الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / وإلا.. فإلى متى، وإلى أين؟!

وإلا.. فإلى متى، وإلى أين؟!

علي عقلة عرسان

” لن يقدم لنا العالم حلاً يرضي ويدوم، إذا لم نكن نحن جزءاً من حل مقبول نصنعه بمسؤولية وحكمة ووعي، يمكن أن يرضي ويستقر ويدوم. نحن الحل وليس سوانا، وما يفرض علينا ليس الحل، لا من الداخل ولا من الخارج، لأن المفروض هو في نهاية المطاف مرفوض. والحل قبول كل منا للآخر، ورضانا بكل نتائج البلوى التي ابتلينا بها،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أن تدفع الناسَ إلى الحرب، أو إلى عنف دامٍ يدوم وينتشر ويفضي إليها، وإلى موت وتخريب وتدمير وفوضى، لمجرد أنك تريد أن تنتصر على خصم لك، أو تبلغ غاية تبغيها بغير شرعية تحترمها وتراعيها، أو لتحقق مصالح ذاتية، أو لتحافظ على مكاسب ومواقع شخصية، وأخرى ضيقة وتضيق، لجماعات وفئات، على حساب السَّعَة الوطنية والقومية والدينية والإنسانية.. فذاك فعل يدخل عالم الجريمة الموصوفة، من أوسع أبوابها، ويبلغ أبعد آمادها، ويجترح أفظع مجرياتها وصورها وأوصافها.!! وأن تَعْمَد إلى الضد من ذلك، فتدفع الناس إلى الاستكانة، والخنوع، والخوف، والذل، والانصياع للاستبداد والظلم والاستعمار، وإلى التغاضي عن الحرية والحقوق والكرامة، بتخويفهم من رفع الصوت احتجاجاً، ومن خوض أي صراع محدد الأهداف والوسائل، من أجل العدالة، ورفع الظلم، ودفع الضيم، وكبح جماح الطغيان والطغاة، والفاسد والإفساد.. فذاك، إن لم يكن خطة منهجية واعية، ذات أهداف ووسائل وأدوات.. فهو جهل وجبنٌ، أو قصور، أو رأي سقيم، وعجز يفضي إلى فساد الأنفس والذل المقيم.. أو هو، من منظور غير بريئ، تثبيط منهجي مدروس، يدخل في باب التواطؤ والتآمر والخيانة، وينس إلى أفعال ما يسمى ” الطابور الخامس”.. ومن ثم فهو فعل مدان، لا يرقى إلى مستوى الجريمة الموصوفة فقط، بل يدخلها من أوسع أبوابها.
وأمام هذه المعادلة غير العادلة، بطرفيها شبه المتناقضين، من حيث المضمون والهدف والسبيل والوسيلة، والمتقاطعين من حيث النتائج السلبية، لا سيما على المدى البعيد.. أمام هذه المعادلة نحن أمام حالٍ يترجّح بين جموحٍ باغٍ وخنوعٍ طاغٍ، ورأي مدخول أو مشلول، وأمام شكوك سلبية كثيرة، لها ما يسوِّغها. وكل ذاك لا يمكن أن يُقبَل على عجره وبجره، ولا هو مما يبني فرداً ولا شعباً ولا وطناً. وحين نفترض حسن النية، وصلاح الطوية، في من يفعل ذلك أو يدعو إليه، ونضيّق الأمر ونقصره على حال “حاكمٍ، أو حَكَمٍ، أو متمرِّدٍ، أو ثائر، أو إرهابي فاجر.. نجد أننا، وفي حال افتراض حسن النوايا وصلاح الطوايا، أمام نهج غير قويم، وأمام مقامرين ومغامرين، وأمام أشخاص لا يبنون ولا يصلحون قدوة لمن يبنون.. أو أمام إحلال الشخص في غير محله، ووضع الشيئ في غير محلّه، وهو ما أحسن التعبير عنه أبو الطيب المتنبي، لكن في حالٍ أقل شأناً وضرراً مما ذهبنا إليه، وتلك حال تقصُر عما عرضناه فيما افترضناه من حالات: حكم حاكمٍ، أو حلم حليم، أو تصرفٍ سقيم.. وذاك قول أحمد إذ قال:
وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعُلى
مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى
إن وضع الناس في موضع البلاء والفتنة والابتلاء، لا بد له من مسوِّغات ترجح على سواها، بميزان المادة والروح، ولا بد لذلك من منطق وموقف مقنعين، يقبلهما العقل والضمير، ويقبل عليهما المستَهدفون بهما، وهم في الوضع الذي يوضعون فيه، من حيث التكاليف والنتائج والتبعات والانعكاسات عليهم وعلى أجيال هم مسؤولون عنها، وأسر هي عماد المجتمع، ومن ثم الشعب والدولة.. وذاك مطلوب لكي يُقبلوا عليه، ويحمِّلوا أنفسهم المسؤولية عنه، أياً كانت نتائجه.. هذا إذا صحَّ أن الخلق بصورة عامة، يُقبلون على جنون الحرب، إقبالهم على فتون السلم، ويختارون بحرية قبل أن يتبينوا المدى والمسؤولية.!!
نحن في أتون الفتنة/الحرب، من دون استشارة، أو اختيار، أو رأي، أو قرار، ومن دون بشارة من نوع أيضاً، سوى بالهلاك والإهلاك إن كانت تلك بشارة!!.. إننا نلعق الجراح، وندفع التكاليف، ونتحمّل التبعات، ونشقى، ونبتلع الأوهام، أو نُجبر على ابتلاعها.. وفي كل المسارات التي نسلكها: نُنهَر أو نُكسَر أو نُحرَم، أو نُخرَم برصاص حي، إذ نؤمر بالهرولة إلى القبور، فنصرخ ونخور من دون أن يُسمَح لنا بأن نلتفت أو نحور. وفي الفضاء أمامنا، في الفضاء الفسيح الذي نبصره أو نتوهم أننا نبصره، يحلق طائرٌ أبلق، أبهق، أحمر، أخضر، أصفر.. يتلون بلون الوقت والحدث.. يُسمى ” النصر”، يرفرف بجناحين عريضين في المدى، ويمر فوق النار التي علينا أن نعبرها جمرة جمرة، وزفرة زفرة، وهناك في العبور، نَحرِق ونَحترِق، وتشتعل بنا وبسببنا الحرائق في الشعب كله، والوطن كله، والدين كله.!! أما ذاك الطائر العملاق المتعالي، فيمضي إلى الأمام، غرداً يزهو وينشط، ويعبر المدى العالي، من نار إلى نار، ونحن خلفه زحفاً بعد زحف، من النار إلى النار، ومن العار إلى العار، إذ لا مجد لمن يدمر وطنه وشعبه.. وقد دمرنا وطننا، وأشقينا شعبنا، وعدنا إلى عصر الفتيل والسِّراج، والحطب وموقد النار، وإلى ما عهود الاستعمار، والترحل بلا استقرار، وإلى فقدان الاستقلال والسيادة والإرادة والقرار، وأفرحنا عدوّنا الصهيوني المحتل فرحاً ما بعده فرح. أما الغاية فخمّن كما تشاء، وحين تعجز ستجد نفسك أمام واقع قد يتجلى لك، بعد طول الوهم والتوهم، على أنه الحقيقة الوحيدة التي تلطمك!! ستجد نفسك أمام بشرٍ يسوقهم أعداؤهم إلى حتوفهم، ويمزقون أوطانهم وصفوفهم، ويوهمونهم بأنهم ليس فقط على حق، بل هم الحق.. فتراهم يتهلَّلون ويهلِّلون، ويمخرون عباب الدم والموت: الحرائق من خلفهم، والدم يسيل من أجسامهم، والقبور أمامهم، والفضاء من حولهم يضج بنحيب أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم وبناتهم وأطفالهم.. وهم يهتفون ويهتفون ويهتفون، ويدخلون متاهات التاريخ أرقاماً بلا أسماء.. ؟!.. فيقشعر بدنُك مما ترى وتسمع، ويضيق صدرُك، فيصَّعَّد نفسُك حرجاً، وتضيق روحك بالعيش أو تكاد، لولا بقية من رماد، وبقايا ثِماد، تطمع في أن يتحول إلى ولادة، وقيام من حريق.
منهك للعقل والضمير الحي، ومجافٍ لكل منطق، ومناقض لمفاهيم العدالة، والحرية، والديمقراطية، ولكل القيم الإنسانية، وللشرائع السماوية، والتشريعات والقوانين البشرية السليمة.. أن يزج أفراد قلة بشعب أو شعوب، بوطن أو بأوطان.. في حروب مدمرة، ولا يكون للناس الذين يخسرون أنفسهم، وأهليهم، وممتلكاتهم، ومقومات أمنهم وحياتهم ووجودهم في تلك الحروب، أي رأي، أو قرار.. وألا يُسمع لهم صوت، وأن يساقوا إلى النار والعار سوق الأنعام.؟! حدث ويحدث ذلك، وكأن نفراً من الناس يحق لهم أن يلعبوا بمصائر العباد والبلاد، كما يلعب المقامر بورق اللعب، مع ضمان أنه إذا خسر فسيدفع الذين يلعب بمصائرهم كل الفواتير، وسيدفعها أبناؤهم من بعدهم، جيلاً بعد جيل.
مرعب عالم من هذا النوع، هو عالمنا الفاسد اليوم! ومرعب بصورة أفظع وأشد وأوجع، تواطؤ أقوياء، من هذه الأصناف البشرية، بعضهم مع بعض.. ويضاف ذلك الرعب هوامش بشرية، هي أهداب خُرج، ترف مع الرِّكاب، ويعلوا صوتها إذ تزود وتزين بأجراس، حيث تصدح بمدح المجرمين، وتمجد اللاعبين المقامرين الذين يعبثون بدم البشر ومصائرهم.
نسأل: كيف يصبح أفرادٌ من البشر “طغاةً، بغاةً، عتاةً”، يعبثون بالناس، وبكل مقدس في حياة الناس، من دون أن يحسبوا حساباً للناس؟! وكيف تنقاد لهم الرقاب، ويُستساغ منهم، أو ما يتم بأوامرهم، أو على أيديهم، وأيدي زبانيتهم، ما يعملون، ومنه الحرب والعذاب والإرهاب؟! فيحيلنا العقل، وتحيلنا التجارب، والوقائع، والتواريخ، والحروب، والرموز التي أصبحت للشعوب، نتيجة الحكومات الطغيانية، والحروب العدوانية، والفتن الدينية والمذهبية، والهيجانات الجنونية، والممارسات المجافية للأخلاق والقيم.. يحيلنا كل ذلك إلى تكوين يلعب دوراً، وبيئة تلعب دوراً، وانتهازيين ومريدين ووصوليين يلعبون دوراً، وإلى طبالين، وزمارين، وهتّافين، وملمِّعين، ومنتفعين، يلعبون دوراً.. وإلى أدوات يصنعها الطغاة، تأتمر بأوامرهم، وتتقرب إليهم لترتفع على يديهم، فتقوم بما تراه يزينهم بنظر الأعلى، ويقربهم إليه زُلفى، ويجعلهم منه على قاب قوسين أو أدنى، ويحفظ لهم مكانة، وما هم عليه من حال يضفيها الرضا، وإتيان ما لا يجوز أن يؤتى، لكي نالوا الرضا والحظوة.. ومن ثم فإنك تصل إلى أن ذلك بفعل بعض الناس!! فلو أن كلمة الحق تقال، وينصرها نساء ورجال، ولو أن الأمور التربوية والدينية تستقيم، والعدل يقوم على قدم وساق، وحياة الناس وكرامتهم وحريتهم وحقوقهم.. تُصان، وتؤخذ بمقياس دقيق وحساس، ويحافظ عليها الناس ويرفعون صوتاً، ويلوح بيدٍ حين تُمس.. لكلان الأمر على غير هذا الحال، أو لقل الاستخفاف بحياة الكتلة الكبيرة من الناس، وبوجودهم ودورهم.. ويبقى من تلك الأسباب والمعطيات والمكونات ما يخفى، وما يعلم بعد وقت، مما لا يستطيع المرء الإلمام به، إذ الخفايا أكثر من الظاهرات في حياة البغاة والمغامرين والطغاة، وذلك في تكوينهم وتعويمهم، وإرسالهم على ضعفاء الخلق بُزاة.
ونار الحرب، مثل نار الفساد، والقهر، والجوع، والمرض، والظلم، والشر، التي تُستنبَت في الحرب، وتستشري في ظروف الحرب.. تلك النار وأضرابها تأكل البشر، والشجر، والحجر.. تأكل الماضي، والحاضر، والمستقبل.. وتلتهم التراث والحضارة.. وتفتك بالأفراد والمجتمع، بالإنفس والأخلاق، بالتربية والتعليم والعلم، وبكل ما يتعلق بالخيِّر والبنّاء والوضَّاء في حياة الناس.. فإلى متى، وإلى أين.. إلى متى، وإلى أين.؟! هذا إذا جاز للناس، أن يسألوا عن مصيرهم ووطنهم، على مسمع ممن يتحكمون بمصائر الناس.؟! في الأفق أجوبة ليست هي الأجوبة، الحلول.. وفي الأفق المنظور طلول تتراكم فوق طلول، ابتداء من طلول دمار القصف والمعارك في مختلف الساحات، وانتهاء بطلول دمار المبادرات، والقرارات، والبيانات، والمقاربات، والمصالحات. نحن نقرأ الواقع ونعيشه.. نحن أمام الأموات، والجرحى، والمعوقين، والثكالى، والأيامى، واليتامى، و.. وأمام المخيات التي سيكتسحها البرد والمطر والثلج، وتجرفها العواصف والفيضانات من جديد.. أمام النازحين، واللاجئين، والمغامرين بأرواحهم فوق أمواج البحر هرباً من ماذا؟ كلٌ يطيب له سب بل أسباب، والنتيجة واحدة: معاناة وذل وغياب. فإلى متى؟!
هانحن.. من جنيف إلى فيينا، ومن عنان، إلى الإبراهيمي، إلى ديمستورا، إلى.. إلى.. وما زلنا في الدم والدمار، ونخسر أكثر فأكثر.
لن يقدم لنا العالم حلاً يرضي ويدوم، إذا لم نكن نحن جزءاً من حل مقبول نصنعه بمسؤلية وحكمة ووعي، يمكن أن يرضي ويستقر ويدوم. نحن الحل وليس سوانا، وما يفرض علينا ليس الحل، لا من الداخل ولا من الخارج، لأن المفروض هو في نهاية المطاف مرفوض. والحل قبول كل منا للآخر، ورضانا بكل نتائج البلوى التي ابتلينا بها، وبأن نقر أن نكون.. وإقبالنا على بعضنا بعضاً برح مختلفة عما كان، وعما هو قائم الآن، ورضانا بمعطيات مختلفة، وتوجهات مختلفة، نتوافق عليها، بحكم الأمر الواقع، ولا يمليها علينا تجار السياسة والدخولون بأية أمراض من أي نوع. نحن الحل، لن نعود كما كنا، ولكن علينا أن نختار أن نكون كما ينبغي علينا أن نكون، بواقعية ونتيجة أوضاع نعرفها، وأثمان دفعناها، وقراءات للواقع لا يجوز أن يمليها علينا من دمروا كل شيئ، وأوصلونا إلى هذا الحضيض، الذي هو هذا الواقع الذي نعيشه. وربما كان، وصار، وأصبح من الممكن، أن يقرأ كل معنيٍّ منا حقائق الواقع بوعي ومسؤولية، وأن يعرف أو يستنتج، أن الحال ينبغي أن يتغير، بما يضمن لكل سوري: وطناً، وأمناً، وكرامة، وحقوقاً، وحضوراً في وطنه، ومشاركة في بناء وطنه. أما الذين صنعوا بالوطن والشعب ما صنعوا، وأوصلونا إلى ما نحن فيه من حال، فعليهم أن يكتفوا بذلك، وأن يتحملوا مسؤولية ذلك. ولهم حق بالعدل، ولهم في الوطن ما يعطيهم إياه العدل.
لقد آن لنا أن نستقر في وطن يقيمه العدل ويحكمه الشعب بإرادة يجسدها الدستور وترعاها القوانين، وآن أن يستقر الشعب في وطنه بكرامة، لكي يبني، وينتقل من عصر الفتيل والسِّراج، عصر الحطب والموقد، عصر الكراهية والدم.. الذي نعيش فيه، ونجتره.. إلى عصر الناس الذين يعيشون في أنحاء المعمورة، في هذا الزمن، بشيء من الكرامة والحرية، والتقدم بأشكاله، وبأمن من جوع وخوف.
وإلا فإلى متى، وإلى أين.؟!

إلى الأعلى