الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل تأملنا اليوم تحليل القرآن للطغيان فاعتبرنا ؟

هل تأملنا اليوم تحليل القرآن للطغيان فاعتبرنا ؟

د.أحمد القديدي

” يطلق الكتاب العزيز فعل طغى على البصر في سورة النجم حين ينفي صفة الطغيان عن البصر في وصف بعض مواقف الرسول (ص) فيقول ) ما زاغ البصر وما طغى. النجم17 ( فيربط سبحانه بين الزيغ والطغيان في إشارة إلهية إلى أن الأمرين ينتميان إلى خلل واحد هو الزلل عن الطريق المستقيم، كأنما الذي يزيغ والذي يطغى هما في نفس الضلال البعيد.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يعد يشك عاقل في أن المشرق الإسلامي يعاني اليوم حروبا و ويلات تصدت لها دول قوية ذات مصالح متناقضة حين عجزنا نحن عن مواجتها فالإرهاب هو وليد الطغيان في المقام الأول ثم هو وليد لعبة الأمم ونتيجة مصالح القوى الكبرى التي تهندس لنا النظام العالمي الجديد على قياسها كما أنه وليد التسيب وغياب السلطة فانظر حولك لترى بؤر العنف الأعمى تتموقع تحديدا في بؤر الاستبداد من أي شكل كان والدليل في العالم العربي هو أن الدول المستقرة القليلة لدينا هي التي وازنت بين حرية الفرد ومصلحة المجموعة وتلك التي حافظت على هوية شعبها المسلم ولا يشذ إرهاب اليوم في عالمنا العربي أو في العالم عن هذا التفسير وأذكر أنني سعدت منذ سنوات بالحديث مع المستشار الألماني الأسبق (جيرهارد شرويدر) تذكرت أنه كان يشغل منصب وزير العدل في السبعينات فبادرته بالسؤال عن سر انتصار الدولة الألمانية على إرهاب عصابات (بادر ماينهوف) التي قتلت وفجرت وخطفت الطائرات منذ السبعينات الى 1993. فكان جوابه لي درسا لم أتوقعه حيث قال:” قهرنا الإرهاب بالمزيد من الديمقراطية وتقنين الحريات العامة وبإصلاح الخلل في أداء المؤسسات الدستورية” وهو تحليل أعتقد أنه يصدم بعض العرب الغافلين الذين نسمع أصواتهم البلهاء ترتفع منادين بعودة العصا ومحاسن الهراوة والقمع واعادة انتاج الفاشية وإلغاء المكاسب الديمقراطية التي حققتها الشعوب بالتضحيات الجسام. ولهذا السبب أرجع دائما للينبوع الأول والصافي لمدونة الحكمة والهدى ألا وهو الفرقان وما حلله من روائع معاني الطغاة والطغيان لعل الذكرى تنفع المؤمنين.
ففي سورة/طه يأمر الله تعالى رسوله موسى عليه السلام بأن يذهب إلى فرعون معللا سبحانه هذه الرحلة بطغيان حاكم مصر فالطغيان هو إذن في منظور الخالق الباري درجة من درجات السلوك البشري يمكن أن يبلغها الماسك بزمام السلطة، بعد أن يمتحنه الله و شعبه، فيصل إليها و يستحق حينئذ التذكير أو ما هو أخطر من التذكير، حسب سلم تقييم الطغيان..

ونبقى مع فرعون لنجد تأكيد الأمر الإلهي بصيغة المثنى: لموسى وأخيه هارون عليهما السلام ( اذهبا إلى فرعون انه طغى 43 فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى 44 ( ورد المبعوثان الكريمان بالمنطق البشري أي الخشية من بطش الطاغية ) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) 45 سورة طه، ولكن الله سبحانه أجابهما بالمنطق الإلهي ليهدأ من روعهما (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى طه 46( و من هذا الحوار بين الله سبحانه
ومبعوثيه إلى فرعون بسبب طغيانه نتعلم بأن التعاطي مع الطاغية في هذه الحالة هو التعاطي التدريجي الذي لا يقنط من عبد من عباده فيأمر الرسولين بأن يقولا له قولا لينا ) لعله يتذكر أو يخشى ( كأنما أراد الله عز و علا أن يرينا آية من آيات الرجوع عن الطغيان إما بالتذكر أو الخشية . و إني أعتقد باجتهادي المتواضع بأن التذكر هو لغويا تشغيل الذاكرة بمعنى الاعتبار بالتاريخ واستخلاص دروسه البينة الساطعة، فالتدبر في الأحداث الماضية وقراءتها بشكل متعمق يصد أولي الأمر عن الطغيان لأنه يعلمهم الامتثال لنواميس الكون. أما الخشية فهي الدرجة العليا من الإيمان و إذا ما صح إيمان امرئ فانه ينجو من داء الطغيان لأنه يشعر بنسبية الأشياء و بضعف الإنسان إزاء قدرة الله والتزامه بعبادته و الاحتكام إلى تعاليمه.
وقد ورد مصطلح الطاغين والطغيان فى أيات القرأن مرات عديدة ومنها
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (النساء51
يطلق الكتاب العزيز فعل طغى على البصر في سورة النجم حين ينفي صفة الطغيان عن البصر في وصف بعض مواقف الرسول (ص) فيقول ) ما زاغ البصر وما طغى. النجم17 ( فيربط سبحانه بين الزيغ والطغيان في إشارة إلهية إلى أن الأمرين ينتميان إلى خلل واحد هو الزلل عن الطريق المستقيم، كأنما الذي يزيغ والذي يطغى هما في نفس الضلال البعيد. و في نفس الآية أيضا معنى من معاني الإعجاز القرآني حين ينفي الله سبحانه صفة الطغيان عن البصر في هذه الحالة، وهو إقرار بأن البصر- و بالتبعية له البصيرة – يمكن أن يصابا بالطغيان في لحظة من لحظات الزيغ. و لعل الله تبارك و تعالى يريد منا أن نستشف هذا المعنى حين يقول في سورة العلق الاية6 كلا إن الإنسان ليطغى.

وفي بعض الآيات ذكر القران القوم الطاغين، لأن الطغيان ليس في المنظور الرباني مقتصرا على شخص صاحب الأمر و أوليائه من الحكام، فالقوم يمكن أن يكونوا طاغين، والطغيان يصبح سلوكا عاما لا شخصيا مثلما هو الحال لدى فرعون فيما أسلفنا من التفسير. ففي سورة الذاريات يضفي الله تعالى على قوم نوح هذه الصفة(طاغون)بعد أن ينعتهم بأنهم كذلك قوم فاسقون.
فلنتأمل هذه المعاني لنجنب أمتنا شرور الطغيان و لعلنا بذلك نجد حلولا لأزمات سوريا
والعراق وليبيا واليمن دون أن تطغى علينا أمم أخرى لا هم لها سوى الهيمنة والاستغلال ببث الفرقة بيننا.

إلى الأعلى