الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ندوة “الحركة العلمية في عصر اليعاربة” تؤكد على ضرورة الاهتمام بتاريخ عمان البحري وتضمين بعض جوانبه في المقررات المناهج الدراسية بمختلف المستويات
ندوة “الحركة العلمية في عصر اليعاربة” تؤكد على ضرورة الاهتمام بتاريخ عمان البحري وتضمين بعض جوانبه في المقررات المناهج الدراسية بمختلف المستويات

ندوة “الحركة العلمية في عصر اليعاربة” تؤكد على ضرورة الاهتمام بتاريخ عمان البحري وتضمين بعض جوانبه في المقررات المناهج الدراسية بمختلف المستويات

في ختام جلساتها على مسرح كلية العلوم الشرعية بالخوير

الندوة تدعو الشباب للاستفادة من الموروث البحري العماني وتوجيه الدارسين والمهتمين نحو تحقيق كتب التراث والبحث عن أسماء الأعلام وإنتاجاتهم العلمية في عصر اليعاربة

توصية بتحقيق المخطوطات العلمية تحقيقا علميا رصينا وإعادة طباعة ونشر الكتب العمانية وصياغتها بلغة معاصرة

دعوة لدراسة تاريخ المرأة العمانية وتسجيل أهم الأحداث والأدوار السياسية والاجتماعية التي شاركت فيها وأسهمت بها في تطوير هيكلة المجتمع في عمان

متابعة ـ خلفان الزيدي :
أكدت ندوة “الحركة العلمية في عصر اليعاربة” على ضرورة الاهتمام بتاريخ عمان البحري, ودراسة إمكانية زيادة تضمين بعض جوانبه في المقررات المناهج الدراسية بمختلف المستويات.
ودعت الندوة في ختام أعمالها أمس، الشباب للاستفادة من الموروث البحري العماني والمتمثل في صناعة السفن العمانية التقليدية, واستخدامها في السياحة والصيد، كما أكدت على أهمية توجيه الدارسين والمهتمين نحو تحقيق كتب التراث، والبحث عن أسماء الأعلام وإنتاجاتهم العلمية في عصر اليعاربة.
وأشارت الندوة إلى ضرورة إجراء المزيد من الدراسات الأكاديمية المستفيضة حول الخطب والمقامات والرسائل والعهود في عصر اليعاربة، وإلى دراسة تاريخ المرأة العمانية وتسجيل أهم الأحداث والأدوار السياسية والاجتماعية التي شاركت فيها، وأسهمت بها في تطوير هيكلة المجتمع في عمان.
وأشارت التوصيات التي خرجت بها الندوة، إن على الباحثين دراسة المصادر والمراجع العلمية، ومن ضمنها كتاب “منهج الطالبين وبلاغ الراغبين” للعلامة خميس بن سعيد الشقصي، ودراسة منهجه الفقهي والاجتهادي، ودعت في هذا الشأن إلى تحقيق المخطوطات العلمية تحقيقا علميا رصينا، وإعادة طباعة ونشر الكتب العمانية، لاسيما تلك التي تحتاج إلى إعادة صياغتها بلغة معاصرة، وفي مقدمة هذه الكتب المراجع العلمية التي ظهرت في الدولة اليعربية، ومنها كتاب “منهج الطالبين وبلاغ الراغبين” للعلامة الشقصي.
وكانت ندوة الحياة العلمية في عصر اليعاربة قد اختتمت جلساتها أمس على مسرح كلية العلوم الشرعية بالخوير تحت رعاية معالي الشيخ عبدالله بن علي القتبي مستشار الدولة، وخلال الحفل ألقى الدكتور إبراهيم بن يحيى الكندي كلمة نيابة عن المشاركين، أكد من خلالها على أهمية مثل هذه الندوات العلمية، واسهامها في اظهار الدور العماني الذي يمتد لآلاف السنين في جميع المجالات، معتبرا أن الندوة بمحاورها الأربعة أبرزت النشاط الفكري العماني في فترة من أزهى عصور التاريخ العماني، وهي الفترة التي تقارب هذا العهد الميمون الذي يقود نهضته المباركة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حيث نشهد الآن ذات المقومات التي عززت النبوغ الفكري والعلمي في عصر اليعاربة.
وقد غطت الندوة عبر جلساتها التي امتدت على مدار يومين، أربعة محاور، تناول المحور الأول حركة التحرير العماني في عصر اليعاربة، وغطى مقومات النهضة العمانية في عصر اليعاربة، والقوة البحرية في عصر اليعاربة ودورها الحضاري، والدولة اليعربية من خلال الوثائق البرتغالية .
وتطرق المحور الثاني للحركة العمرانية والتمدن في عصر اليعاربة، وغطت أوراق العمل فيه النظام السياسي للدولة اليعربية، والتخطيط المدني في عصر اليعاربة، والعمران العسكري في عصر اليعاربة، فيما تناول المحور الثالث الإنتاج العلمي في عصر اليعاربة، وأبرز الإنتاج العلمي في عصر اليعاربة، والمنهج العلمي في منهج الطالبين، والدور العلمي للمرأة في عصر اليعاربة.
وغطى المحور الرابع الإنتاج الأدبي في عصر اليعاربة، وناقش النص وأبعاده الدلالية في شعر التحرير عند اليعاربة (الحبسي أنموذجا)، والبنية الفنية للرسائل والعهود في عصر اليعاربة، والبنية الفنية للخطب والمقامات في عصر اليعاربة.
وعالجت هذه المحاورَ من خلال ثلاث عشرة ورقة عمل، بينت جملة من القضايا المهمة، منها أن قيام دولة اليعاربة مثّل منعطفا كبيرا في التاريخ العماني، كونها أعادت إلى عمان وحدتها وهيبتها السياسية بعد طول تمزق وانقسام، وكان للعلماء الدور الأكبر في قيام هذه الدولة وإدارتها.
وقد عمد أئمة دولة اليعاربة إلى توحيد الصف الداخلي العماني مستفيدين مما لدى العمانيين من وعي بضرورة الوحدة ونبذ الخلافات، حتى دانت لهم معظم أرجاء عمان، وكذلك تمكنت دولة اليعاربة من بناء قوة بحرية، ردعت بها العدو البرتغالي، وطهرت السواحل العمانية منهم، مما أسهم في حركة الفتوحات العمانية والتي امتدت إلى الساحل الإفريقي.
وأشارت الأوراق المقدمة، إلى أن الاستقرار السياسي الذي شهدته بعض فترات عصر اليعاربة ساعد على ازدهار العمارة والعمران، وظهر جليا في هيمنة الطابع الدفاعي على نمط المعمار في ذلك العصر، مع وضوح الاهتمام بجمالية العمارة في كل أنواع المباني الدفاعية والدينية والاجتماعية .
ظهرت الوثائق البرتغالية في بعض منها مخالفة للأحداث التي سجلتها المصادر والمراجع التاريخية، وشهدت تحيزا واضحا للبرتغاليين، كما عبرت الخطب والمقامات والرسائل والعهود في عصر اليعاربة عن فن أدبي أصيل، يعمق الانتماء اللغوي والادبي ويخدم فكرة الحركة العلمية التي ازدهرت في عصر اليعاربة.
ومثّل الشعر في عصر اليعاربة قيمة فنية وحضارية وتاريخية ولغوية، حيث رصد الشعراء العمانيون فتوحات وانتصارات دولة اليعاربة ، وسجلوا ملامح وأبعادها متعددة منها ما تعلق بوصف الحرب والمحارب ، ومنها ما رصد البعد التاريخي للمعركة.

الجلسة الأولى
وكانت ندوة “الحركة العلمية في عصر اليعاربة” قد واصلت جلساتها أمس في مسرح كلية العلوم الشرعية بالخوير، بتقديم سبع ورقات عمل عبر جلستين، تناولت الجلسة الأولى الإنتاج العلمي في عصر اليعاربة، وترأسها الدكتور علي بن حميد الجهوري مدير عام المديرية العامة للتربية والتعليم بمحافظة مسقط، استهلت بدراسة ببلوجرافية حول الإنتاج العلمي في عصر اليعاربة (1034هـ/1624م-1162هـ/1749م)، قدمها الدكتور موسى بن سالم البراشدي، مدير مساعد بدائرة تقويم المناهج في وزارة التربية والتعليم، عرف من خلالها بأهم مجالات التأليف عند العلماء العمانيين زمن اليعاربة، وإبراز نماذج للمؤلفات العمانية التي تعود إلى تلك الفترة الزمنية، إلى جانب التعريف ببعض تلك المؤلفات وإبراز أهميتها، بالإضافة إلى توفير قاعدة بيانات بحثية للباحثين في تاريخ عمان خلال فترة اليعاربة.
وأتبع الباحث طريقة الببليوجرافيا لاستعراض أبرز النماذج لمؤلفات تلك الفترة الزمنية، وقدم نماذج من الإنتاج العلمي لعلماء عمان في تلك الفترة سواء في العلوم الشرعية أو اللغوية أو التاريخية أو الطبية أو الفلكية المخطوطة منها والمطبوعة.
وقدم فهد بن علي السعدي، باحث شؤون إسلامية بمكتب سماحة المفتي العام للسلطنة ورقته حول المنهج العلمي في منهج الطالبين، تناول من خلالها منهج الشيخ خميس بن سعيد بن علي الشقصي في تأليف كتابه منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، الذي يعتبر من أشهر مؤلفات عهد دولة اليعاربة، بل من أشهر المؤلّفات العمانيّة عامّة، ويقع في عشرين جزءا، وقد ألفه لمّا رأى تقاصر الناس عن العلم، وعجزهم عن إدراك مقاصد السابقين، وقد جعله مختصرا جامعا لمعالم الشريعة، مبينا لأصولها وفروعها، شارحا لمسائلها، جامعا ومرتبا لشتاتها، وفيما قيل إنه انتهى من تأليفه في عهد الإمام ناصر بن مرشد.
وقد قسم المؤلف كتابه على أقوال بدلا من أبواب، فيبدأ أولا بذكر العنوان، ثم يمهد له بمقدمة تنطلق من القرآن والسنة، ثم يدخل في صلب الموضوع بتفصيل، حيث يذكر فروع المسألة الواحدة مستدلا لكل قول من الأقوال، خاتما كلّ ذلك ما يراه بالدليل الراجح.
وقدم خميس بن سعيد العدوي رئيس المنتدى الأدبي ورقته حول الدور العلمي للمرأة في عصر اليعاربة، وقال المرأة شقيقة الرجل، ولا تقوم حركة عمران العالم إلا بهما معا، هكذا هي سنة إعمار الحياة، بيد أن الأوضاع الاجتماعية التي مرت بها الإنسانية قاطبة، جعلت من المرأة كائنا متواريا خلف الرجل، وهذه السنة الاجتماعية التي غالبت سنة إعمار الحياة انطبقت على المرأة في عمان كغيرها.
وقال الباحث إن ورقته تعد محاولة لاختراق تلافيف السنة الاجتماعية للوصول إلى سنة الإعمار بالكشف عن دور المرأة، في جانب من جوانبها العمانية، ألا وهو دورها العلمي في العهد اليعربي، وقد تطرق في بدايتها إلى الدراسات السابقة عليها، التي اهتمت بشأن المرأة العمانية، حيث تعرض للأطوار التاريخية التي مر بها المجتمع والدولة في عمان، والتموضع الحضاري للمرأة العمانية بها، ثم ألقى نظرة على الدور الاجتماعي عموما للمرأة في العهد اليعربي، ضاربا لذلك بعض الأمثلة.
وقال الباحث إن الدولة اليعربية شهدت نهضة علمية، كان الرجل والمرأة ركنيها الشيدين، مشيرا إلى أن المرأة كانت فقيهة وسياسية وشاعرة وأديبة ومصلحة اجتماعية، بالإضافة إلى فعلها الاجتماعي والاقتصادي الموازي لفعل الرجل.
ورصد الباحث اعتناء الأئمة اليعاربة بالمجالس العلمية سواء بالنسبة للرجال أو النساء، كما تحدث عن المنهج الفقهي الذي نهجته العالمة عائشة بنت راشد الريامية البَهلوية وعن مشاركتها السياسية.
وقدمت عزيزة بنت راشد البلوشية ورقة حول المشهد الثقافي في عصر اليعاربة، رصدت من خلالها إلى أهم العلماء والفقهاء الذين عاشوا آبان فترة حكم اليعاربة، واستعرضت تاريخهم وأهم مؤلفاتهم واسهاماتهم الفكرية والسياسية.
الجلسة الثانية
وتطرقت الجلسة الثانية من الندوة إلى الإنتاج الأدبي في عصر اليعاربة، وترأسها الدكتور ناصر بن صالح الكندي رئيس اللجنة الثقافية لفعاليات نزوى عاصمة الثقافة الإسلامية، واستهلت بورقة الدكتور عيسى بن محمد السليماني أستاذ مشارك في النقد الأدبي الحديث بكلية العلوم التطبيقية بنزوى تناول من خلالها النص وأبعاده الدلالية في شعر التحرير عند اليعاربة (الحبسي أنموذجا)، أشار من خلالها إلى أن عمان ممثلة في دولة اليعاربة كان لها دور ريادي في محيطها وبعد محيطها، لكون هذه الدولة كان لها الفضل في تطهير سواحل عمان وإفريقيا من المحتلين البرتغالين وغيرهم، ولذلك خلد الشعراء العمانيون تاريخ تلك الأمجاد، راصدين فتوحاتهم، ومسجلين مآثر قوادهم، وواصفين للأحداث التي يجب أن يقف عليها العماني وغيره بكل تقدير وإجلال.
وقال الباحث، إن هذا النوع من الشعر يستحق الاهتمام والدراسة، لكونه يمس التاريخ والاجتماع والنفس، والثقافة، والهُوية، فهو في النهاية تجربة إنسانية، جاء نتيجة معاناة واحتراق وتفاعل مع الحدث، خاصة كونه يتعلق بمصير عزة الوطن والمواطن. تلك الصور الخالدة التي رصدها شعراء فترة اليعاربة كانت حرية بالدراسة، لكونها سجلت في أبعادها ملامح متعددة منها ما يتعلق بوصف الحرب والمحارب، ومنها ما يرصد البعد التاريخي للمعركة، إذ الربط بين البعد التاريخي والبعد النصي متجسد في ذاتية النص. فقيمة الشعر تبرز في كونه وثيقة من الوثائق المرتبطة بالعصور، في جوانبها التاريخية واللغوية والحضارية.
وأشار الباحث إلى أنه اختار الحبسي أنموذجا لشعراء الفتوحات العمانيين الذين سجلوا في دواوينهم أحداث هذه الفترة والتي تمثل البعد الدلالي الحربي، متخذا من شعره نموذجا دالا على القضايا التي سيتناولها. محاولا اعتماد مناهج نقدية جديدة تقرأ البعد التصوري الدلالي لشعرية الحرب مثل المنهج النفسي والتاريخي والتحليلي.
وناقش الدكتور خميس بن ماجد الصباري من كلية العلوم والآداب في جامعة نزوى في ورقته التي قدمها البنية الفنية للخطب والمقامات في عصر اليعاربة، ركز من خلالها على تقديم مقاربة عن الرسائل والمقامات في العصر اليعربي، أي رسائل أئمة اليعاربة من أمثال الإمام ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف وسيف بن سلطان اليعاربة، والمقامات التي وصلت إلينا عن علماء وأدباء هذا العصر.
واستقرأ الباحث البنيتين المعنوية واللفظية للرسائل والمقامات، متوسلة بمنهج نقدي يهتم بالنص ذاته، أي ينظر إلى بنية المعاني والأفكار والآراء والثقافات المكونة للنص من هذه الناحية، كما ينظر إلى الجانب التركيبي للألفاظ والجمل والأساليب ومدى ارتباط تلك البنى جميعا بواقع البيئة العمانية، وما عاشته من وقائع وأحداث.
واشار إلى أن النظر لمثل هذا اللون من الأدب النثري الذي ازدهر في عصر الدولة اليعربية له أسبابه ومقوماته، ويعد في- الوقت نفسه- وثيقة تستقرئ بعمق الكلمة التي تعكس طبيعة ذلك العصر الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
بدوره تناول الدكتور فرحات الجعبيري من الجمهورية التونسية لبنية الفنية للرسائل والعهود في عصر اليعاربة (انطلاقا من تحفة الأعيان للسالمي)، لما في هذه المسألة من تشعّب وتعقيد.
وقال الباحث في هذا الشأن: إن متطلّبات البحث تقتضي تجاوز ذلك إلى الاطلاع على فحوى العهود والرّسائل في العهود السّابقة للمساعدة على تبيّن الفوارق البسيطة والجوهريّة بين هذه الرّسائل والعهود ومثيلاتها من عهود عهد النّبوّة والخلفاء الرّاشدين والدّولتين الأمويّة والعبّاسيّة وقد ارتأينا ألّا يقتصر العمل ضرورة على الجوانب البنيويّة فقط لأنّ النّظر في ذلك يقتضي ضرورة التّأمّل في مختلف الدّلالات والمعاني الكامنة في صلب هذه الرّسائل والعهود.

إلى الأعلى