الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رمّانةٌ للظّلام

رمّانةٌ للظّلام

القصة الحاصلة على جائزة راشد بن حميد الأولى للثقافة والعلوم

ما من شيء يفعله إسماعيل عصرًا سوى الخروج إلى فناء المنزل الخلفي، واللعب وحيدًا، حتى تضع الشمس حُمرتَها وتستعد للسهر بعيدًا عن سمائه التي يُحبها زرقاء.
ربما لم يعد شغفه بالمكان كما كان في السابق؛ فقد بات الوضع مختلفًا بعد الخيبة التي أصابته إثر اختفاء جميع الرمانات من الشجرة التي تنتصف الفناء. كان يحلم بجمعها وأكْلها مع والديه وإخوته في صحن واحد. سيتفاخر وقتئذ برمانات شجرته اللذيذة، التي اعتنى بها. كلما يعود من المدرسة في الظهيرة وقبل أن يدخل المنزل، يطوف حول شجرة الرمان، يغازل الزهور، ويوبخ الشمس حين تذبلُ زهرة. يعد الرمانات الغضة، ويبحث عن خجلٍ في خدودها.
في المدرسة أخبر معلم العلوم عن شجرة الرمان الحامل في فناء منزله. ابتسم المعلم وأجاب أن الأشجار لا تلد بل تُثمر. رسم أجزاء الزهرة، وبدأ يشرح وظائف كل جزء.
ينط إسماعيل فرحًا كلما نضجت رمانة. يصيح على إخوته لقطفها؛ فالشجرة عالية وهو لا يطولها. ينتظر وينتظر أمام الصحن والسكين، ثم لا يجد في أيديهم بعد ذلك شيئًا. يسأل عن الرمانة فيخبرونه أنها مليئة بالدود. لكنه يعلم أين تختفي رماناته في كل مرة يرى فيها شفاه وأصابع إخوته وقد صُبِغت بعصيرها الأحمر. عندما يواجههم وهو محتمٍ بظهر والده؛ خوفًا من عقابهم ينكرون، فلا يمتنع عندها عن وصفهم بالجشع والأنانية.

كان حلم إسماعيل بالرمان يفوق كل حلم. اليوم الذي فقد فيه كل الأمل سيظل في ذاكرته كالوخز. يوم اكتشف أن الشجرة لم تعد تحمل سوى رمانة أخيرة، انطلق لجلب كرسي يصعد عليه فيقطفها وتكون من نصيبه. أخذ يجر الكرسي الثقيل ويتعثر، ينهض من جديد فيتعثر حتى صار تحت الشجرة. صعد على الكرسي، وقف على أطراف قدميه، مد يده إلى أقصاها… لكن الرمانة كانت لا تزال بعيدة.
زفرَ يائسًا ولم ينتبه إلى أخيه الأكبر يقترب من خلفه ليقطف الرمانة في لحظة منتشيًا وهو ينادي زوجته لترى ما يحمل في يده.
شيع إسماعيل رمانته التي تبتعد خطوة تلو خطوة وأقسم أنه لن يقترب مجددًا من تلك الشجرة التي ما عادت تحمل سوى الذكريات البائسة. انزوى واجمًا في ركن المنزل ولم يجد سوى البكاء يغسل حسرة نبتت في قلبه.
الوقت يمضي وإسماعيل ما زال يلعب، تارة يراقب حروبه التي يُجريها بين فصائل النمل، ويقود تارة دراجته حول المنزل. سيلعب الآن بالكرة. وقف في منتصف الفناء، قذف بالكرة عاليًا، سقطت أسفل شجرة الرمان.
شعر بغصة وهو يسير لجلبها. مضت مدة ليست قصيرة منذ أن أقسم على عدم الاقتراب من تلك الشجرة. شجاعة أن يسير في درب اقتاد حلمه للفشل مرة، لكن اضطراره للسير في درب أمات حلمه هو أمر مؤلم. قاوم ألمه ومضى…
حين أصبح أسفل الشجرة مباشرة وقبل أن ينحني للكرة، رفع عينيه للأعلى ينظر للشمس، لكنه شهق حين لمح رمانة حمراء يانعة بين الأوراق!.
لم يصدق، بلع ريقه، واتسعت حدقتا عينيه. ظل يحملق في الرمانة الحمراء المنسية ويتساءل، كيف لم يرها من قبل؟ أيعقل أن الشجرة خبأتها ردًا للجميل الذي صنعه لها؟
بدت الرمانة شهية ومغرية كأغنية تلف موسيقاها حول جسد إسماعيل فيرتعش، سال لعاب فمه الممتلئ رغبةً، رفرفت عيناه كفراشات حول قنديل متوهج، أنتِ اليدان: الانتظار شكلُ للألم، ناحت القدمان: والمسافة نصلُ حاد.
يريدها. يجب أن تكون هذه الرمانة من نصيبه.
حين تصبح بين يديه، سيخبرها أنه انتظر هذه اللحظة طويلًا، سيفصِح أنه سامح إخوته حين لم يشركوه في اللعب معهم؛ لأنه أصغرهم، عفا عنهم حين أخرجوه من الغرفة ليجلس وحيدًا في الممر الضيق كي يتسنى لهم الحديث في مواضيع الكبار، يسامحهم حين يتنمرون ولا يقيمون لأحاديثه ورغباته أي اعتبار، لكنه لم ولن يغفر لهم أكلهم لرماناته.
حين تصير له، سيرميها عاليًا نحو السماء وستثق به كطفلة ترتدي ثوبًا قاني الإحمرار يداعبها أبوها، سينقش اسمه على قشرتها بأظافره، سيلصقها في أنفه ويشهق حتى يختنق بعطرها، ثم يصعد السطح متخفيًا ويأكلها بعيدًا عن الأعين.
لكن كيف يصل لها؟
الكرسي لن يفيد، والدرج الخشبي ثقيل ويتطلب إسناده إلى الجدار. الأنبوب الطويل أسفل الجدار رفيع ولا يمكن استخدامه لإسقاط الرمانة التي بدت متشبثة في غصن الشجرة كشحمة أذن.
يشتهيها بشدة. الشمس توشك على المغيب وهو لن يعود قادرًا على قطفها بعد أن يحل الظلام. ليس لأن الظلام يحد رؤيته، بل لأنه يخيفه. إسماعيل يخاف من الظلام.
أطفأتْ أمه إنارة الحمام مرة وهو بداخله. في ثوانٍ تذكر الحكايات المخيفة التي يتداولها إخوته أمامه كطريقة مجدية لمعاقبته فيما إذا لم يلب طلباتهم. تذكر الليالي التي يقضيها جامدًا في فراشه؛ كي لا تنتبه إليه الجنية حين تطل من نافذة الغرفة تبحث عن صبية لاختطافهم. تذكر حكاية الساحر الذي نصب كمينًا لصبيٍ كان يحب الطيور. لمح الصبي وهو يلعب طائرًا جميلًا، ظل الطائر يحلق على مقربة من رأسه، اتجه الطائر نحو الجبل والصبي يتبعه، ذهب الصبي ولم يعد…
تخيل إسماعيل أن جنيًا يخاتله الآن ويدخل جسده، كما حدث لابنة الجيران حين مُست وصارت تتكلم بصوت غليظ ولكنة لا تشبه لكنة أهل القرية. صرخ صرخة مدوية وركض محاولًا الهرب من مصيدة العتمة؛ لكنه انزلق على أرضية الحمام وسقط مغميًّا عليه. بعدها بقي لثلاثة أيام ينتفض كدجاجة مفصولة الرأس تحت يدي أبيه الذي يُرقيهِ بالقرآن، وأمه التي تسكب على رأسه الماء وتعقد حول رقبته التمائم.
لكنه الآن يريد تلك الرمانة قبل أن يحل الظلام.
بقي في مكانه أسفل الشجرة يفكر، يحبس لعابه ولا يتوقف عن التحديق في رمانته الشهية، القريبة كالغروب، والبعيدة كالنجمة…
سمع أصوات العصافير وقد بدأت تعود إلى أشجار السدر المحيطة بالمنزل، لوحتْ الشمسُ له فيما تغادر وتطفئ الشفق خلفها، حتمًا لن تكون الرمانة من نصيبه تحت جنح الظلام. في إحباط شديد أعطى للشجرة ظهره، يجر بؤسه ويداري غصةَ حرمان اندلعت في جوفه من جديد.
بعد صوت خطوته الأولى وهو يبتعد، تهادى إليه صوت ارتطام. التفت؛ ليرى الرمانة التي يشتهي جاثية على التربة أسفل الشجرة كجمرة مشتعلة. كان قلبه يجره للوراء على بعد شهوتين أو أدنى، لكن الظلام قد غزا المكان بشياطينه وحكاياته المرعبة، التي بدأت تطن في رأسه كالذباب. هرب مسرعًا إلى المنزل، تاركًا الرمانة للظلام.

حمد عبدالله المخيني

إلى الأعلى