الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نتنياهو “يجبي” ثمن بكارة إسرائيل

نتنياهو “يجبي” ثمن بكارة إسرائيل

علي عقلة عرسان

بدأ نتنياهو يجبي ثمن ما سماه صحفي صهيوني “بكارة إسرائيل”، عندما كان تبادل الكلام على أشده بين المسؤولين الأميركيين والصهاينة حول اتفاق فيينا الخاص بالملف النووي الإيراني. في ذلك الوقت كان نتنياهو، الواثق من أن الاتفاق هو اتفاق دولي، وأنه لا يستطيع منعه ولا تعطيل مصادقة مجلسي الكونجرس الأميركي عليه، ومن ثم هو اتفاق في مصلحة “إسرائيل” أصلًا.. في ذلك الوقت كان نتنياهو يرفع من قيمة الثمن “المالي والسياسي” الذي سيجبيه من معارضته الشديدة للاتفاق. وقد أصبح الاتفاق واقعًا، وتمت المصادقة عليه، وبدأ تنفيذه عمليًّا.. وقد جاء وقت جباية الثمن، “ثمن بكارة إسرائيل” كما قيل في ذلك الوقت، وكأنما للبغي بكارة؟!
في لقائه الأخير، مع الرئيس أوباما، الخميس ٩/١١/٢٠١٥، بدأ الكذاب الأشر نتنياهو، نوعًا معروفًا من الخداع، ظنه جديدًا يخفى على أوباما، الذي ظهر بحكم المضطر للإصغاء والقبول، لأنه يريد صفقة سياسية، تضمن لحزبه وقوف اليهود إلى جانبه في الانتخابات الأميركية القادمة “نوفمبر ٢٠١٦، وقد أدرك أنه لن يحقق ما قطعه من وعود بالتوصل إلى حل لقضية فلسطين، وفق ما عُرف بـ”حل الدولتين”، في المدة المتبقية من حكمه، ونضجت لديه رؤية كانت “بَغْوًا” في بداية ولايته الأولى، حين حاول أن يوضح للإسرائيليين والأميركيين أن مصلحة “إسرائيل” تكمن في حل يدخلها الوطن العربي والعالم الإسلامي من باب واسع.. فإسرائيل ليست مستعدة لذلك لا سياسيًّا ولا أيديولوجيًّا ولا مجتمعيًّا. وربما يفصح أوباما عن الكثير بعد أن ينهي ولايته، ويكتب مذكراته.
في اللقاء الذي تم في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض يوم الخميس الماضي، ادعى نتنياهو أن أوباما جيد، بعد أن كان يحمله كراهية وعداء لإسرائيل، ويقول عنه هو وجماعته إنه “معادٍ للسامية”؟!، وتلك تهمة صهيونية جاهزة تطلق على كل من لا يخضع، ولو رفع نظره فقط بوجه مطلب صهيوني وقح. وقال نتنياهو أيضًا إن الاجتماع مع الرئيس أوباما كان أكثر من جيد ومثمر. وفي منحى آخر للكذب والخداع والمكر السياسي، قال لأوباما: “إنه يؤمن بحل الدولتين”، وهو الحل الذي سبق أن أعلن نتنياهو وقوفه ضده في حملته الانتخابية الأخيرة، وكان قبل ذلك قد أعلن قبوله ذلك الحل، في خطابه في جامعة “بار إيلان”؟! فأي نتنياهو نصدق، وهو الكذب بعينه؟! إن نتنياهو يكذب كما يتنفس، ويتلوَّن أكثر من حرباء، ويستخدم قوة الضغط الصهيونية العنصرية، في الولايات المتحدة الأميركية، استخدامًا ذكيًّا لمصلحته، ومصلحة حزبه، ولجهة تكريس ما أصبح بحكم الحقيقة السياسية، من حيث إن “إسرائيل لا تُسأل عما تعمل”. ونتنياهو في البيت الأبيض يقبض ثمن التنفس، والتلون، والكذب، والخداع، وما سُمي “ثمن بكارة إسرائيل”: مبالغ مالية طائلة، ومساعدات عسكرية واقتصادية هائلة، ودعمًا غير محدود للممارسات العدوانية ـ العنصرية، وإرهاب الدولة، والسياسات الاستيطانية التي يقودها، ولتهويد القدس، وقتل الفلسطينيين حتى وهم على أسرة الاستشفاء في المشافي، والتوسع على حساب كل ما تبقى للشعب الفلسطيني من أرض ووجود، في وطنه الأصلي فلسطين.
في اللقاء الأخير، بين المسؤولين الأميركي والإسرائيلي، تم تبادل النفاق بصورة فاقعة وصارخة وفائقة الإتقان، وتجرّع أوباما على مضض الكذب والخداع، بغصص لا تخفى على المتابع، أما نتنياهو الذي يعرف ما يفعل، ويعرف لماذا استقبله أوباما بعد رفض؟ ولماذا يضطر اليوم لاستقباله.. كما يعرف من جهة أخرى، أن موسم حصاد ما زرعه من معارضة للاتفاق حول ملف إيران النووي، قد آن؟!.. فلم يفوّت الفرصة الذهبية، وأكد لأوباما على مطالب صهيونية قديمة، وأضاف إليها الجديد: وقد أفصح هو عن بعض من ذلك بلسانه، في كلمة له أمام مؤسسة “أميريكان بروجرس” في واشنطن، بعد لقائه مع الرئيس أوباما، حيث قال: “إن إسرائيل تريد اعترافًا بدولة يهودية تضم اليهود، وإقرارًا فلسطينيًّا بالحاجة إلى اتخاذ إجراءات أمنية، وبأن تخضع القدس الشرقية والحرم للسيادة الإسرائيلية، وأن تضم إليها ما يصل إلى ٨٠٪ من مساحة الضفة الغربية، بما في ذلك المستوطنات التي بنتها مخالفة لأي اتفاق أو قرار دولي.. هذا إضافة إلى المطالب القديمة التي اعتبرها نتنياهو مسلمات، أو أنها غير قابلة للنقاش أصلًا، ومنها: “دولة فلسطينية منزوعة السلاح، تحت السيطرة الكاملة لإسرائيل، بلا حدود مباشرة مع أية دولة عربية، ووجود عسكري إسرائيلي على الضفة الغربية لنهر الأردن.. وقبل ذلك وبعده إسقاط حق العودة والمطالبة بتعويضات، وأية شكاوى وملاحقات لدى محكمة لاهاي.. إلخ؟! وليس هذا فقط، بل ينبغي أن يتضمن، كل اتفاق مشترك يتم، ما يضمن قدرة إسرائيل على الحفاظ على أمنها في مواجهة الأخطار، ويشمل ذلك الأراضي التي قد تُسلِّمها للفلسطينيين”، أي تلك التي يقيمون فيها الآن؟! ولم ينس نتنياهو المطلب الكبير المستجد، الذي روج ويروج له مع وزراء وجنرالات وسفراء وكتاب وإعلاميين صهاينة، وهو موافقة الدول، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، على أن إعطاء الجولان السوري المحتل، لإسرائيل، لا سيما بعد المتغيرات في سوريا؟! أي عدم قدرتها على تحرير الجولان، بعد ما لحق بها من خراب شبه تام. وكان قد ذكر شيئًا من هذا في أثناء زيارته لموسكو، بعد التدخل الروسي في سوريا. وقد قال نتنياهو للرئيس لأوباما، بهذا الصدد: “إن الوضع في سوريا “يسمح بالتفكير بطريقة أخرى” في مكانة هضبة الجولان المستقبلية”؟! ولم يُعقِّب الرئيس الأميركي على هذا الطلب. لكن المهم عند نتنياهو إضافة إلى كل هذه المطالب: “التزام الرئيس بمساندة أمن إسرائيل للأعوام العشرة المقبلة، وبأن تتمتع بالتفوق العسكري”؟!
لقد حصل نتنياهو على وعد رئاسي أميركي، لا يمكن أن يُنكث بتقديري، كما يتبين من التاريخ، بـ:”خمسة مليارات دولار سنويًّا، مساعدة لمدة عشر سنوات، ومساعدة لاستمرار بناء القبة الحديدية وتطويرها، ومساعدات اقتصادية أخرى، ووعد بحاملة طائرات، ومقاتلات أميركية من طرازF 35
وفي هذا اللقاء، كان الرئيس أوباما حريصًا على أن يؤكد علنًا على أن “أمن إسرائيل يمثل إحدى أولويات سياستي الخارجية، وتم التعبير عن ذلك بالأفعال لا بالأقوال وحدها”. وفي تقدير الرئيس، وغايته من هذا التأكيد، أن يسمعه إيباك، وأن يسمعه الجمهوريون الذين يتهمونه بعدم مناصرة إسرائيل مناصرة كافية، وأن يسمعه الناخب الأميركي، واليهود وإعلامهم وأصحاب الأموال منهم.. لا سيما في هذا الوقت، أي قبل الدخول في التنافس الشديد، بين الجمهوريين والديمقراطيين، على الرئاسة والعضوية في مجلسي الكونجرس، في الانتخابات القادمة نوفمبر ٢٠١٦. وقدم نتنياهو الشكر لأوباما على ذلك الالتزام، كما نقلت وكالة رويترز. وسارع الوزير جون كيري، بعد ذلك، إلى القول: “دعمُنا لحلم وأمل إسرائيل لن يتغير”؟! يا الله كم هي وسخة السياسة بلا أخلاق، وكم هي عفنة وغير إنسانية، سياسة المصالح، وممارسات العنصريات البغيضة؟! وكم هي منافية للأخلاق والقيم كافة، لا سيما الإنسانية منها، مواقف وسياسات وأيديولوجيات تقوم بما تقوم به، وتتم على حساب العدالة، والحقيقة، والمبادئ، والحرية، والمعاناة البشرية؟! وكم أتمنى، لو أنه يكون لدى مَن يحسنون القراءة والاستنتاج، من المسؤولين العرب وتوابعهم، الرغبة في/والجرأة على أن يقرأوا عبارة السيد كيري هذه، ويستنتجوا منها، ويبنوا عليها، بعد أن يسأله سائلهم، أو يتساءل: عن مدى “الحلم والأمل” اللذين للكيان الصهيوني ـ العنصري ـ الإرهابي؟! وعن مدى وثمن تحقيق ذينك الحلم والأمل الصهيونيين اللذين لم يتغير الموقف الأميركي منهما، ولن يتغير..؟! وإلى أي حد يمكن أن يصل الكيان الصهيوني العنصري في القتل، والطمع، والجشع، والتوسع، والإبادة المنهجية، والإرهاب، إرهاب الدولة العنصرية بامتياز، حتى يعلن الأميركيون وسواهم من مؤيديه، أنه تحقق وبلغ مداه؟! وأنه بلغ من “القوة المفرطة”، والقدرات التدميرية النووية وغير النووية، ما تجب معه المساءلة، أو عدم التأييد الأعمى، وإطلاق اليد في دماء الفلسطينيين والعرب؟! على أنني لا أكلف مسؤولًا عربيًّا، يملك قراره وما يمكِّنه من تحويل المادة والقدرة، بالإرادة، إلى فعل.. لا أكلفه أن يُعدَّ نفسه ودولته، أو يساعد غيره من العرب والفلسطينيين المهددين بالإبادة والإرهاب الصهيونيين، على الدفاع عن النفس والحق والمقدس، ولا عن غير ذلك مما يستحق الدفاع عنه.. لا أفعل، لأن التجارب الماضية، وتلك الجارية حاليًّا في وطن العرب المصاب بالمحَن والفتن والشجن، طوال عقود من الزمن وسنوات مرة تعادل الواحدة منها عقدًا بل عقودًا منه، رسخت لدى كثيرين أنه “لا فائدة”؟! ومن نعم الله على الناس أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
لقد انتهى المشهد في واشنطن، وعاد نتنياهو المجرم العنصري الإرهابي الكذاب، إلى فلسطين المحتلة، مدججًا بالحقد والسلاح، ومزودًا بالوعود والمال والدعم غير المحدود، وبغير ذلك مما خفي وعَظُم.. عاد وفي جيبه ما يرى أنه التفويض المطلق، بعمل ما يريد، ضد الشعب الفلسطيني، بذريعة القضاء على “إرهاب السكاكين”، وقتل “المخربين؟!” وسجنهم، حتى لو كان عمر الواحد منهم ١٢ سنة فقط، بالاشتباه، أو بذريعة إلقاء حجر على مصفحة عسكرية، ودبابة ميركافا؟! ومن يسمى “مخربًا” في فلسطين، يُقتل على “الاشتباه” بأنه مخرب، ولا يحاسَب من قتله، لأن القاتل الصهيوني المسلح، يدافع عن نفسه ضد شُبهَة؟! أما من هو المخرب، حسب التعريف الرسمي ـ الإسرائيلي ـ العنصري، فهو العربي، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، في الثمانين من العمر أم في العاشرة منه؟! وهو، كما قالت الصحفية الإسرائيلية عميرة هاس، في تعريف مستقى من الواقع والوقائع والممارسات الصهيونية اليومية في فلسطين المحتلة.. فهو “فلسطيني قُتِل من قبل مسلحين إسرائيليين، وتقرير الجيش يقول إنه مخرب”. نقطة ومن أول السطر؟!
إن نتنياهو، وحكومته، وحزبه، والمجتمع العنصري الذي هو منه وفيه ـ إلا من رحم ربك من أولئك، وهم أقل من القليل ـ ومن يقف خلف أولئك ويدعمهم، يفعلون ذلك الفعل الشنيعَ “القتل”، في مسلسل إبادة منهجي طويل ويطول، مسلسل قائم على الكراهية، والحقد، والعنصرية البغيضة، تحت ذريعة “من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها”؟! كما يقول ذلك مسؤولون غربيون خصوصًا، ومعهم دول أخرى كثيرة، وحتى سياسات عربية ترفع أصواتها ورؤوسها من خلال فضائيات، وصحافة، وأقلام..إلخ، وكأن هناك تهديدًا لمن يحتل فلسطين منذ عقود، ويمارس فيها أنواع الإرهاب والإبادة والتعذيب، ويطرد شعبها منها، وينتهك كل مقدس للمسلمين فيها، ويستولي على كل ما يملكه أهلها، عبر تاريخهم الطويل، في أرضهم التاريخية، التي لا وطن لهم سواها؟! وكأنه، من جهة أخرى، ليس من حق ضحايا العنصرية الصهيونية من الفلسطينيين، أن يدافعوا عن أنفسهم، بل وليس من حقهم أن يعلنوا عن ذواتهم، وهوياتهم، وانتمائهم وقضيته، وعذابهم، في الوقت الذي يتعرضون فيه للذبح، على أيدي الصهاينة؟!
ليس لنا أن نغرق في الشكوى فقط لا غير، ولا أن نعُبَّ من آبار الألم واليأس حتى تقبَّ أضلاعنا، ونرتمي في الدروب بقايا شعوب.. وليس لنا أن نستسلم لما يُراد أن يُفرَض علينا الاستسلام له، بوصفه قدَرًا إلهيًّا مقدورًا، أو مصيرًا نهائيًّا محصورًا!! وليس لنا أيضًا أن نخلي الأنفس من العزم، ولا الأرض من الأذرع والإرادات، ونتفرق في بقاع الأرض، تحت كل غيمة، لكي نخلي الأرض التي هي وطننا للعدو الذي غلَبنا عليها، وجعلنا ندفع ثمن التفكير في البقاء فيها، بَلْهَ التفكير بتحريرها.. ذلك لأننا إذن فعلنا ذلك، وسلمنا بأنه القدَر المقدور، والحل الوحيد، والإمكانية المتبقية.. فإننا إنما نغرس في عمق قلوبنا سلاحًا فوق سلاح العدو المحتل، ونساعده على تحقيق أهدافه العدوانية، ودناءاته التاريخية. إن الثمن الذي ندفعه اليوم أكثر من فادح، والوضع الذي نحن فيه أكثر من فاضح.. ولكن هناك طرقًا، وليس مجرد طريق واحدة، للخروج من ظلمة اليأس وبؤس الظلم، إلى نور الأمل والقوة والقدرة على العمل.. وأول خطوة تجلو لنا طريقًا، وتفسح مجالًا للأمل، هي أن تتحد قوانا، ونحدد خيارنا، وتجتمع قلوبنا وعقولنا على هدف، بإيمان وثقة وصدق وعزم.. وخيارنا المنشود ليس هو الاستسلام بكل تأكيد.. ومن ثم علينا أن نعمل على تحقيق خيارنا وتعزيزه بوعي وعلم ومسؤولية جماعية، معتمدين على الله وعلى أنفسنا.. إذ ليس لنا إلا أنفسنا. فهل إلى اتفاق على خطوة في طريق واضحة، تفضي إلى الأمل، والعمل، والحياة الكريمة من سبيل.. خطوة يستمع لوقعها إليها الأصم، على طريق يتبيَّنها الأعشى.. نحو هدف يحترمه الأحرار أبناء الحياة، والمؤمنون بالله، والوطن، والعدل، والحرية، والحق في الحياة.؟!
لن نفقد الأمل.. لن نفقد الأمل.

إلى الأعلى