الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : شواهد حية مقرونة بالبراهين

رأي الوطن : شواهد حية مقرونة بالبراهين

في الأزمة السورية لم يعد من بضاعة بائرة أكثر من حديث الغرب ـ الذي يقود حروبه الظالمة على المنطقة ـ عن مروحة القيم والمبادئ والأخلاق وحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات بمختلف أنواعها، ذلك أن واقع الأزمة السورية ودوائر الملفات العربية من حولها تعمق القناعة بأن هذا الغرب يعيش ما هو أبعد من اشتباكات سياسية تحركها المصالح لتنحشر في زاوية أزمة قيم وأخلاق، تفوح من دهاليز صنع القرار السياسي لديه الروائح الكريهة الناتجة من تعفن تلك المبادئ الإنسانية، حالها كحال معلبات منتهية الصلاحية على الإطلاق مهما حاول إضافة المواد الحافظة أو العناصر المزيلة لروائحه العفنة، تبقى عبارة عن سموم يتم تصديرها إلى بلدان المنطقة وتسويقها على أنها طعوم ضد الفساد والظلم والاستبداد واحتكار السلطة.
وليس هناك واقع معاش يفضح الأزمة الأخلاقية للدول الغربية التي بنت سياساتها على الاستعمار واستعباد الشعوب ونهب ثرواتها أكثر من مجتمعاتنا العربية. والحديث عن ذلك ليس من وحي الخيال أو هدفه النيل من تلك الدول الغربية ومواقفها، وابتداع تهم خارج سياق الحقيقة والواقع والتجني عليها، وإنما الشواهد الحية التي يكتظ بها المشهد العربي هي التي تتحدث عن ذلك مقرونة بالأدلة والبراهين والصور، من فلسطين إلى العراق إلى سوريا إلى ليبيا إلى اليمن إلى السودان وغيرها؛ ولذلك لم تكن التقارير الصادرة عن المنظمات الرسمية وغير الرسمية ومنها تلك التابعة لتلك الدول الغربية سوى أدلة إضافية على السياسات الغربية الكارثية التي لا يزال المواطن العربي وخاصة الطفل العربي يدفع فاتورتها.
وإذا كنا نتحدث منذ الأمس وإلى اليوم عن أن العراق وحده خسر ولا يزال يخسر ملايين من أطفاله وأشباله وشبابه، سواء كان ذلك عبر العقوبات الاقتصادية الظالمة التي سبقت الغزو، أو أثناء الاحتلال الأنجلو ـ أميركي وبعده، ويلي العراق ليبيا التي استقبلت أطنانًا من القنابل وصواريخ الكروز الأميركية والأطلسية محملة بطعوم/سموم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، فإن الحديث ينتقل إلى فاتورة سورية إضافية بثمن باهظ جدًّا يعمل الغرب على إلزام جيل سوري بكامله إن لم يكن أجيالًا بدفعها. فحسب منظمة هيومان رايتس ووتش “الأميركية” فإن أكثر من 400 ألف طفل من اللاجئين السوريين في تركيا محرومون من التعليم بسبب عدم إتقانهم اللغة التركية بشكل خاص، ما يدفع الكثيرين منهم إلى الهجرة إلى أوروبا. وفي تقرير من 61 صفحة نشر أمس حضت هذه المنظمة غير الحكومية الحكومة التركية وشركاءها الدوليين على بذل جهود سريعة لزيادة نسبة التعليم لدى الأطفال السوريين. وقالت ستيفاني جي التي شاركت في إعداد التقرير “إن عدم تأمين التعليم للأطفال السوريين يعرض جيلًا كاملًا لمخاطر كبرى”. وطبعًا إذا كان هذا وضع الطفل السوري في تركيا وحدها، فكيف يكون الحال في الأردن ولبنان وأوروبا التي هجروا إليها قسرًا وبفعل فاعل لإفراغ سوريا من ثقلها السكاني، وحرمانها من طاقات شبابها، وكوادرها المتعلمة والمهنية؟ فضلًا عن سياسة التغريب وسلب الهوية والسلخ عن الوطن.
والمثير للسخرية المريرة، أن كل هذه الموبقات يتم تغطيتها بأكثر من غطاء كاذب، وأخطرها هو دعم الإرهاب تحت لافتة دعم “المعارضة المعتدلة”، وأكثرها انحطاطًا هو الزعم بـ”مساعدة الشعب السوري”، والتناقض الفج بين الدعم والزعم مع الواقع وحده كفيل بتبيان حجم الجريمة والمؤامرة التي لا تستهدف سوريا وحدها وإنما الدول العربية الفاعلة والتي تقف على مسافة كبيرة من السياسات الغربية الموالية والداعمة للسياسة الإسرائيلية ومشروع الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة.

إلى الأعلى