الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / النبي .. «الأميّ» «2ـ 2»

النبي .. «الأميّ» «2ـ 2»

الدليل الديني
وأورد هنا بعد الأدلة العقلية ما أراه من شواهد دينية تسند مقولتي ببطلان القول بأميّة الرسول النبي (صلى الله عليه وسلم) بمعنى (جهله للقراءة والكتابة):
ـ إن الاختيار الإلهي لكل تبليغ هو أزلي غير محدث، حيث إنه ما سبق في علم الله ما يمكن عليه الحدوث، وذلك في الكليات على الأقل إذا أردنا تفادي الدخول في جدل عقيم آخر، لأنه تعالى خارج عن الوقت والحركة والحدوث وهو وعلمه واحد. لذا وجب أن يكون التكليف الرسالي قد وقع قبل حدوث الحركة وقيام الوقت، ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث «كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، كنت نبياً لا آدم ولا ماء ولا طين»، واختيار وتكليف قبل الأزل لا يعقل أن يكون فيه نقص حيث أن الكمال كان وحده موجوداً والنقص لم يقع إلا من باب الاعتراض الذي وقع من تساؤل الملائكة: «قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ..»، ثم وقعت المعصية من عصيان إبليس اللعين، فقبل ذلك كان النور والكمال فلا يجوز شرعاً أن تكون هناك صفة نقص في المختار عند الأزل.
إن كل الصفات التي أطلقها الله تعالى في الكتاب على رسوله (صلى الله عليه وسلم) والتي يعجز أي مقال عن حصرها وتعدادها تشير إلى تميز في الخلق واصطفاء لا يمكن أن يرافقه نقص، ولو افترض المرء جدلاً أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) لم يتعلم فهل كان يتعذر على الله جل وعلا أن يقضي تعلمه حين أتته الدعوة «وما أمرنا إلا واحدة» ليكتمل بذلك الخلق، حاشاك من النقص، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. ألم يأت الذي عنده علم من الكتاب بعرش بلقيس قبل أن يرتد لسليمان طرفه؟ فكيف بالذي عنده علم الكتاب كله؟.
إن أول ما أنزل في القرآن الذي فرقه على الناس حسب الروايات هي سورة العلق، وفيها يحدثنا رب العزة بأن أول ما اختار أن يبلغنا عن ذاته العزيزة أنه علم بالقلم، فأبان لنا مقام التعليم. والقلم سواء أكان قلم الجلالة أم قلم العبد لا بد أن يكون للكتابة. فهل يعقل أن مبلغ هذا التكليف لا يحسن استخدام ذلك القلم؟.
لا يعقل شرعاً أن رب العزة لم يجد وصفاً يليق بالرسول الأمي من كل ما خصه به من أوصاف سوى نقص الأمية فجاء بها بعد لفظي الرسول والنبي، ولعمري لا أدري كيف فاتت هذه على الفقهاء عبر العصور!.
لا يعقل شرعاً أن يكون محمد (صلى الله عليه وسلم) قد بعث فقط في الذين يجهلون القراءة والكتابة إذا كان هذا هو معنى الأميين كما جاء في قوله تعالى: «هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ..» وإنما بعث محمد للعالمين «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
لا يعقل شرعاً أن يعلم الناس الحكمة من يجهل القراءة والكتابة، فقد قال عز وجل: «ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا ..» ومحمد (صلى الله عليه وسلم) أوتي الحكمة لكي يعلمها للناس في قوله تعالى: «ويعلمهم الكتاب والحكمة ..» فالقراءة والكتابة ولا شك أقل خيراً من الحكمة. وقد قال (صلى الله عليه وسلم) عن نفسه: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) فأي معلم للحكمة وأية مدينة للعلم لا تحسن القراءة؟ نعوذ بالله من الشطط وعثرة اللسان.
الخلاصة
مما مر يتضح لنا أنه لا يجوز لا عقلاً ولا شرعاً القول بأن محمداً (ص) كان يجهل القراءة والكتابة.
وهنا يبرز السؤال: إذاً ماهو المقصود بالأمـّـي في قوله تعالى «الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل»؟.
وجواب ذلك يعرفه كل من له إلمام بسيط بلغة العرب، ذلك لأن كل من نسب إلى أم القرى فهو (أميّ). ولما كان الله قد شاء لحكمة ألا يسمي مكة في الكتاب إلا بـ (أم القرى)، لذلك وجب النسب إليها بالأمـّـي. ومحمد (صلى الله عليه وسلم) كان منها وكذلك كان أغلب المهاجرين أمّـيين على هذه النسبة.
ولو تفحصنا القرآن الكريم لوجدنا (مكة) يشار إليها بـ (أمّ القرى) في المواقع التالية:
أ) « .. ولتنذر أمّ القرى ومن حولها» (الأنعام ـ 92).
ب) « وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولاً» (القصص ـ 59).
ج) « وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أمّ القرى ومن حولها» (الشورى ـ 7).
ـ أما المواقع التي وردت فيها كلمة (الأمّيين) فهي:
أ) « .. ومنهم أمّـيون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ ..» (البقرة ـ 78).
ب) « .. وقل للذين أوتوا الكتاب والأمّيين ءأسلمتم.. « (آل عمران ـ 20).
ج) « .. ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل ..» (آل عمران ـ 75).
د) « هو الذي بعث في الأمّـيين رسولاً منهم ..» (الجمعة ـ 2)
ـ أما المواقع التي وردت فيها كلمة (الأمّي) فهي:
أ) «الذين يتبعون الرسول النبي الأمّي ..» (الأعراف ـ 157).
ب) « .. فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمّي الذي يؤمن بالله.. (الأعراف ـ 158).
فأي عاقل يقرأ هذه الآيات ويخلص إلى أنها جميعا تتحدث عن أناس يجهلون القراءة والكتابة؟
أما الإدعاء بقول من قال، في قصة تروى من ألف عام دون أين يعرف مصدرها، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أجاب جبريل بقوله: (ما أنا بقارئ) فهذا عندي حديث مختلق شأنه في ذلك شأن الكثير الكثير الذي وضع في غفلة من الدهر لتبرير غاية في نفس المفتري، فلا يليق بي حتى الرد عليه.
أما سبب عدم كتابة محمد (صلى الله عليه وسلم) للقرآن بيده واعتماده على كتاب الوحي فذلك من باب إتيان الدليل العقلي على التنزيل الإلهي بعدم اتهام محمد (صلى الله عليه وسلم) باختلاق الآيات ذلك بأنه كان يرويه بعد التفويض على جملة من ثقاة الناس فإذا أجمعوا لاحقاً على نص الرواية كان ذلك مصداقاً أمام الآخرين لمحكم التنزيل. وحين جمع القرآن فإنه جمع من ألسن كتاب الوحي بشكل مستقل وتمت مطابقة النصوص فثبتت. هذا من باب، ومن باب آخر كان الهدف قطع الطريق على المنافقين، وما أكثرهم في الإسلام، من العبث بعقول ضعاف الإيمان من المسلمين وذلك باتهام محمد (صلى الله عليه وسلم) بالعبث بالآيات لذلك قال عز وجل: «وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون».
لقد تهافت البعض على الإدعاء اليهودي الأصل النصراني النقل حول جهل محمد (صلى الله عليه وسلم) وأمّيته وقبلوا هذا الإدعاء بحجة أنه الدليل الوحيد على تنزيل القرآن، وعندهم أنه ما دام محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يحسن القراءة والكتابة فلا يمكن أن يكون قد ألّـف القرآن. وهذا الاستنتاج بعيد عن فهم الحكمة الإلهية. فهم يعتقدون أنهم بهذا سوف يقنعون الفكر النصراني بتنزيل القرآن، وهم ينسون أن الفكر النصراني والفكر اليهودي قائمان أساساً على اعتبار الإسلام نوعا من الشعوذة خرج ذا يوم من الصحراء. ثم أنهم في إلحاحهم على إقناع النصارى يخرجون الإسلام عن حده الإلهي، ذلك لأن الله شاء أن يبقى الإسلام محارباً وأن تنكره الناس فقد أنكر بنو قريظة محمداً (صلى الله عليه وسلم) وهو بينهم فكيف يقبل أبناء الأفاعي بعدهم رواية عن محمد (صلى الله عليه وسلم)؟ ثم أن الله أمر بالتفرغ له والانصراف عن الآخرين في قوله: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم..».
مما سبق يبدو واضحاً أن القول بأمّية محمد (صلى الله عليه وسلم) من حيث كونها جهلاً بالقراءة والكتابة لا أمّية كونه مكيّـاً،هو محض افتراء، يتحدى به القائلون دون دليل عقلي أو إلهي حكمة الله التي اقتضت أن يختار رسوله لخلقه أفضل مخلوقاته وأشرف مبتدعاته لقوله تعالى: «.. واصطنعتك لنفسي». وما كان موسى (عليه السلام) أشرف مقاماً من محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولو كانت الدعوة النصرانية أشرف من الإسلام إذاً لاختتمت بها الدعوات. والذي أنطق عيسى (عليه السلام) في المهد لا يعز عليه أن يعلم محمداً (صلى الله عليه وسلم) وهو ابن الأربعين.
محمد (صلى الله عليه وسلم) كان النور الذي أضاء الكون لا الأرض وحدها، أهداه بالحكمة والموعظة الحسنة وسخر له النور معه، «فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ..» فحامل الرسالة أسمى منها: فإذا كان الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وكان كما قال فيه: «ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ..» فكيف بحامل هذا الكتاب؟
كيف بمحمد (صلى الله عليه وسلم) الذي توقف جبريل في المعراج، وهو الذي يعرج في يوم كان مقداره خمسون ألف سنة، وقال (أنت بعد ذلك وحدك) فسرى وحده ووصل وحده ثم نظر فرأى «ما زاغ البصر وما طغى» … ورأى ما رأى «لقد رأى من آيات ربه الكبرى».
هذا غيض من فيض ولولا الأمر الإلهي قضى ألا يقال كل ما يعرف لأفضت من حيث ابتدأت ولكن « عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون».
«قل لا أملك لنفسي نفعاً و لا ضراً إلا ما شاء الله» .. والسلام.
خبير في مكتب معالي وزير العدل

عبد الحق عبد الحبار العاني

إلى الأعلى