الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / البعد الاجتماعي في مسيرة النهضة العمانية المعاصرة

البعد الاجتماعي في مسيرة النهضة العمانية المعاصرة

سعود بن علي الحارثي

” أيها الشعب .. سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل..”
من الخطاب الأول لجلالة السلطان في 23 يوليو 1970م بمناسبة توليه زمام الحكم في البلاد

المقدمة:
استتباب الأمن واستقرار الوطن قيمتان كبريان لا تعادلهما في الأهمية والمكانة ولا تعلوهما في السبق والأولوية أية قيمة أخرى، والوضع الأمني والحالة الاجتماعية لأي مجتمع من المجتمعات هما معا متلازمتان لا يمكن فصل واحدة منهما عن الأخرى، وما أن ينفلت الأمن ويعاني بلد ما حالات من عدم الاستقرار إلا وتتبعهما عشرات الأسئلة المهمة والحيوية التي تطرح حول واقع وحياة الإنسان المعيشية في هذا البلد وإلى أي طريق تتجه، ومستويات الفقر وأسعار السلع ومدى قدرة المواطن على توفير المسكن الملائم ونسبة الباحثين عن عمل وشكل التعليم وجودة الخدمات الأخرى الأساسية وحجم المشاركة السياسية.
ــــــــــــــ
أي تلك المكونات والمعايير والمؤشرات الأساسية التي تجعل من حياة الإنسان مزدهرة وسعيدة أو شاقة وتعيسة، وذلك من منطلق أن إهمال البعد الاجتماعي بمكوناته ومؤشراته المشار إليها وتخلي نظام الحكم والمؤسسات المختصة عن مسئولياتها وواجباتها في الاهتمام بحياة مجتمعها وتقصيرها في العمل على تحسين وضعه المعيشي وغياب العدالة الاجتماعية وما يتولد عن ذلك من ضنك العيش والظلم والفقر وكبت الحريات واستفراد الفئة النافذة بمقدرات وثروات الوطن عادة ما يكون العامل الأساسي والدافع الأول للانفلات الأمني وحالات عدم الاستقرار، فـ (حيث يعم الجوع، لا يرعى للقانون حرمة. وحيث لا يرعى للقانون حرمة يعم الجوع). إن الحفاظ على حياة المواطن وعلى كرامته والرفعة من شأنه وإعداده للقيام بمسؤولياته وتمكينه من المشاركة في بناء وتنمية وطنه وإسهامه في رسم السياسات واتخاذ القرارات ذات الصلة بمصالحه ومصالح الوطن، وتهيئته أي المواطن لتحمل حقوق وأعباء المواطنة والممارسة الواعية والسليمة للقيم الديمقراطية والعمل على تعظيم المنافع والامتيازات التي تعزز حقوق الإنسان لا يمكن لها أن تتحقق وتتم إلاَّ باستتباب الأمن وتوفر الاستقرار، وبهما يتحقق التطور والنمو وفي ظلهما تستثمر وتوظف المقدرات والثروات وتوجه لخدمة المجتمعات وتضمن المحافظة على المكتسبات والانجازات التي تحققت وتتحقق باستمرار، والعمل على تنميتهما وتعظيم منافعهما والمضي من ثم قدما بركب الحضارة .. واستتباب الأمن واستقرار الأوطان لا يتحققان وإن تحققا لفترة من الزمن لأسباب وعوامل آنية فلا ضمانة لاستمرارهما على نفس المستوى المرضي عنه والمحقق للاطمئنان إلا بالالتفات وإيلاء الجانب الاجتماعي الإنساني حقه من الاهتمام والتنمية وتوجيه الجهود وتخصيص الأموال وإعداد وتطوير القوانين والأنظمة والتشريعات التي تعزز من حقوق الإنسان في بعدها الاجتماعي، وذلك بتحسين المستوى المعيشي للمواطن وتوفير فرص العمل للمحتاجين والقادرين الباحثين عنه، والاهتمام بفئات وشرائح المجتمع خاصة من ذوي الدخول المتدنية، وذلك بزيادة وتعزيز وتنمية ما تم إجراؤه من امتيازات وإقرار المزيد من الحقوق التي توفر وتضمن الحياة الكريمة والمستوى المعيشي المقبول وبحيث لا تحوج المواطن إلى الآخرين وتقيه مذلة السؤال والاستدانة واللجوء إلى الاحتيال ومخالفة القوانين ، فـ (( الهدف من بناء الدولة هو سعادة أبنائها أجمعين وليس سعادة فئة واحدة معينة منها)). إن تحقيق العدالة الاجتماعية في صورها وقيمها الإنسانية الراقية والحضارية ترفع من درجة رضا المواطن وتعزز ثقته بحكومته وتشعره بالاطمئنان وتعلي من قيم المواطنة وتجنب الأوطان مزالق وشراك الاضطراب والتنافر والعنف والانقسام والفتن، وتقيها شرور التدخلات الخارجية وآفاتها وممن يتربصون الفرص لالحاق الأذى بالأوطان، ويخططون ويعملون ويسعون إلى تحقيق مآرب وأهداف خبيثة، ولن يجدوا بالطبع سلاحاً ومدخلا أنسب من استغلال حالة الفقر والتخلف والجهل والظلم واتساع صور الفساد وغياب العدالة الاجتماعية بصفة عامة، واستثمار سخط المواطن وغضبه واحتجاجه وحقده على تردي أوضاعه الاجتماعية لكي يوظفوها ويستغلوها ويبنوا عليها مآربهم في مسعاهم لزعزعة استقرار وأمن الأوطان .. هي إذا سلسلة مترابطة ومتداخلة ومتشابكة لا تنفصل الواحدة عن الأخرى، ازدهار الإنسان ورخاؤه وإيلاء البعد الاجتماعي حقه ونصيبه الكامل في التنمية تمهد وتفضي إلى استتباب الأمن وتوفر الاستقرار، وهما معا يشكلان جسر عبور وعلى ضفافهما تتهيأ وتتحقق أسباب وعوامل التطور والتقدم، فالاهتمام بالإنسان وتحقيق الرخاء والازدهار وتعظيم الحقوق في بعدها الاجتماعي هي التي تعطي الوطن تميزه واستقراره فـ (( الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن تسند إليه قيمة مطلقة هي الكرامة )). والحكام العظام، خلفاء وأمراء وملوكا ممن وجهوا طاقاتهم وجهودهم في تحسين المستوى المعيشي لمجتمعاتهم وقدموا البعد الاجتماعي للإنسان على غيره، وركزوا في عملهم على رخاء وازدهار الإنسان والحرص على تخليص المواطن من الفقر والظلم والتخلف هم الذين خلدهم التاريخ وظلت أسماؤهم وسيرهم وأعمالهم الجليلة محفورة في الذاكرة الإنسانية، ومرتبطة بقيم العدل والرحمة والحكم الرشيد، وشهدت فترات حكمهم استقرارا واستتبابا للأمن وتعلقت الرعية بحب الوطن والحاكم معا وما زالت البشريـة تتوق إلى أيام كأيامهم فـ (( الملك كالبحر تستمد منه الأنهار، فإن كان عذبا عذبت، وإن كان ملحا ملحت))، ويقول أرسطو مخاطبا الأسكندر (( املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها)). وارتبطت العقائد والثورات والأيديولوجيات والبرامج والسياسات والدعوات التي أطلقها ويطلقها الرسل والساسة وقادة الأحزاب والمترشحون للرئاسة ولعضوية ورئاسة البرلمانات ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها من المؤسسات والتكتلات وبغض النظر عن أهدافها ومبتغياتها وأغراضها ومضامينها وتحمل حقا كانت أم باطلا، ارتبطت في شعاراتها الدعائية وبرامجها وجهودها الترويجية بملامسة الجانب الاجتماعي، أولاً : لعلمها وإدراكها بأهميته وحيويته ومكانته في حياة الإنسان وفعله السريع والمباشر في دغدغة المشاعر، والقدرة في التأثير في أكبر عدد من الناس، ثانيا: لأنه عصب الحياة وأساسها وعامل رخائه أي الإنسان سعادته أو بؤسه وشقائه والداعي الحقيقي للتغيير والاصلاح وأساس المطالبات بحقوق شرعية ومبررة وما يأتي بعد ذلك من مطالبات يدخل فيما يعد في المفهوم الإنساني (( ترفا )) فـ (( في ظل حكومة فاضلة الفقر عار)) ، فلا يهم المواطن في شيء أي مواطن كان أن يتغير نظامه السياسي، أو أن تقدم انتخابات بلاده أعضاء جددا للبرلمان أو أن يتحول وطنه فيصبح ديمقراطيا يتلاعب بمقدراته الساسة وبعقول الناس الشعارات الجميلة التي لا تطرح ثمرا ولا تؤتي أكلا. ما يهمه من كل ذلك أن يتحسن دخله وأن يعيش حياة كريمة وأن يحصل على سكن ملائم وأن يتمكن من إسعاد أسرته وتعليم أبنائه وعلاجهم العلاج الناجع، ومن أن تمكنه حقوقه التقاعدية من العيش بذات المستوى الذي كان عليه إن لم يكن بشكل أفضل. هذا هو الأساس الذي يهم المواطن ويسعى إلى تحقيقه ويطمح إلى رفع سقف حقوقه. إن تحقيق الرفاه الاجتماعي بمكوناته الرئيسية هو ما يجعله سعيدا ومتفائلا ومتفانيا في عمله مخلصا لوطنه مدافعا منافحا عنه متشبثا ومتمسكا بنظامـه السيـاسي وبحكومته فـ ((الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة)). وقد حرصت الدعوة الإسلامية وساهمت مساهمة فاعلة في إرساء وتحقيق العدالة الاجتماعية في فترات مضيئة من تاريخها المشرف، وعملت على إعادة هيكلة الأوضاع السائدة بما يحقق ويعلي من شأن الإنسان ويرفع من مكانته ويعيد إليه كرامته وإنسانيته أيا كان انتماؤه وحسبه ونسبه، فالتقوى والعمل الصالح وفقا للمفهوم الإسلامي هما مقياس تقييم الإنسان ومبعث فخره وهما ما يحددان مكانته. لقد جاء الإسلام لإنقاذ الإنسان من الظلم والقهر والفقر ومن العبودية ومن البؤس التي كانت الغالبية العظمى من الناس تعيشها، واستغلال الثروات وتوزيعها وتوظيفها بما يحقق العدالة ويحسن الحياة المعيشية. إنه وبسبب الطبقية التي استشرت خلال مرحلة نزول الإسلام وما قبلها واستفراد طبقة محدودة العدد بالثروات والقوة والسيادة وغياب العدالة الاجتماعية، تم استغلال الفقراء والمعوزين واستعبادهم، وتعاظمت التعاملات الربوية التي جسدت الاستغلال في أبشع صوره وتضاعف عدد الفقراء والعبيد الذين واجهوا صنوفا من العذاب والظلم والقهر، فجاء الإسلام ليخلصهم وينصفهم ويعيد إليهم إنسانيتهم المسلوبة وحقوقهم المنزوعة، فتحققت للإنسان من دخوله وإيمانه بالإسلام العدالة والحرية والرحمة والحياة الكريمة، وكان الإنسان مركز الإهتمام والهدف الأسمى في تحقيق الإصلاح وإقامة نظام عادل وحكم رشيد. فقد قـال رب العـزة في سـورة الحج (( إن الله بالناس لرءوف رحيم )) الآية 65 . إن مفهوم التنمية الاجتماعية أو البعد الاجتماعي للتنمية أو مظلة الأمن الاجتماعي مثل غيره من المفاهيم والمصطلحات الأخرى في علم الاجتماع لا يوجد اتفاق على تعريف مجمع عليه، فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يستطع الباحثون الذين أسهموا في الكثير من المؤتمرات العلمية التوصل إلى تعريف مبدئي متفق عليه في هذا المجال، وهو ما يعكس اختلاف التوجهات الأيديولوجية للباحثين أنفسهم، ومن خلال عمليات البحث والقراءات المتعددة فإن أكثر التعريفات التي أراها تتناسب وتتفق مع هذا المفهوم وتعبر عنه بشكل عام، وبما ينسجم ويتلاءم مع أهداف المقال والوضع الذي نعيشه ونسعى إلى تناوله بشيء من التفصيل يتمثل في: (( تمتع المواطنين بمستوى إقتصادى لائق، وبحياة كريمة وآمنة، إلى جانب الحق فى الحصول على فرصة العمل المناسبة والعدالة فى توزيع الدخول، وتكافؤ الفرص، او بمعنى آخر، تطبيق منظومة العدالة الاجتماعية بوجه عام)).
وفي السلطنة ومنذ فجر النهضة المباركة، والإنسان العماني يقع في بؤرة اهتمام القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث حرص جلالته منذ البدايات على تحرير الإنسان العماني من مختلف أشكال المعاناة وصور الخوف والحرمان وقسوة الفقر وظلمات الجهل ووطأة الأمراض التي كان يرزح تحتها، فجاء في أول خطاب ألقاه جلالته في 23 يوليو 1970م بمناسبة توليه زمام الحكم في البلاد ” أيها الشعب .. سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل..” ومذ ذاك توالت التوجيهات والأوامر السامية ، ووضعت الخطط والبرامج التي تصب في خانة توفير سبل الحياة الكريمة الطيبة الآمنة للمواطن أينما كان على رقعة هذا الوطن ، مهما تباعدت المسافات ومهما قست التضاريس ومهما تضاعفت التكلفة، فكان للبعد الاجتماعي حضوره القوي ومكانته المعتبرة في مختلف مراحل التنمية العمانية عبر خططها الخمسية المتوالية، وعلى مختلف المستويات التشريعية والمؤسسية، بداية من النظام الأساسي للدولة الذي تضمن في بابه الثاني الخاص بالمبادئ الموجهة لسياسة الدولة عدداً من النصوص المؤسسة والضامنة للحقوق الاجتماعية للإنسان، ومروراً بالتشريعات الاجتماعية والقوانين واللوائح المنظمة لجوانب الرعاية الاجتماعية المقدمة، وانتهاء بالمؤسسات التنفيذية القائمة على تقديم مختلف صور هذه الرعاية، ولذلك ليس من المبالغة القول بأن الواقع الملموس لجوانب الرعاية الاجتماعية التي يحظى بها المواطن في السلطنة يعكس الشوط الكبير الذي قطعته السلطنة خلال عقود النهضة المباركة الأربعة في هذا المضمار، على المستويين الكمي والنوعي، لا سيما في مجال توفير خدمات التعليم والصحة، والمسكن الملائم، وفرص العمـل، والضمان الاجتماعي، ورعاية الأمومة والطفولة، وقد تجسد ذلك الاهتمام، في جملة من التشريعات والتوجيهات والقرارات والمشاريع تمثلت في: إنشاء وزارة خاصة بالتنمية الاجتماعيـة، وضع نظام للضمان الاجتماعي، نظام للإسكان الاجتماعي، نظام للقروض الإسكانية، رعاية الفئات الخاصة كالمعاقين والمرأة والطفل، تنمية المجتمعات المحليـة (توفير كافة الخدمات وتطويرها، التوزيع المتكافئ للخدمات، إقامة ونشر وتطوير وتوفير فرص: العلاج المجاني في مختلف المؤسسات الصحية، التعليم المجاني ونشر مظلة التعليم، التأهيل والتدريب، التوظيف، تحسين الدخول، اعتماد وإقرار وتطوير الرواتب والمستحقات التقاعدية … إلخ، وظلت تلك البرامج والسياسات ذات البعد الاجتماعي تشهد كلما سنحت الفرص وباتت الحاجة ملحة تطورا ونموا وفق خطوات وإجراءات مدروسة تراعي أهمية هذا الجانب ودوره في تحقيق أهداف التنمية وترسيخ قيم المواطنة وتطبيق وسيادة القانون والحفاظ على أمن واستقرار الوطن من التوترات. لقد وجهت حكومة السلطنة جهدها وطاقاتها في وضع الأسس ورسم السياسات وإعداد البرامج التي من شأنها تحقيق التنمية في بعدها وجانبها الاجتماعي، وقد كانت التوجيهات السامية والمراسيم السلطانية والكلمات التي يلقيها سلطان البلاد ـ حفظه الله ـ في المناسبات المختلفة تركز باستمرار على إيلاء البعد الإجتماعي وتحسين المستوى المعيشي للمواطن العماني وتوفير فرص التعليم والعمل وتعزيز القروض الاسكانية وغير ذلك مما ييسر على المواطن العماني معيشته ويضمن له حياة كريمة. وفي لفتة كريمة من لفتات جلالته نحو تحسين حياة المواطن العماني وتسهيل سبل معيشته تحقيقا للكرامة الإنسانية، وجه جلالته في محور خاص من محاور الخطاب السامي بمناسبة افتتاح الدور الثاني لمجلس عمان للفترة المنصرمة (السابعة)، حكومته الموقرة بـ (( التركيز في خططها المستقبلية على التنمية الاجتماعية خاصة في جوانبها المتعلقة بمعيشة المواطن وذلك بإتاحة المزيد من فرص العمل وبرامج التدريب والتأهيل ورفع الكفاءة الإنتاجية والتطوير العلمي والمعرفي والثقافي )) ، واضعا جلالته حكومته الموقرة أمام مسئولياتها في العمل على إعلاء مصالح المواطن والنظر إلى قضاياه وأوضاعه ومشاكله الاجتماعية بكل اهتمام ودراستها ومتابعتها ومعالجتها بشفافية ووضوح، وتفعيل وسائل التواصل واللقاء والحوار بين المسئولين في الحكومة والمجتمع، فجلالته ـ حفظه الله ـ أكد على أنه يتابع (( بدقة ما يتم اتخاذه من خطوات وسوف يكون هذا الأمر محل اهتمام المجلس الأعلى للتخطيط الذي يهدف إلى وضع خطط تنموية مدروسة ترعى أولويات كل مرحلة وتوازن بين مختلف أنواع التنمية بما يؤدي إلى بلوغ الغاية المنشودة )). وفي محور مستقل يهدف كذلك إلى تحقيق مصالح المجتمع ، وقيام القطاعات الرئيسية بمسئولياتها، تحدث خطاب جلالته عن القطاع الخاص باعتباره ((أحد الركائز الأساسية في التنمية سواء بمفهومها الاقتصادي الذي يتمثل في تطوير التجارة والصناعة والزراعة والسياحة والمال والاقتصاد بشكل عام أم بمفهومها الاجتماعي الذي يتجلى في تنمية الموارد البشرية وتدريبها وتأهليها وصقل مهاراتها العلمية والعملية وإيجاد فرص عمل متجددة وتقديم حوافز تشجع الالتحاق بالعمل في هذا القطاع )). واستجابة لتوجيهات جلالته حفظه الله حول التركيز بشكل خاص في المرحلة القادمة على السياسات ذات التأثير المباشر على حياة المواطنين وفي مقدمتها (( التشغيل والحماية الاجتماعية وتطوير نظم التعليم والصحة والإسكان والشباب ومحاربة الفقر واستهداف المحافظات الأقل نمواً))، نظمت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط مباشرة لقاءات موسعة في مختلف محافظات وولايات السلطنة لعرض المحاور الرئيسية لتقرير السياسات الاجتماعية في مرحلة الانطلاق الاقتصادي وذلك بغرض الاستماع إلى الآراء والمقترحات حول موضوعات التقرير. وبشأن الأوضاع الاقتصادية العالمية وتأثيراتها على كافة الدول فقد وجه جلالة السلطان المعظم – أبقاه الله – خلال ترؤسه لاجتماع مجلس الوزراء يوم الأربعاء الرابع من نوفمبر المجيد 2015م ب (( أهمية التعاطي مع تلك الأوضاع من خلال اتخاذ إجراءات احترازية متوازنة للحد من سلبياتها على مسارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية))، وقد (( أثنى جلالته على ما قامت به الحكومة بالتعاون مع باقي القطاعات من جهود مقدرة لاستقرار الأوضاع الاقتصادية وتحقيق معدلات من النمو والنجاح لمواصلة التنمية الشاملة المستدامة. )) . وتطرق المقام السامي – أعزه الله – للقطاع التعليمي والثقافي في السلطنة لما لهما من (( دور هام في بناء الأجيال المؤهلة والقادرة على تحمل مسؤوليات العمل الوطني)).
ومن جانب آخر وبهدف ترسيخ العمل المؤسسي فقد تعززت مشاركة المواطن العماني في صنع القرار عبر ممثليه في مجلس الشورى والمجالس البلدية المنتخبة ومؤسسات المجتمع الأخرى، وقد أشاد جلالته – أبقاه الله – بانتخابات أعضاء مجلس الشورى التي جرت يوم 25 من أكتوبر الماضي بـ (( نجاح تلك العملية الانتخابية وما حظيت به من إقبال كبير من المواطنين عكس اهتمامهم وحرصهم على القيام بواجبهم الوطني )) ، متمنيا جلالته (( لمجلس الشورى الجديد التوفيق في الاضطلاع بمهامه جنبا إلى جنب مع باقي مؤسسات الدولة )) . وتمكنت السلطنة من تحقيق انجازات مهمة فيما يتعلق بحقوق الإنسان واستقلالية القضاء وتعزيز مسيرة العمل التشريعي والنهوض بدور المرأة في المجتمع أشادت بها المؤسسات الدولية وفقا للمؤشرات والقراءات العلمية التي ضمنتها تقاريرها السنوية وذلك على مستويات العمل الديمقراطي ومسيرة التنمية وخدمة السلم العالمي. وتم إحراز تقدم ملموس في طريق تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، فعلى سبيل المثال، بالنسبة للغايات الخاصة بالقضاء على الفقر المدقع والجوع، نستطيع القول بأن معظمها قد تم إنجازه بحلول عام 2013م ، فقد ظلت نسبة السكان الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد تساوي صفراً، وارتفعت حصة الخمس الأفقر من السكان في الاستهلاك الوطني من حوالي 5% في عام 2000م إلى ما يزيد عن 6% ، كما ارتفعت نسبة السكان العاملين إلى عدد السكان من 56.4% في عام 2000م إلى حوالي 63.6% في عام 2013م ، وانخفضت نسبة الأطفال ناقصي الوزن الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات من 23% عام 1995 إلى 9.7% عام 2014م. أما بالنسبة لتحقيق تعميم التعليم الابتدائي فقد كان معدل الإنجاز مميزاً حيث ارتفع صافي نسبة القيد في التعليم الابتدائي من 83.8% عام 1993 إلى 98.2% عام 2012/2013م، كما ارتفعت نسبة من وصلوا للصف الأخير من الدراسة الابتدائية من 89.1% في عام 1990م إلى 99.1% عام 2013م بينما ارتفع معدل الالمام بالقراءة والكتابة لدى فئة الشباب (15 ــ 24) سنة من 92% عام 1993م إلى 98.1% عام 2010م ، وكذلك كان الإنجاز فيما يتعلق بالهدف الخاص بتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة من أداء دورها ، حيث تساوت نسبة البنات مع نسبة البنين تقريباً في مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام 2013/2014م ، أما بالنسبة للتعليم العالي فقد تفوقت نسبة الطالبات على الطلبة حيث ارتفعت من 0.83 في عام 1990م إلى نحو 1.24 في عام 2014م ، ومن ناحية ثانية ارتفعت حصة النساء من الأعمال المدفوعة الأجر في القطاع غير الزراعي من 8.3% في عام 1993م إلى 22% في عام 2010م، وارتفعت نسبة المقاعد التي تشغلها النساء في مجلس عمان من 4.9% في عام 1997م إلى 9.5% في الفترة (2011ـ2015م)، أما بالنسبة لتقليل وفيات الأطفال فقد انخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 35 في عام 1990 إلى 11.8 لكل ألف مولود في عام 2013م، كما انخفض معدل وفيات الرضع من 29 لكل ألف مولود في عام 1990م إلى 9.8 في عام 2013م .
وفي العام 2011م ، إثر الحراك الشعبي المرتبط بالبعد الاجتماعي فقد وجه جلالته – حفظه الله ورعاه – برفع المعاشـات الشهرية المقـررة للأسـر المستفيـدة من أحكام قانون الضمـان الاجتماعـي بنسبـة 100%. وزيادة قيمة المستحقات التقاعدية الشهرية لجميع الخاضعين لقانون معاشات ومكافآت ما بعد الخدمة لموظفي الحكومة العمانيين بنسبة تصل إلى 50% للفئات المستحقة لأقل معاش تقاعدي . وخفضت نسبة مساهمة موظفي الخدمة المدنية في نظام التقاعد من 8 % إلى 7 % شهريا من رواتبهم الأساسية مضافا إليها 75%من بدلات السكن والكهرباء والمياه . وتم استحداث علاوة غلاء معيشة لتعزيز مخصصات جميع العاملين في الأجهزة العسكرية والأمنية وجميع الوحدات الحكومية بما فيها تلك التي لا تخضع لنظام الخدمة المدنية على أن تحصل الفئات الأقل دخلا النسبة الأكبر من العلاوة . وخلال ترؤس جلالة السلطـان المعظم اجتمـاع مجلـس الوزراء في 2 مايو2011 بحصن الشموخ بولاية (( منح )) أعطى جلالته توجيهاته السامية بإنشاء جامعة حكومية تقوم على أسس مدروسة تركز على التخصصات العلمية وقد كلف جلالته مجلس الوزراء لإعداد ما يلزم من دراسة في هذا الشأن من أجل أن تضطلع هذه الجامعة بدورها في مسيرة التعليم التي تشهدها البلاد … كما وجه جلالته بتخصيص مائة مليون ريال لبرنامج تنمية الموارد البشرية خلال الخطة الخمسية الثامنة ، موجهة لألف منحة خارجية للدراسات العليا والتخصصية في المجالات التي تحتاجها الدولة.وزيادة المخصصات الشهرية المالية لطلاب وطالبات جامعة السلطان قابوس والكليات والمعاهد الحكومية . وإعفاء جميع المقترضين من بنك الإسكان العماني والمسجلين حتى تاريخه من كامل رسوم الخدمات المصرفية والإدارية، وحتى نهاية سداد القروض القائمة . وتخصيص مائتي مليون ريال لبرنامج المساعدات السكنية على مدى خمس سنوات حتى هذا العام 2015، أي بواقع أربعين مليونا سنوياً وذلك بهدف تغطية الطلبات حتى عام 2010 والتي تنطبق عليها شروط الاستحقاق.ورفع الحد الأدنى لإجمالي ما يتقاضاه العامل العماني في القطاع الخاص إلى 325 ريالا عمانيا بدأ تطبيقه اعتبارا من شهر يوليو 2013م .ودعم مخصصات المساعدات السكنية بمبلغ (100) مليون ريال عماني ، إضافية .
وبرغم الجهود الكبيرة التي بذلت وتبذل والانجازات التي تحققت في مفهومها وبعدها الاجتماعي وما حصل عليه المواطن العماني من حقوق ومكاسب تبتغي تحسين المستوى المعيشي وتحقيق التوازن بين الدخل والانفاق وتوفير فرص عمل للباحثين عنه باعتبار أن هذه القضية هي الهم الأكبر والمشكلة الأعمق بسبب انعكاساتها الخطيرة وتأثيراتها السلبية المتمثلة في : أولاً : نفسية الفرد الذى لا عمل له ويبحث عن عمل ولا يجده، حيث تولد الضغوط النفسية للفرد، سلوكا عاما مضطربا. ثانياً : تؤثر على سلوكه مع أسرته، نتيجة عدم وجود عمل له، وبالتالى عدم القدرة على توفير احتياجات الأسرة وقد يؤدى به ذلك فى النهاية إلى الجنوح إلى الجريمة . ثالثا : التأثير على الرابطة بين المواطن ودولته ، فقد تدفعه البطالة إلى عدم الولاء والقيام بتصرفات قد تضر بالدولة . برغم تلك الجهود المقدرة والمنجزات المحققة إلا أن العقبات التي تواجهها مظلة الأمن الاجتماعي ما زالت كبيرة ، وتتطلب جهودا مضنية وعملا مشتركا وتوليدا للأفكار والرؤى التي من شأنها إيجاد الحلول الواقعية ومعالجة تلك العقبات والصعوبات التي تتمثل في الآتي :
الزيـادة الكبيرة والمتصاعدة في نسب الباحثين عن عمل من العمانيين، من مخرجات مؤسسات التعليم المختلفة، ومع واقع الأعداد الهائلة من اليد العاملة الوافدة التي تعمل وتتواجد في السلطنة، وفي مختلف المهن والوظائف والمستويات تظل أعداد الباحثين عن عمل تؤرق الجميع، ومع انخفاض أسعار النفط بشكل حاد وتأثيراته على المشاريع الحكومية وتراجع أرباح الشركات العاملة في هذا القطاع والتي قد تنسحب على قطاعات أخرى وظاهرة تسريح العاملين العمانيين فيها بأعداد مقلقة … كل ذلك يتطلب تحركا عاجلا وإجراءات وقرارات سريعة لتنظيم سوق العمل وإقامة المشروعات والصناعات وتقديم الأفكار والرؤى التي من شأنها زيادة فرص عمل حقيقية لا مصطنعة، ودراسة وتطوير البرامج والسياسات التعليمية والتخصصات التي تطرحها وتقدمها مؤسسات التعليم العالي لتتلاءم مع الوظائف والمهن ونوع الأعمال التي يحتاجها سوق العمل ومؤسسات القطاع الخاص. ومع أن جهودا موسعة ومتنوعة تبذل لتحقيق هذا الهدف إلا أن واقع الباحثين يتطلب سرعة في الانجاز والنتائج وجدية في العمل وفرص واقعية وحقيقية تتناسب مع ثقافة وطبيعة وتخصصات الباحث عن عمل ومستوياته التعليمية وترضي طموحه ، وتعالج العديد من الاشكالات المرتبطة بهذه القضية .
الارتفاع المتواصل لأسعار السلع الاستهلاكية والسلع الأخرى دون أن يرافق هذا الارتفاع آليات واجراءات واضحة تحد من هذا الإرتفاع أو تدعم السلع الأساسية، وهي من القضايا التي تؤرق المواطن وتضعه أمام تحديات كبيرة وتستنزف مبلغا كبيرا من دخله الشهري، ومن الأهمية بمكان العمل على إتخاذ إجراءات وقرارات سريعة تعالج وضع الأسعار وتعزز الرقابة عليها، وممارسة جميع الضغوط والعقوبات والإشراف للحد من هذا الارتفاع وكشف التجار الذين يرفعون الأسعار دون مبرر.
الفوارق في الامتيازات والحقوق بالنسبة للرواتب والمستحقات التقاعدية بين مؤسسات الدولة وبعضها من جهة وبين القطاع الحكومي والخاص من جهة أخرى ما زالت قائمة، حتى بعد أن تم توحيد الرواتب في القطاع الحكومي والتوجيهات السامية برفع رواتب العمانيين في القطاع الخاص واجراء دراسات بتوحيد الامتيازات التقاعدية … إلخ ، وهو ما يشعر المواطن بالتمييز والمرارة والاحباط ، ومن الأهمية أن تجرى الدراسات وتقدم الحلول والمعالجات من قبل المؤسسات المتخصصة ، والكفيلة بمعالجة هذا الواقع ، والانتهاء من دراسة توحيد الرواتب التقاعدية واصدار قانون الخدمة المدنية الموحد الذي تأخر كثيرا .
خروج أعداد كبيرة من الموظفين إلى التقاعـد خلال السنوات الماضية، أي قبل التعديلات التي طرأت على قانون المعاش التقاعدي، برواتب متدنية وبدون أية مستحقات، وهم ممن ساهموا وشاركوا في بناء الوطن في بدايات النهضة المباركة، وقامت على أكتافهم وبجهودهم الانجازات الكبيرة ، وكانت لهم بصماتهم التي سجلتها الذاكرة والتاريخ العماني، ومن الأهمية بمكان وتحقيقا للعدالة والمساواة وتقديرا لهذه الفئة ولمساهماتها المشكورة، العمل على اجراء دراسة معمقة تسعى إلى رفع وزيادة رواتب المتقاعدين ممن لم يستفيدوا من التعديلات الأخيرة التي أجريت على قانون التقاعد ليتمكنوا من العيش بكرامة.
غياب الآليات والمعايير والأسس الواضحة في توزيع الأراضى والاعانات المالية التي تقدمها بعض المؤسسات الحكومية بمختلف مستوياتها، وهو ما يتطلب إجراءات وآليات واضحة وأسسا ومعايير شفافة تعتمد على العدالة والنزاهة وتضمن توجيه تلك المزايا إلى المحتاجين الحقيقيين.
ما زالت القروض الاسكانية غير قادرة على الوفاء بالتزامات هذا البنـد المهم ، ولم تتمكن من تغطية ومقابلة الطلبات الكبيرة والمتزايدة ، وما زالت رواتب الضمان الاجتماعي بحاجة إلى إعادة نظر وإلى تعزيز يفي بمتطلبات الحياة الأساسية ومواجهة الارتفاع في أسعار السلع، ويضمن الحياة الكريمة والعيش المناسب لهذه الفئة من أبناء المجتمع.
ارتفاع تكلفة بعض الخدمات ومن أهمها تكلفة النقل ، وذلك لغيـاب أو ضعـف النقـل الجماعي ((الحافلات، القطارات، المترو))، مثلما هو الحال في بلدان العالم ، ومن الأهمية بمكان العمل على إقامة وتنظيم ودعم النقل الجماعي عبر شبكة تربط خطوطهـا بمختلف المحافظات والولايات والمناطق والأحياء السكنية ، وبما يكفل تقديم خدمة سهلة التكاليف ومريحة ومتوفرة في مختلف المواقع والأماكن، خاصة مع الحديث والمطالبة برفع الدعم الحكومي عن الوقود على ضوء تراجع أسعار النفط.
ما زالت العديد من صور وأشكال الفساد تمارس في عدد من المؤسسات، تكرس في مشاهد متعددة ثقافة الواسطة والتمييز وإعلاء المصالح الخاصة على العامة وتحقيق الثراء على حساب القيم وفي تجاوز سافر للقوانين والأنظمة، وهو ما أثر ويؤثر سلبا على قيم العدالة والأخلاق والنزاهة والمساواة، ويعطي تبريرا للعديد من السلوكيات والممارسات السيئة، ويولد الاحباط والمرارة في نفوس الشرفاء والمخلصين والأكفاء من أبناء الوطن، ويضعف ثقتهم في جهـود الحكومة .. ومن الأهمية أن تتكاتف الجهود وتكثف، وأن تسن القوانين والتشريعات وأن تقوم المؤسسات المختصة بدورها في محاربة الفساد وكشف المفسدين ، وإنزال أشد العقوبات والجزاءات بحق كل من يفسد في هذه الأرض الطيبة.

إلى الأعلى