الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب: ترميم الذات

رحاب: ترميم الذات

ينتظر زميلي مسعود منذ أكثر من عشرين عاما لكي يعيد تشكيل حياته ويحقق أمنياته ويتخلص من ديونه ويوفر مالا وينضم إلى طبقة التجار. لكنه لم يقم بأية خطوة تدعم تطلعاته وتضع أمنياته على منصة الإنطلاق. وفضلا عن ذلك، بدأ مرحلة ما بعد الأربعين سنة من حياته، صار وزنه أعلى من المعدل الطبيعي بحوالي ثلاثين كيلوجرام، و قد اتخذ خطوة عملية فالتحق ببرنامج لتخفيف الوزن واكتساب جسم رشيق لكنه لم يقدم على أية خطوة عملية باتجاه ذلك، بعد أن سدد مبلغ يفوق المائتين ريالا لأحد مراكز التخسيس، بالإضافة إلى ذلك فهو يريد أن أن يكمل تعليمه الجامعي لعله يستطيع تغيير مهنته التي لا يحبها، ولكنه ينتظر الظروف المالية حتى تتحسن. وهو يسهر كل يوم برفقة زملائه في أحد المطاعم وفي أجازة نهاية الأسبوع يهرب بمعية أصحابه إلى الجبال والبوادي ويعود مساء يوم السبت منهكا ومغتما ليستأنف دوامه يوم الأحد وهو يجتر مشاعر الذنب والإحباط. ناهيك عن ذلك فهو مشغول بشؤون القبيلة جدا، ويتتبع أخبار شيوخها وجهودهم للإستحواذ على أدوار قيادية بين افرادها، ويشعر بالدونية إزاء أولئك الذين يحركون شؤون القبيلة يمينا وشمالا ويسعون للتأثير في اتجاهات واهتمامات أبنائها. وطبعا يستميت دفاعا إلى درجة الغضب منافحا ومدافعا عن قبيلته في اللقاءات العامة ومناسباتها، اكتسى رأسه الشيب، وبدأت علامات الكهولة تحفر أخاديدها على محياه، وصار عصبيا جدا ويدخن بشراهة. طلب مني مسعود متهكما أن أساعده، فابتسمت له دون أن أعلّق، فهو مفتي في كل شيء؛ في القبيلة والسياسة والإقتصاد والزواج والتجارة. وبدلا من أن أستبصر له وأعطيه حلولا طلبت منه أن يستشير صديقنا حامد الذي يصغره بسنوات، والذي استطاع أن يبني بيته وأن يحصل على درجة ماجستير في مجال عمله، وهو يصعد في السلم الوظيفي باقتدار، واستطاع أن يبني سمعة مهنية واجتماعية مهمة، حتى أن عشيرته طلبت منه أكثر من مرة أن يترشح لعضوية مجلس الشورى لكنه اعتذر بتواضع بعد أن شكر أصحاب الفكرة، فهو يكفيه ما يُركز عليه، وحسبه أن ينفذ مجالات خطته التي رسمها بكفاءة عالية منذ أن كان طالبا في المرحلة الثانوية. ها هو الآن يحصد نتائجها ويستمتع بإنجازاته التي حققها. وذكرت له أن حامد هو خير من يستطيع مساعدته، فهو ابن بيئته وابن جلدته وطبقته ومن أبناء عشيرته الأقربين. لكن رأيه في حامد لم يحفزه لطلب النصيحة منه، فهو يعتبره كالرجل الآلي(روبوت) في عاداته وأسلوب حياته، ولم أجد اللغة التي يفهما زميلي لكي اقول له بأنه هو أيضا ( روبوت) بطريقة مختلفة، كالكمبيوتر الذي فقد سرعته وذاكرته. وأن كل إنسان هو عبارة عن سلسلة عادات النجاح أو الفشل، و السعادة أو الشقاء.
منذ يومين رأيت مسعود وهو يخرج من القوى العاملة، وبادرني بأنه استطاع أن يحصل على سجل تجاري وهو الآن في اجراءات استقدام عمالة وافدة، وعادت بي الذاكرة بعيدا إلى عشرين عاما مضت يوم أسس مع مجموعة من الزملاء شركة في أعمال الصيانة والترميم ولكنها أغلقت قبل أن تكمل العام الأول، لأنه أسسها بناء على نصائح بعض الأشخاص الذين زينوا له فكرة المشروع، وأخبروه أن بيوت صلاله المتهالكة تتطلب وجود شركة تقوم بأعمال الصيانة وإعادة التشييد، وبالرغم من جهله التام بأعمال البناء، فقد خاطر باستلاف مبلغ من المال وبدأ المشروع الذي أكل منه المال والجهد والروح المعنوية وتركه متخبطا بعد أن خسر ماله الذي اقترضه.
عندما أشفقت على زميلي مسعود نصحته بأن يلزم بيته لمدة ستة شهور كاملة وأن يتجنب الخروج والضوضاء والضجيج وأن يدرب نفسه على الصمت والتأمل وأداء العبادات والاستغفار، لعله يكتسب مهارة التركيز، ومراجعة الذات وترميم ما أفسد الدهر.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى