلس كذلك بمبادرة منهم بإلقاء محاضرات والمشاركة في ورشات عمل ولقاءات حوارية في الجامعات والكليات ومؤسسات المجتمع المدني والأندية وغيرها من المؤسسات التي تشهد زخما جماهيريا لإلقاء الضوء على دور مجلس الشورى والتحديات التي تواجهه وجهود أعضاءه للارتقاء بالعمل البرلماني وفتح أشكال وصور من الحوار المباشر مع المجتمع , فهو وفقا لوجهة نظري أعمق أثرا وأجدى نفعا وأقدر على الإقناع والتجاوب مقارنة بالحوار عبر الوسائل التقنية ومن خلف الشاشات.
رابعا : إن يشكل المجلس فرق عمل من بين أعضائه وأمانته العامة لزيارة عدد من البرلمانات في العالم تكون بمثابة تدريب على رأس العمل , بهدف الإطلاع على الممارسة البرلمانية , وآليات عمل السلطة التشريعية والرقابية ودورها الحقيقي , ووسائل وأدوات التنسيق مع السلطة التنفيذية وأساليبها , وعقد لقاءات مع المسئولين والبرلمانيين في تلك الدول للاستفادة من خبراتهم وتجاربهم البرلمانية وتعزيز الوعي والمعرفة البرلمانية اللذين يحتاجهما مجلس الشورى بقوة.
خامسا : الضغط بمختلف الوسائل القانونية والتنسيقية ووضع الآليات المناسبة للتفاعل والتعامل بإيجابية مع توصيات وملاحظات ومرئيات وطلبات وأعمال المجلس ووسائله البرلمانية من قبل الحكومة , وذلك بما يعزز من دوره ويرفع من مستوى نشاطه البرلماني على ضوء الصلاحيات التي يملكها وأن يعمل على معالجة تلك التحديات, والمضي قدما في المطالبة بصلاحيات أوسع وأشمل , وإلا فإن الفجوة واهتزاز الثقة بين المجتمع وبين أعضائه سوف تتسع وستشهد المزيد من التراجع.

إلى الأعلى