الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نتنياهو المتغطرس وأوباما المتسامح!

نتنياهو المتغطرس وأوباما المتسامح!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

كل رحلة نتنياهوية إلى واشنطن يسبقها عادة جدل تثيره داخل الكيان الصهيوني. قد لا يُلتفت إليه كثيرًا في الولايات المتحدة، لكنما تكون له عادةً أصداؤه الإيهامية المستحبة والمتكررة في الجانب العربي. وإذ لا يطول، إذ سرعان ما يخبو بانقضاء الزيارة لديار السيد والحليف الداعم الضامن، وحتى بعيد وصوله، أو بدايتها بقليل، وتتلاشى أيضًا دروس حدوده وتنسى عربيًّا بانتظار رحلة أخرى. أما مادته فهي هي دائمًا، نقاش يتمحور حول ما إذا كانت عنجهية نتنياهو الزائدة، بل المتطاولة أحيانًا، في تعامله مع ولي نعمته الأميركي، والمتسببة وفقما يقال بما ينعتونه انعدام الكيمياء بينه وبين سيد البيت الأبيض في سنته الأخيرة في المكتب البيضاوي، سوف ترتد سلبًا على مأمول وفرة غنائمه المبتغاة من هذه الرحلة التي لم يرتحل إلا بنية العودة مثقلًا بها.
في الرحلة الأخيرة أيضا تمحور غالب النقاش حول ذات الخشية من عواقب ذات التعامل مع ولي النعمة، والذي فوق فجاجته لا يوفر تدخُّلًا في شؤونه الداخلية، على بارمومتر ارتفاع أو انخفاض ما يفترض أن يعود به من فيئها، وأقل من قليله على رسوخية العلاقة واستراتيجيتها بين الطرفين. أما غنائمها المنتظرة فمعلنة سلفًا وقبل أن يتجشَّم المرتحل عناء الارتحال، وتندرج تحت عنوانين يختلفان شكلًا لا مضمونًا هما المساعدات والتعويضات. المساعدات، المطلوب زيادة جاريها من ثلاث مليارات دولار سنويًّا إلى خمسة مليارات، والتعويضات، التي تعني المزيد من الضمانات، والالتزامات، والمستجد من الأسلحة فائقة التطوُّر، ومنها، 33 طائرة مقاتلة من طراز “f35″ الأحدث والأكثر تطوُّرًا، ومروحيات “في 22 اوسيري”، وصنوف من الذخائر عالية الدقة، والقنابل المضادة للتحصينات، كعيِّنة من رزم المساعدات المفترضة للعشر سنوات القادمة، والتي من المقرر بحثها على خلفية الاتفاق النووي الإيراني، كترضية للحليف المدلل وتعويض عن إبرامه.
كان أبرز مواضيع الجدل، أو مثار ولولة المشفقين على مدى نجاح استهدافات الرحلة النتنياهوية، أو الحريصين على عدم تأثير غطرسة صاحبها على حصاد طموحاتها، هو قرار نتنياهو غداتها تعيين ران براتس مسؤولًا عن الإعلام في حكومته، رغم تصريحات الأخير التي سبقت هذا التعيين، والتي اتهم فيها أوباما بمعاداة السامية وشهَّر بوزير خارجيته كيري، لدرجة استفزت نائب الرئيس بايدن، القائل ذات يوم إن “والدي أشار إلى أنه لا يُشترط بي أن أكون يهوديًّا لأصبح صهيونيًّا، وهذا أنا”، ليعتبرها رغم وصية أبيه “مهينة، ومؤذية، ولا يمكن التسامح معها”!
لكن نتنياهو، وكما فعل بعيد غزوته الشهيرة للكونجرس متحديًا أوباما وليحول بينه وبين إتمام الاتفاق مع طهران، وسائر ما سبق ولحق مما يصعب تسامح بايدن معه من المهين والمؤذي للإدارة والمصالح الأميركية، هدَّأ من روع صهاينته وطمأنهم إلى أن العلاقة شبه العضوية بين الولايات المتحدة وإسرائيلها لا يمكن أن تتأثر بهكذا أمور، ولا علاقة لها بالكيمياء، أو بالأشخاص، أو الإدارات، وتوجَّه إلى واشنطن حاملًا مطالبه وابتزازاته، أو كما درج عليه من ذي قبل، ولم يتراجع عن تعيينه لبراتس، ولا عن نبرته وأساليبه في مقاربة العلاقة مع حليفه، التي يخشى لائموه مما قد ينعكس عليها سلبًا لمصيريتها بالنسبة لكيانهم.
حين توجَّه نتنياهو إلى الولايات المتحدة لم يمسح يديه مما تلطخت به خلال شهر واحد فقط من دماء العرب الفلسطينيين… أكثر من سبعين شهيدًا، أغلبهم أُعدم ميدانيًّا، أو بحجة الاشتباه، وأكثر من سبعة آلاف جريح، وما فاق الألف معتقل، ومنهم الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم الثالثة عشرة، كما سبقته، بعد أن طافت أرجاء العالم على وسائط التواصل الاجتماعي، صور وفيديوهات تعذيب الأطفال الفلسطينيين المريعة. بيد أن أول ما سمعه من أوباما هو إدانة المسفوح دمهم والمُنكَّل بهم وتبرئة جلاديهم وحثهم على ارتكاب المزيد… قال أوباما: “أريد أن أكون واضحًا في أنني أُدين بأشد العبارات العنف الفلسطيني ضد المواطنين الإسرائيليين الأبرياء، وأود أن أكرر القول بأنني مؤمن بأنه ليس من حق إسرائيل فحسب، وإنما من واجبها أن تحمي نفسها”!
أما بشأن المساعدات والتعويضات فماذا يريد نتنياهو أكثر من تأكيدات أوباما: “وكما قلت دائمًا، فإن أمن إسرائيل هو أولوياتي في السياسة الخارجية، وقد عبَّرت عن ذلك ليس فقط بالكلمة، وإنما بالأفعال”، وزاد فأوضح بأن المساعدات العسكرية الأميركية للكيان الصهيوني هي بالنسبة له “جزء مهم من البنية التحتية الأمنية للولايات المتحدة في المنطقة”، وعليه، “لدينا تعاون وثيق على المستوى العسكري والاستخباراتي لم يسبق أن شهدنا مثله خلال الإدارات السابقة”… باختصار كان يقول لنتنياهو على الرحب والسعة، وإن أصدقاءك الجمهوريين لن يكونوا أكرم من إدارتي معك!
مشكلة التسوويين العرب والفلسطينيين أنهم ما انفكوا يسيرون على رتم ما ابتدعه لهم السادات ذات يوم أسود أطلق فيه مقولة أرَّخت لذبح الإرادة السياسية العربية، ذلك برفعه لشعار 99% من أوراق الحل في يد أميركا”، ليخلعوا من ثم على أميركياهم، تحللًا من التزاماتهم القومية تجاه قضيتهم المركزية في فلسطين، أوصافًا ظلت تثبت لهم أنها براء منها، من مثل: “الوسيط النزيه”، و”راعي السلام”، أو ما أوصلهم فأوصلوا معهم القضية والأمة إلى ما هما عليه… مثلهم لا يملكون إلا أن يظلوا المراهنين على عدالة الكيمياء المفقودة بين أوباما ونتنياهو، متجاهلين أن عدوهم الرئيس هو من يدينهم وهم الضحية لأن جلاَّدهم “جزء من بناه التحتية الأمنية” في المنطقة.

إلى الأعلى