الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : الطائرة الروسية .. لماذا الإصرار على العمل الإرهابي؟

شراع : الطائرة الروسية .. لماذا الإصرار على العمل الإرهابي؟

خميس التوبي

حين سألني أحد الأصدقاء على خلفية إعلان تنظيم “داعش” الإرهابي استهدافه الطائرة الروسية في سيناء المصرية التي راح ضحيتها 224 راكبًا على متنها: لماذا لا يستهدف التنظيم الإرهابي مصالح أو طائرات أميركية أو بريطانية أو فرنسية أو إسرائيلية أو…؟ أجبته بأن استهداف مصالح روسيا الاتحادية بعد تدخلها العسكري ضد تنظيمات الإرهاب بما فيها ذراعا تنظيم القاعدة “داعش والنصرة” في سوريا، وإسقاطها أقنعة كذب التحالف الستيني بمحاربة “داعش”، هو الوجه الآخر للحقيقة الثابتة بأن الإرهاب هو صناعة غربية استعمارية بامتياز تكفلت القوى الرجعية والظلامية في المنطقة بدعم تنظيماته بالأموال والسلاح، مجندة في سبيل ذلك ضالين ومضلين محسوبين على الإسلام والعروبة، وعلى الوعظ الإرشاد والفتوى للتحريض والتشويه وغسل الأدمغة وحشوها بأفكار رجعية مأفونة ومتطرفة ومخالفة للفطرة السليمة.
لقد راهن الغرب الاستعماري الإمبريالي وبقواه الرجعية والظلامية في المنطقة على الإرهاب بشتى تنظيماته وعصاباته لتحقيق أجندته الاستعمارية في المنطقة في العراق وليبيا وسوريا التي استعصت عليه، فإذا به يفاجأ بالقوة الروسية الجبارة تضاعف حالة الاستعصاء، الأمر الذي يعني ضياع المشروع بأكمله وهو مشروع ما يسمى “الشرق الأوسط الكبير”. والدليل على ثبوت ما راهن عليه من إرهاب هو رفضه أي شكل من أشكال الحل السياسي للأزمة في سوريا، بل إنه وقف بالضد والند لأي خطوة نحو الحل السياسي وتقضي على الخيار الإرهابي، فلم تكن العقوبات الاقتصادية الظالمة على سوريا ومنع سفر المسؤولين السوريين وتجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، وإفشال دور بعثة المراقبين العرب، وإحباط خطط الحل السياسي وبخاصة خطة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، وإثارة الخلافات الشكلية حول مضمون بيان مؤتمر جنيف، والدعوة إلى فتح صنابير الأموال لتمويل صفقات السلاح لدعم الإرهاب، وفتح الحدود للتكفيريين والإرهابيين والظلاميين وإطلاق ذوي السوابق في الإجرام من السجون والزج بهم في سوريا، وإطلاق ماكينات الإعلام للتحريض والتشويه وإثارة الفتن، واستهداف المراكز والمنشآت العسكرية والأمنية، وتدمير المصانع وتفكيك آلاتها، لم يكن ذلك وغيره سوى الوجه الآخر من الحقيقة الثابتة وهي تدمير سوريا وتفتيتها وتقسيمها إلى كانتونات طائفية متناحرة؛ فما يحصل في شأن الحديث عن الحل السياسي للأزمة السورية هو مشابه تمامًا لما يحصل على أرض فلسطين والحديث عن مفاوضات السلام، في لعبة مط الوقت واستغلال عامل الزمن في عملية الاستنزاف والتدمير والقضم والهضم للأرض، ولا غرابة في ذلك، فالمايسترو الذي يقود هذه العملية واحد ألا وهو كيان الاحتلال الصهيوني.
السؤال الذي يطرح ذاته هنا هو: إن من عطل مؤامرة استنزاف سوريا وتدميرها هو روسيا الاتحادية ونسفت بذلك مشروع ما يسمى الشرق الأوسط الكبير، فلماذا عملية استهداف المصالح جاءت مزدوجة وموجهة ضد كل من روسيا ومصر؟
لا شك أن الاستهداف يتجاوز حدود العمل الإرهابي الذي قد حصل ويحصل في أي آنٍ ومكان، إلى ما هو أبعد من ذلك، بدليل مسارعة أجهزة استخبارات مثلث الاستعمار القديم ـ الجديد (أميركا، بريطانيا، فرنسا) إلى نفي الرواية الروسية الأولية عن أن يكون وراء استهداف الطائرة عمل إرهابي، ورفض عدم تسليم موسكو بتبني “داعش” الإرهابي المسؤولية، مستبقة نتائج التحقيق الرسمية. وهذا بدوره يكشف الخيط الرابط بين التنظيم الإرهابي وأجهزة الاستخبارات تلك التي غدت تتحدث عن العمل الإرهابي ضد الطائرة بكل ثقة وإصرار، كما تتحدث عن أدلة بحوزتها، بما يثبت حقيقة أن هذه التنظيمات الإرهابية هي صناعة الاستخبارات الغربية وتدار من قبلها التي أرادت أن تحقق من استهداف الطائرة عدة أهداف منها:
أولًا: ضرب مصر اقتصاديًّا من حيث السياحة وحرمان اقتصادها من هذا المصدر الحيوي، وضربها سياسيًّا بمحاولة إفشال العلاقة المتطورة بين القاهرة وموسكو، وذلك من أجل تركيع مصر وتقزيمها وتقزيم دورها، وتحويلها إلى دولة متسولة تعيش على فتات الموائد والمساعدات مقابل الدور القزمي ولعب دور الدول الصغرى. فالموقف المصري الرافض لأن تكون إحدى نعاج القطيع الذي تسوقه تل أبيب وواشنطن ولندن وباريس ضد سوريا، هو موقف مرفوض. ومن المؤكد أن مصر واعية للنتائج الكارثية والوخيمة التي ستترتب على قبولها سياسة القطيع وهي “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.
ولا ريب أن مصر بموقفها المؤيد لروسيا والرافض لإسقاط الحكومة الشرعية في سوريا، تمثل ثقلًا عربيًّا كبيرًا ومؤثرًا، يضاف إليه الثقل الذي تمثله الجزائر، وهو ما يكسب مزيدًا من الشرعية للعمليات العسكرية والقوة والثقة، في مواجهة قوى التخلف والرجعية والعمالة.
ثانيًا: محاولة التأثير على المزاج الشعبي الروسي العام المؤيد بقوة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، لبناء موقف معارض ومطالب بإيقاف العمليات العسكرية ضد العصابات الإرهابية، من زاوية أن المواطن الروسي أصبح في مرمى تلك العصابات ليس خارج روسيا وإنما قد يكون داخلها.
ثالثًا: إرسال رسالة تهديد واضحة لكل من يقف في وجه الإرهاب المنظم والمدعوم غربيًّا وإقليميًّا في سوريا والعراق وليبيا، بأنه سيكون هدفًا ومصالحه مستهدفة.
في الختام، بغض النظر عن أن الطائرة الروسية سقطت أو أسقطت، فإن تبادل الأدوار والابتزاز السياسي والتجفيف الاقتصادي والتخويف الشعبي الذي تمارسه عواصم الاستعمار القديم ـ الجديد (لندن، باريس، واشنطن) كفيل بكشف ملابسات كثيرة، ويجب أن يدفع إلى الحزم والحسم وعدم التراجع في ضرب بؤر الإرهاب وعصاباته.

إلى الأعلى