الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تطور منظومة إدارة الأزمات في السلطنة من “جونو” إلى “شابالا”

تطور منظومة إدارة الأزمات في السلطنة من “جونو” إلى “شابالا”

محمد عبد الصادق

” رغم اختبار الطبيعة للسلطنة أكثر من مرة، إلاّ أنها استطاعت اجتياز هذا الاختبار بامتياز بشهادة الجميع؛ بتوفيق من الله ورعايته،وبفضل العناية الكبيرة التي يوليها جلالة السلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ والحكومة الموقرة لبرامج التخطيط والتدريب على إدارة الأزمات،وانعكس هذا الاهتمام على أرض الواقع في الأنواء المناخية التي تعرضت لها السلطنة في السنوات الأخيرة؛”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ربما تكون فترة الثماني سنوات بين “جونو” و “شابالا” ؛ مدة قصيرة في عمر الدول والشعوب،ولكن المتابع للأحداث في سلطنة عمان،سيكتشف التطور الهائل الذي طرأ على أداء الأجهزة والمؤسسات الحكومية والأهلية،المنوط بها إدارة الأزمات ومواجهة الكوارث،وأصبحت هذه الأجهزة على درجة عالية من الاحترافية والمهنية والخبرة المستندة على الدراسة والعلم ـ لتحاكي مثيلاتها في كبريات الدول المتقدمة،ولاحظنا جميعاً كيف أدارت هذه المنظومة مؤخراً أزمة “شابالا” بثقة وكفاءة واقتدار تعدى حدود السلطنة لتقدم خدماتها لدول الجوار،بإصدار البيانات الدقيقة والمعلومات الموثقة على مدار الساعة؛ والتنبؤ بمسار الإعصار وسرعته واتجاهه وتأثيراته على المنطقة.
وكعهد السلطنة في التعاطي مع المواقف الإنسانية،ومد يد العون للأشقاء استجابت هيئة الطيران المدني لاستغاثة أحد المواطنين اليمنيين عبر موقع “تويتر” الذي طلب المساعدة في مواجهة الإعصار الذي ضرب المناطق الغربية من الجمهورية اليمنية،وقدمت الأرصاد العمانية تغطية شاملة على مدار الساعة للحالة الجوية وتأثيراتها على مناطق السلطنة والأراضي اليمنية في نفس الوقت كما أصدر جلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ أوامره بإرسال مساعدات غذائية ومستلزمات إغاثية للأشقاء اليمنيين في المناطق التي تضررت للتخفيف من آثار “شابالا”.
وتابعنا خلال الأيام الماضية،موجة غير مسبوقة من سوء الأحوال الجوية تعرضت لها عدة دول عربية؛ اجتاحتها السيول والفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة وخلفت عشرات الضحايا والمصابين،وأحدثت خسائر فادحة بالمنازل والمركبات والبنية الأساسية في ظاهرة جديدة من الكوارث الطبيعية لم تعهدها المنطقة العربية من قبل،ومع تسليمنا المطلق بقضاء الله وقدره،ولكن من الواجب اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة مثل هذه الأزمات،وحشد الجهود في حال وقوع الأزمة لمحاولة التخفيف من آثارها إلى أقصى درجة ممكنة،والعمل الوقائي قبل قدومها لمنع تحولها إلى كارثة؛ بتقليل الأضرار البشرية والمادية إلى أقصى درجة ممكنة،ولن يتأتى هذا إلاً بوجود منظومة متكاملة لإدارة الأزمات قائمة على العلم والتخطيط والإدارة الرشيدة وتسخير كافة أجهزة الدولة للتعامل مع الأزمات حتى انتهائها بأقل الخسائر،وتدريب كوادر بشرية كفؤة قادرة على مواجهة الكوارث والتعامل مع الأزمات.
ورغم اختبار الطبيعة للسلطنة أكثر من مرة،إلاّ أنها استطاعت اجتياز هذا الاختبار بامتياز بشهادة الجميع؛ بتوفيق من الله ورعايته،وبفضل العناية الكبيرة التي يوليها جلالة السلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ والحكومة الموقرة لبرامج التخطيط والتدريب على إدارة الأزمات،وانعكس هذا الاهتمام على أرض الواقع في الأنواء المناخية التي تعرضت لها السلطنة في السنوات الأخيرة؛ بداية من “جونو” الذي زار السلطنة في 5 يونيو 2007م ،واستعدت السلطنة له في ذلك الوقت بإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أيام،ورغم شراسة وسرعة الإعصار استطاعت الأرصاد العمانية التنبؤ بموعده ورصد مساره،وتم قبل وصوله إخلاء سكان المناطق الساحلية المنخفضة وتحديداً سكان جزيرة مصيرة بمساعدة فرق الجيش السلطاني العماني وشرطة عمان السلطانية وقوات الدفاع المدني،ونقلهم إلى أماكن آمنة في المدارس ومراكز الإيواء التي تم تجهيزها وإمدادها بكافة وسائل الإعاشة والخدمات الضرورية،كما تم إغلاق ميناء الفحل المخصص لتصدير النفط ،وإغلاق محطة صور للغاز المسال لمدة 48ساعة،وكذلك إغلاق ميناء السلطان قابوس المخصص في ذلك الوقت لتداول المركبات والحاويات.
وفي إطار خطة إدارة الأزمة تم إغلاق مطار مسقط الدولي لفترة وجيزة لم تؤثر على الملاحة الجوية،حتى انتهاء الحالة الجوية،ولم يستدع الأمر توقف الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز،والتزم أغلب سكان المناطق المتضررة بالتعليمات الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية،والتي كانت تصل عن طريق وسائل الإعلام التقليدية : الصحف والإذاعة والتليفزيون،قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع “الإنترنت”.
ورغم انقطاع الكهرباء عن بعض المناطق وتأثر إمدادات مياه الشرب جراء توقف عمل بعض محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه التي ضربها “جونو” ،وتضررت مناطق سكنية عديدة؛ وتسببت غزارة الأمطار وقوة الرياح في غرق مجمعات تجارية وتحطيم جسور وإغلاق العديد من الطرق وكسر أسفلت العديد من الشوارع،وتكاتفت الجهود الحكومية والأهلية لمواجهة “جونو” وشاهدنا انتشاراً مكثفاً لقوات الجيش والشرطة وفرق الإطفاء والإنقاذ والحماية المدنية وفرق الصيانة،التي هرعت لنجدة المواطنين والمقيمين في المناطق المتضررة خلال فترة الأزمة.
وتلاحم المواطنون في الأماكن التي لم تتأثر بالإعصار مع إخوانهم في المناطق المتضررة وأنشأوا مراكز لجمع التبرعات للمتضررين وأرسلوا قوافل المساعدات التي حملت المواد الغذائية والخيام والمستلزمات الطبية،وأرسلت المناطق والمحافظات فرقاً من الفنيين لإصلاح خطوط الكهرباء والمياه وشبكة الاتصالات بمسقط والمناطق المتأثرة،كما أرسلت المعدات والشاحنات لدعم جهود إزالة الأضرار والمخلفات في الأماكن المتضررة،كما تبرع العديد من الشركات والمصانع العامة والخاصة لصالح جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.
النجاح في إدارة أزمة “جونو” قلل إلى حد بعيد الأضرار البشرية،واستطاعت السلطنة التعامل مع الأضرار التي أصابت البنية التحتية،فلم تمر أيام قليلة على الأزمة إلاّ ودعا جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ لاجتماع طارئ لمجلس الوزراء وأمر بتشكيل لجنتين لاحتواء آثار “جونو”،الأولى لفحص المنازل والمباني المتضررة والثانية لإصلاح البنية الأساسية من طرق وجسور ومحطات كهرباء ومياه التي تضررت،وتم تخصيص ميزانيات فورية لتنفيذ خطة الإنقاذ،ورفضت السلطنة قبول أية مساعدات عربية أو إقليمية أو دولية ،وأصرت على الاعتماد على سواعد أبنائها،وشاهدنا شوارع مسقط والمناطق المحيطة تتحول لخلية نحل لإزالة آثار “جونو” ،وبدأت ملحمة إعادة البناء،حتى عادت مسقط والقرى والمدن التي تضررت،إلى أحسن مما كانت عليه.
وجاء “شابالا”،وكانت محافظتا ظفار والوسطى على موعد هذه المرة مع رد الجميل،فمثلما هرعت المحافظتان لنجدة المناطق المتضررة من محنة “جونو”،تضافرت الجهود الحكومية والأهلية؛ لمواجهة “شابالا”،وظهر جلياً التطور الكبير الذي حققته منظومة إدارة الأزمات بالسلطنة،بالاستفادة من خدمات “المركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة” المزود بأحدث أجهزة الرصد والتنبؤ عبر الأقمار الاصطناعية والذي يعتمد على نماذج عالمية متطورة للإنذار المبكر بدقة عالية لرصد الأعاصير والعواصف الجوية،ويمكنه إعداد الخرائط الرقمية لأحوال الطقس وتحديث البيانات بدقة متناهية على مدار الساعة،فضلاً عن تقييم وسائل الحماية وتقديم التوعية للمواطنين للتعامل مع الحالات الجوية.

إلى الأعلى