الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : مجلس عُمان وملامح عمله للفترة القادمة

شراع : مجلس عُمان وملامح عمله للفترة القادمة

خميس التوبي

بتعيين أعضاء مجلس الدولة وبأداء أعضاء مجلس الشورى قسم اليمين، تكون بذلك ملامح مجلس عُمان قد اكتملت، وبانت هويته، وتشكلت بنيته الرقابية والتشريعية والقانونية للفترة الحالية؛ وذلك من خلال شخصيات الأعضاء، سواء كانوا المعينين أو المنتخبين ومؤهلاتهم العلمية وخبراتهم العملية، وإسهاماتهم في خدمة مسيرة العمل الوطني والتنمية الشاملة في البلاد.
صحيح أن ذلك الكم العلمي (دبلوم وبكالوريوس وماجستير ودكتوراة وما دون ذلك) والعملي والتراكم الخبراتي وتنوعه، ارتفاعًا في جوانب وانخفاضًا في جوانب أخرى في جناحي مجلس عُمان (الدولة والشورى) من شأنه أن يحقق نوعًا من التدافع المطلوب في الممارسة البرلمانية. بَيْدَ أنه مع ذلك لا يمكن الحكم أو التكهن بقدرة المجلس على بلوغ المستوى الأعلى من الطموح، وتحقيقه الرؤى والخطط الموضوعة، إلا بعد تموضع المجلسين عند إرادة القيادة الحكيمة والمواطنين وتطلعاتهم ورؤية مفاعيل ذلك على أرض الواقع، ومدى النجاح في الاقتراب من جذور العمل الوطني أو الانطلاق منها وملامسة الاحتياجات اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بصورة مباشرة، والتأكيد على أن المجلسين يملكان من الأدوات ما يمكنهما من الابتكار والإبداع في الحلول والمعالجات للقضايا التي أطلت برأسها، وفي مقدمتها تراجع أسعار النفط عالميًّا وتأثر اقتصادات دول العالم بما فيها اقتصاد السلطنة، حيث يتطلب هذا التراجع معالجات سليمة تحافظ على الوضع القائم، وتتجنب أي اهتزازات مؤثرة خاصة في المناطق الاجتماعية الرخوة على قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” و”الكل في خدمة الكل” و”الكل في خدمة الوطن”.
ولعل الموازنة العامة للدولة التي يجري إعدادها ومن ثم مناقشة بنودها الشهر المقبل تحت قبتي مجلس الشورى ومجلس الدولة قبل اعتمادها، تمثل محكًّا حقيقيًّا وملمحًا لمدى قدرة المؤهلات العلمية وتراكم الخبرة أو فائضها على خوض المحك والنجاح فيه بامتياز، والبدء برحلة البحث عن الممكنات والمصادر البديلة التي تسند الميزانية للأعوام القادمة، وتحافظ على المناخ العام الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي في ضوء التوجه نحو سلسلة من المقاربات والإجراءات للتغلب على الوضع الراهن المعتمد على عائدات سلعة النفط مصدرًا وحيدًا تقريبًا، أو أنها تحقق نجاحًا بمستوى مقبول أو جيد.
إن المعطيات الحالية لأسعار النفط لا تؤشر إلى عودة قريبة للارتفاع، وبالتالي أصبحت الرؤية واضحة حيال ذلك، وعليه لا بد من أن تتفتق الأذهان عن حلول إبداعية تستجيب لمتطلبات الواقع والتنمية في البلاد، بالغوص في أعماق المشكلة والصدق مع النفس والتحلي بالشجاعة والمصارحة والمكاشفة، والتساؤل عن الأسباب التي جعلت اقتصادنا الوطني رهين مصدر دخل واحد وهو النفط طوال خمسة وأربعين عامًا؟ فأين الرؤية الاقتصادية المستقبلية (2020)؟ وأين أهدافها وخططها؟ وما الذي تحقق منها وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ وما مدى واقعية كل ما قيل ويقال عنها؟ فالواقع يناقض تمامًا كل ما قيل ويقال.
ما من شك، حين نصدق مع أنفسنا ونكاشفها ونصارح بعضنا بعضًا، فإن ذلك يعطينا القابلية لتقبل الحقائق والتفكير جديًّا في إجراء مراجعة شاملة بعيدًا عن الحلول المجتزأة والمتسرعة والمؤقتة، فهناك قطاعات مؤكدة لتكون مصدر دخل، وأخرى واعدة، والتحرك نحوها وطَرْقها لا يزال خجولًا. ومن بين هذه القطاعات على سبيل المثال لا الحصر:
أولًا: قطاع التعدين، فالمحاجر غدت بيد أيدٍ عاملة وافدة، بعقد من الباطن، حيث التصاريح لها أسبابها المعروفة التي تمنح على ضوئها، ليقوم بعض المستفيدين أو كلهم ببيع التصريح من الباطن مقابل مئتي ألف ريال عماني أو أكثر لصالح الأيدي العاملة الوافدة التي جنت من وراء هذه الثروة الوطنية ثراءً فاحشًا، مع ضريبة حكومية متواضعة، ربما لاعتقاد الحكومة أن المستثمر والمستفيد منها مواطن، وتشجيعًا له لم تفرض عليه رسوم عالية، وكذلك تشجيعًا له على أن يقوم بتوظيف عدد من القوى العاملة الوطنية، في حين قد تخلو المؤسسة العاملة في هذا المجال من قوى عاملة وطنية أو قليلة جدًّا.
ثانيًا: قطاع الزراعة، فالتحولات المناخية والاقتصادية وطبيعة السوق الدولية المفتوحة والاتجاه إلى الاستيراد للمواد الغذائية كلها تركت بصمات ومعوقات على الإنتاج الزراعي المحلي؛ ولهذا لا بد من مقاومة مغريات تقليد سلوكيات استهلاكية، بتضافر الجهود بين الجهات المعنية لتنشيط القطاع الزراعي وبين الشباب الباحث عن موارد الربح الأسرع والأكثر سهولة من الكسب في القطاع الزراعي، بحيث لا ننتظر تحولات عالمية تؤثر في إمدادات الغذاء للمجتمع العماني، فالاكتفاء الذاتي من الغذاء هدف ثمين يستحق السعي إليه، ونحن ـ ولله الحمد ـ نملك مقومات تحقيق هذا الهدف.
ثالثًا: قطاع العقارات، يمكن للحكومة من خلال هذا القطاع إقامة مبانٍ سكنية ومدارس ومستشفيات أو حتى إقامة مدن متكاملة وتقوم بتأجيرها لصالح مؤسسات خاصة ومستثمرين، أو استصلاح أراضٍ لأغراض الزراعة أو الصناعة أو… وتأجيرها.
رابعًا: قطاع السياحة، يتوسع هذا القطاع كلما توسعت الرؤى والأفكار والطموحات، وتوافرت الإرادة، ومن شأن هذا القطاع أن يحقق إنجازات كبيرة وعائدات عالية، لا سيما وأن بلادنا تمتلك مقومات سياحية كثيرة جدًّا ومتعددة.
خامسًا: قطاع التعليم، بتمكين القطاع الخاص من استثمار مدارس حكومية، ودراسة هذه الإمكانية في ضوء الكلفة التشغيلية للمبنى المدرسي من حيث الكادر الإداري والتدريسي والطالب، والمرافق، وفي ضوء الكثافة السكانية، مع مراعاة الحفاظ على جودة التعليم المقدم.
إذًا، كل الأمل معقود على العقول النيرة والخبرات المتراكمة التي نحسن الظن بها والتي ستدير دفتي مجلسي الدولة والشورى بكل أمانة وإخلاص في فترتهما هذه، ومثلما تطمح القيادة الحكيمة إلى الاطمئنان لحسن اختيار أعضاء مجلس الدولة، فإن المواطن يطمح إلى الاطمئنان لحسن اختياره من يمثله وينوب عنه في مراحل العمل الوطني ومفاصل التنمية الشاملة.

إلى الأعلى