الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: سلطنة عمان كما رأيتها وعرفتها
كلمات: سلطنة عمان كما رأيتها وعرفتها

كلمات: سلطنة عمان كما رأيتها وعرفتها

زهير ماجد

تربيت على ولع بالوطن العربي، ولم أكن اسميه عالما عربيا لأن هذا التعريف من صنع استراتيجيات غربية .. هذا الولع لا حل له عادة الا اذا تأمنت سبل السيطرة عليه بالمشاهدة العينية .. كانت دمشق وهي الأقرب الى عاصمتي بيروت قد زرتها اولا، تمتعت بجمال مختلف عما رأيته في مطلع الشباب في مدينتي الساحلية .. لكني اعترف اليوم اني حين زرت القاهرة كنت ابكي في الطائرة، لم اكن اصدق اني سأرى مدينة عبد الناصر وسأمشي حيث مشى، واقف حيث وقف، اشم انفاسه، واستمتع بما تمتعت به عيناه .. المهم اني تمكنت من زيارة هذا الوطن العربي الكبير وانا عادة اضع بين اغراضي المحمولة تسجيلا لأغنية المجموعة ” الوطن الأكبر”. شاهدت معظمه بالتفصيل، لكني هنا اضع زيارتي لسلطنة عمان وهي التي تحتفل بعيدها الوطني المجيد المشرق الـ 45 ، عيد نهضتها التي اشارك فيها هذا الشعب الطيب والمكافح والمقبل على الحياة بكل ابعادها.
عندما اتفقت مع ” الوطن ” عام 1998 على زيارة عمان، حسبت الف حساب لمسألة التفاهم مع العمانيين نتيجة جهلنا للهجة المحلية، قلت مع نفسي، هنالك اللغة الفصحى التي تجمعنا نحن العرب، فلا خوف من التفاهم مع الناس والذين سيصبحون اصدقاء المستقبل. كنت قرأت عن السلطنة بما تيسر، ولكن المشاهدة قد لا تعكس مايقرأه المرء احيانا، اذ تبدو الاشياء على طبيعتها، وزيارة الاماكن الاساسية قد تعطي الانطباع المؤكد او ترفد معلومات تسنى الحصول عليها.
كانت اول ترجمة لزيارتي هي الطائرة العمانية التي استمتعت فيها بالأكل العماني .. ومن عادات السفر ان المرء يكون مضطربا فلا يمكنه تفحص ما حواليه .. في مطار السيب كان ينتظرني صحافي سوداني من الصحيفة، كان الجو ليلا ومسقط مبهرة في الليل، هنالك كم من الاضاءة في شوارعها تحيلها الى نهار. اول ما لفت نظري ذلك المسجد الضخم الذي بادرني الصحافي الى التعريف بأنه جامع السلطان قابوس الأكبر..
اعترف اني شاهدت شوارع فسيحة، وكنت في تلك اللحظات بحاجة الى زيارة كل العاصمة العمانية، لكن الوقت ضيق والفندق كان بانتظاري، لكن ما لفت نظري ان موظف الاستقبال كان عمانيا، احسست ساعتها ان هذه البلاد مكتوب لها ان تعيش عزا وان يحيا شعبها مطمئنا على غده .. فهو مشهد لم اره مثلا في اكثر بلدان الخليج التي زرتها حيث الموظفين الأجانب هم المستقبلون عادة.
عند الصباح أطللت من النافذة، كان مشهد الجبال العمانية امامي بروعته، كنت انتظر فترة الظهر بفارغ الصبر لأن صديقا زميلا عمانيا تعارفنا على الهاتف سوف يأتيني لنخرج في نزهة عمانية .. وبالفعل كان ما رميت اليه .. كانت السيارة تنهب شوارع العاصمة النظيفة المرتاحة احيانا على مرتفع او النازلة باتجاه منخفض .. وكنت استمع الى لهجته مبهورا بأنها الاقرب الى لهجتي، بل ثمة مصطلحات مشتركة بين اللهجتين، سالته ان كان يتحدث معي بغير اللهجة العمانية الحقيقية فرد بأنها ما يتكلم به مع العمانيين وغيرهم .. فجأة، قال لي هذه مطرح فسألته بإعجاب ” مطرح إيه ” قال اسمها مطرح وفيها سوق جميل مسقوف موجود منذ زمن بعيد .. كان البحر اهدأ من كل الاماكن التي رأيته فيها ،، فعلى ذلك الشاطيء الجميل قليلا مايثور ويضطرب بحكم موقعه الجغرافي .. فجأة نحن امام مدينة صغيرة قديمة، عرفها بانها مسقط القديمة، وكنت كلما ذهبت الى ذلك المكان بعدها، اتذكر احد الاصدقاء العمانيين الذي تربي فيها واخبرني عن بابها الذي كان يغلق عند السادسة مساء، فقد كانت هي العاصمة الصغيرة التي رأيت فيها لاحقا الامكنة الفخمة التي يقطنها جلالة السلطان قابوس المعظم ـ حماه الله ورعاه ـ ، كان مشهد المكان حميما الى النفس، لا يمكن مفارقته بسهولة، ففيه مسحات جميلة وأشكال من الذوق الرفيع.
لم تطل تلك الرحلة، ثلاثة ايام مكثفة، لكنك في عمان تحتاج الى زمن كي تنمي فيك حس الشبع وقد لا تشبع من الاطلاع والمشاهدة ايضا. ومع تكرار الزيارات التي كان فيها الاصدقاء يقومون بواجب التعريف على كل جديد في العاصمة الجميلة، باتت لي معرفة على اصولها .. فلقد زرت جميع متاحفها تقريبا وتعرفت الى عمق التاريخ العماني وما احتواه وماذا فيه .. واذكر اني وضعت ملاحظة في احد المتاحف اردت فيها ايصال محبتي لذلك البلد بان يتمكن القيمون عليه من تكثيف ما كان معروضا للمشاهدة. فعمان اغنى بكثير مما رأيته في متحفها، وذلك لم اشك فيه اطلاقا، بدءا من انسانها الاول وصولا الى الوقت الحالي.
كان يهمني رؤية مدينة العلم وهي جامعة السلطان قابوس التي زرتها اكثر من مرة، فقد شاهدت صرح عز ثقافي علمي يفوق وصف ما اخبرت عنه قبلها. زرت القاعات كما التقيت جموع الطلاب، تحادثت مع بعضهم لأسمع فرأيت نهرا من المعرفة عند هذا البعض، والأهم ذلك الحس الوطني الصميمي الذي كلما كان احدهم يتحدث عنه كانت عيناه تضيء داخله والمكان ، وتعكس قوة وبأسا وحماسا لامثيل له. لقد انعم الله على عمان بما حباها به جلالة السلطان المفدى وبما اعطاه ومنحه، وقد تكون تلك الجامعة انموذجا مما تحقق خلال اعوام النهضة..
عندما تسنى لي ان اسكن السلطنة واقيم فيها لاكثر من عام في وقت لاحق، كان ذلك بمثابة فرصة تاريخية لا تعوض .. كانت فترة غنية المعنى، وكان من واجبي ان اكتشف عمان على حقيقتها، فلدينا متسع من الوقت ، وبهمة الاصدقاء سوى نرى مايجب ان نراه.
كانت اول طلة على خارج العاصمة حين حملني صديق الى ابعد من مدينة نزوى الجميلة موقعا وتاريخا، الى قرية جبلية هي مسفاة العبريين عاش فيها الانسان العماني عبر تواريخ قديمة .. لكن الرحلة على جمالها ومقصدها، الا اني انبهرت بالجمال الطبيعي للتضاريس التي واجهتنا فيها .. لشبكة الطرقات المدروسة التي كم كان صعبا شق الجبال الهائلة لتمريرها وكم هي التكاليف الباهظة لتحقيق مشاريع كهذه .. وقد عرفت لاحقا او رأيت بنفسي مشاهد مشابهة وكل المشاهد العمانية متشابهة تقريبا في حفر الجبال من اجل ربط الوطن ببعضه تحقيقا لتلك الاخوة العمانية. واذكر اني قطعت الطريق بين مسقط ومدينة صور فلم ار في حياتي مشاهد جمالية صنعتها الطبيعة كما رأيت، اكاد احيانا لا أصدق انها ليست من صنع نحات ماهر تمكن من اللعب الفني بهذا الشكل .. ولأني مثلا اعرف اهرامات مصر، وانها من العجائب كما هي حال آثار مدينة البتراء في الاردن، فإن في سلطنة عمان مشاهد مختلفة لم يمسسها انسان، ولدت مع الارض واستمرت جمالا عبر التاريخ لايضاهيه اي جمال.
زرت المدارس والمستشفيات، من بلد لم تكن فيه سوى 900 طالب وثلاث مدارس فقط حتى عام 1970م، الى وطن كل عماني فيه متعلم ودارس وعارف، المتعلمون لا احصاء لهم والخريجون ايضا، ومن جمال ما رأيته ذلك الخليط من الجنسين الذاهبين الى التعلم في المدارس وكذلك الحال في الجامعة بل في الجامعات، بل وجود الفتيات في اماكن عمل متعددة، وفي قيادة السيارة، كما تجدها تحتسي القهوة مع رفيقات لها في مقهى، انها الحرية التي وهبت لهذا الشعب واعطيت له فصانها وحملها ارثا وجيلا بعد جيل اضافة الى تمسكه بعاداته وتقاليده وارثه الاسلامي، انها النهضة المعجزة التي اخرجت قوة هذا الشعب وفجرتها عملا وعرقا وتصنيعا وتحقيقا للذات. اما المستشفيات فهي بين نصف مستشفى تحفل به كل عمان في مدنها وقراها وأريافها، الى المستشفيات الكبيرة الضخمة التي تحوي ابرز المعدات والتقنيات وترى فيها الطبيب العماني في اعلى نجاحاته المهنية، اضافة الى الاهتمام الاقصى بكل مريض مهما كان. ففي عمان كل يعمل وكل ينتج، وقلما تجد مثلا في بلدان الخليج العربي من يعملون من ابناء البلد، فيما نسبة البطالة بين العمانيين لا تذكر بل هي معدومة، والبارز في هذا المجال سيارات التاكسي التي يقودها عمانيون .. هذا الوطن الذي يضم كل الكفاءات المنوعة لايمكن الخوف عليه، ليس هنالك عمل مخجل كما تقول النظرية، بل هنالك اناس مخجلون بكل أسف.
وماذا اتحدث عن عمان، عن سر علاقة بيني وبينها، كنت كلما مررت بمبنى الاوبرا ترن في اذني كلمات كثيرين عن علاقة السلطان المفدى بالموسيقى وعن شغفه بها .. حين دخلت لمشاهدة احد العروض فيها، انتابتني مشاعر عظمة، فهنالك فرادة في الجمال الداخلي تأسر العين والوجدان. في كل ليلة من ليالي عمان هنالك فن قيم تحتضنه الاوبرا وترى فيها حضورا يعطي انطباعا بثقافة هذا الشعب وحبه للفن ولقيمته في المجتمع .. لعل من الصفات التي تقال عن المجتمعات المتقدمة انها عاشقة للفن بكل انواعه، ويجري التركيز في تلك البلاد المتقدمة على انواع الفنون ففيها اعلاء للنفس ومتعة وثقافة في آن.
سلطنة عمان اذن لوحة من الحرية والتقدم والعمران المدروس الخالي من البهرجة لكنه ابن بيئته كما اراده السطان قابوس، مما يؤدي ايضا الى تلك المقاييس الجمالية التي تنفرد بها مسقط بطبيعة الحال لكنها متوفرة ايضا حتى في الارياف والقرى وغيره من المدن الكبيرة والصغيرة.
لا يشبع المرء من عمان، فكيف اذا استمع الى موسيقاها الشعبية والفولكلورية التي لكل مكان فيها لحنه الخاص المتمايز عن غيره، ولهذا تكون عمان اشبه باوبرا في الهواء الطلق تنطق فيها الالحان على مدار الساعات وفي اماكن مختلفة منها. تماما مثلما هي متحف في الهواء الطلق ايضا نظرا لما تحويه من كنوز وآثار تدل على انها كانت مسرحا للانسان ماقبل التاريخ الى يومنا هذا.
كثيرة هي مزايا السلطنة، جنة بجمال طبيعتها، وجنة بإنسانها الطيب المستقر الهاديء والمتزن، ولذلك من الصعب ان ترى اشكالا بين الناس فيها، او تسمع كلاما خارج التهذيب البشري. عمان اذن مرآة للصفاء الانساني في اروع صوره، غرست فيها النهضة المباركة كل الحقائق الموضوعية التي يعيشها انسانها، وهي على تطور وتطوير دائم لأن لدى انسانها الاستعداد الثابت بأن لا يجف عرقه قبل ان يصنع منها لؤلؤة الدنيا.

إلى الأعلى