الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بريطانيا والإخوان

بريطانيا والإخوان

” قبل نحو ستة أعوام، كتبت في هذه الصفحة مقالا عن تحول لندن إلى ملاذ آمن لكبار اللصوص والمجرمين من أنحاء العالم. وهذا أمر واضح لما لديهم من أموال يحتاجون إلى مركز مالي واستشاري كحي المال والأعمال في العاصمة البريطانية لتسهيل إدارة ثرواتهم الحرام. أما في حالة الإخوان وجماعاتهم الإرهابية، فإنهم يأتون إلى بريطانيا إما بحجة اللجوء السياسي (وإن لم يمنحوه ويظلون لسنوات في قضايا أمام المحاكم) أو ما شابه. ”
ـــــــــــــــــــــــ
منذ عقود طويلة، وبريطانيا مقصد رئيسي لجماعات ما تسمى “الإسلام السياسي”. وربما لا غرابة في ذلك فقد ساهم الاحتلال البريطاني في مصر مطلع القرن الماضي في تأسيس تنظيم الإخوان الذي خرجت من عباءته كل التنظيمات الإرهابية، من الجماعة الإسلامية المسلحة إلى القاعدة وداعش وأمثالهما. ويسبق ذلك فورة الإرهاب في العالم بعد 11/9 عام 2001 فأغلب رموز الجماعات المسلحة المتسربلة بالدين التي فرت من بلادها بعد ارتكاب جرائم قتل وتفجير وتدمير ولجأت إلى عواصم أوروبية انتهى بها المطاف في بريطانيا. بل إن بعضهم ما زال يعيش حتى الآن من أموال دافعي الضرائب البريطانيين في بيوت قد لا يستطيع الموظف البريطاني المتوسط تحمل ايجارها. حتى بعض من أصبحوا مطلوبين للقضاء الأميركي في قضايا إرهاب من بين هؤلاء ظلوا لفترة يستخدمون القضاء البريطاني في تعطيل تسليمهم، إلى أن حسمت قضايا بعضهم وسلموا لواشنطن.
قبل نحو ستة أعوام، كتبت في هذه الصفحة مقالا عن تحول لندن إلى ملاذ آمن لكبار اللصوص والمجرمين من أنحاء العالم. وهذا أمر واضح لما لديهم من أموال يحتاجون إلى مركز مالي واستشاري كحي المال والأعمال في العاصمة البريطانية لتسهيل إدارة ثرواتهم الحرام. أما في حالة الإخوان وجماعاتهم الإرهابية، فإنهم يأتون إلى بريطانيا إما بحجة اللجوء السياسي (وإن لم يمنحوه ويظلون لسنوات في قضايا أمام المحاكم) أو ما شابه. ربما يتيح القانون البريطاني ذلك، وربما يمكن استغلال مواثيق حقوق الإنسان لمواجهة طلبات التسليم، لكن لا شك أن لبريطانيا مصلحة تتجاوز كل ذلك في الابقاء على هؤلاء عندها. المصلحة المباشرة تتمثل في أموال هؤلاء، كما حدث مع بارونات توظيف الأموال في مصر في القرن الماضي (وكانوا رموزا مدعومين من الإخوان وشخصيات مماثلة) الذين سبقتهم اموالهم الهائلة إلى لندن.
ومنذ بدأ الصراع المسلح في سوريا وبريطانيا هي مركز انطلاق الجهد الإخواني (رغم أن التسليح والتجنيد يمر عبر تركيا وغيرها من الدول المجاورة لسوريا) وأصبح ثقل قيادات إخوان سوريا الحاسم مع أن السويد هي ملاذ إخوان سوريا الأكبر منذ الثمانينات. ومع إزاحة حكم الإخوان في مصر أصبحت بريطانيا مركز ثقل لهم ـ ربما أكثر من دول عربية واقليمية تؤوي أعدادا كبيرة منهم. لذا لم يكن مستغربا أبدا أن تسارع بريطانيا، وقبل أي إشارة من لجان التحقيق، إلى إعلان أن داعش ـ فرع مصر فجر طائرة الركاب الروسية فوق شبه جزيرة سيناء. واستند البريطانيون، ومعهم الأميركيون، إلى ما قالوا انها مكالمات التقطوها بين عناصر إرهابية في سوريا وسيناء تتفاخر بتفجير الطائرة الروسية وقتل أكثر من مئتي سائح على متنها. ولا حاجة هنا لمناقشة موضوع التسجيلات ـ خاصة وأن الشركات التي تنتج مواد الإرهابيين الإعلامية معروفة ومعروف من يمولها. ثم أن أجهزة المخابرات التي فبركت “دوسيه” توني بلير (رئيس وزراء بريطانيا وقت غزو واحتلال العراق) الشهير حول العراق ثم اعترف الجميع بفبركته فيما بعد لا يمكن أن يؤخذ ادعاؤها على محمل الجد والمصداقية. أما المخابرات الأميركية التي أقنعتنا بأنها تعرف ماركة الملابس الداخلية لزعماء دول لم تتمكن من التعرف على مجرمين على أراضيها.
ليس مهما هنا إن كانت نظرية القنبلة والتفجير صحيحة أم لا، ولننتظر نتيجة التحقيقات التي تجريها السلطات المصرية بالتعاون مع الروس وممثلي شركة إيرباص. كما أن حوادث طيران أخرى لم تحظ بهذا القدر من التهويل والتضخيم المتعمد، لم يكن آخرها اسقاط الطائرة الماليزية بصاروخ فوق أوكرانيا ومقتل مئات المسافرين عليها ـ ولم يحسم حتى الآن إن كان الصاروخ من جانب المعارضة المدعومة من الروس أو القوات الأوكرانية المدعومة من الناتو والغرب. انما الحملة التي شنتها واشنطن ولندن تتجاوز مسألة سقوط طائرة، بل وحتى تتجاوز خطط الإخوان منذ عامين لتركيع مصر اقتصاديا (وكان اجتماعهم حول هذا الأمر عقد في لندن وغطاه الإعلام من هناك). وفسر البعض تلك الحملة بأنها تستهدف الروس وتضخيم تحذيرهم من داعش في إطار الرد على تدخلهم عسكريا في سوريا. لكن، في تصورنا أن مصر مستهدفة بتلك الحملة ليس فقط في إطار علاقة الإخوان ببريطانيا، إنما بسبب الأزمة السورية وموقف مصر منها ـ منذ بدايتها وليس فقط الآن.
لم يختلف موقف مصر مما يجري في سوريا منذ بداية الأزمة، وهو أهمية الحفاظ على الدولة السورية ووحدة أراضي البلد في ظل حكومة مركزية. واختلف موقفها هذا عن مواقف دول خليجية وبقية الدول الاقليمية والغرب الذي لا يهمه سوى أن تصبح سوريا كليبيا والعراق وافغانستان وغيرها من الدول التي غزاها واحتلها او غير النظام فيها بالقوة المسلحة. ومع تدخل روسيا عسكريا في الصراع في سوريا، كاد الموقف المصري يتحول من الحياد السلبي الى داعم ايجابي لمعسكر معارضة تغيير النظام الذي تسعى بقية الأطراف لتحقيقه بأي ثمن ولو كان تسليم سوريا لجماعات “الزعران” والإخوان. ومع الحملة التي تشن على مصر وتصوير أنها أصبحت مرتعا لداعش، إضافة إلى زيادة جرعة حملات داخلية فيها يقودها “ناشطون” يعارضون الحكم في ظل تردي الأوضاع المعيشية والحياتية لملايين المصريين، يأمل أطراف في الأزمة السورية أن تتحول مصر إلى معسكر تغيير النظام في سوريا.

د. أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى