الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي الفلسطيني جمال بنورة لـ ” أشرعة ” : من حق الكاتب أن يُعالج قضايا تتعلق بالمحرمات كالجنس والسياسة والدين أيضاً

الروائي الفلسطيني جمال بنورة لـ ” أشرعة ” : من حق الكاتب أن يُعالج قضايا تتعلق بالمحرمات كالجنس والسياسة والدين أيضاً

حوار ـ وحيد تاجا:
قال الروائي والقاص جمال بنورة إنّ من حق الكاتب أن يُعالج قضايا تتعلق بالمحرمات، كالجنس والسياسة والدين أيضاً. وأكد في حواره مع ” أشرعة” أن مهمة الروائي طرح أسئلة، وليس حلولاً. وعلى القارئ أن يبحث عن الحل الذي يراه مناسباً… ورأى ان الكتابة الجيدة هي التي تُعبّر عن القضايا الوطنية، وفي الوقت نفسه، لا تُهمل الجانب الاجتماعي والإنساني..منوها ان مفهومه للالتزام هو الكتابة بصدق وأمانة في التعبير عن حياة الجماهير الشعبية، والوقوف الى جانبها في الدفاع عن قضاياها الحياتية والوطنية والسياسية، متسائلا في الوقت نفسه :” إذا كنت لا ألتزم بقضايا شعبنا، وأدافع عنها.. فماذا أكتب!؟
ويذكر ان الاديب جمال بنورة قاص وروائي وكاتب مسرحي. من مواليد بيت ساحور عام 1938 . مارس الكتابة الأدبية منذ أوائل الستينات، مهتم بجمع ودراسة التراث الشعبي الفلسطيني. ترجمت قصصه الى عدة لغات (الانجليزية والألمانية والبلغارية والاسبانية). وترجمت له مجموعتان قصصيتان الى الروسية والايطالية. حائز على العديد من الجوائز.
صدر له ست مجموعات قصصية (العودة – حكاية جدي – الشيء المفقود- الموت الفلسطيني – حمّام في ساحة الدار- سراج لم ينطفىء- في مواجهة الموت- موت الفقراء) وثلاث روايات ( أيام لا تُنسى- انتفاضة – وما زال الحلم ..! ) .

* بداية، ما هي المراحل التي مررت بها في رحلتك الأدبية الطويلة.. ؟
** إذا أمكن تقسيم رحلتي الأدبية الطويلة الى مراحل، فلا بدّ ان تكون المرحلة الأولى هي مرحلة ما قبل عام 1967 ، ويمكن تسميتها مرحلة البدايات. وما يُميّز هذه المرحلة أمران، الأول انكبابي على مطالعة الأدب العربي، وعيون الأدب الأجنبي المترجم الى اللغة العربية. والأمر الآخر.. محاولاتي الأولى في الكتابة. في هذه المرحلة، كنت أتعلم الكتابة مما أقرأ.. وكلما زادت قراءاتي، زادت محاولاتي في الكتابة. وفي الوقت نفسه، وبعد عدة محاولات.. كنت أحاول النشر، ولمدة لا تقل عن خمس سنوات لم أتمكن من نشر قصة واحدة.. حتى أخذت أراجع نفسي وأفكر:” هل أنا كاتب حقيقةً أم إنسان فاشل يتوهم نفسه كاتباً؟ ” وأقلعت عن الكتابة.. حتى قالت لي زوجتي مشجعةً: ” إن ما تكتبه أفضل بكثير من بعض ما ينشر في الصحف والمجلات، وإنّ الوقت سيأتي ليعترفوا بك كاتباً. ” وسمعت هذا الرأي أيضا من بعض الأصدقاء.. وعدت أكتب بحماسة أكثر.. ولم تلبث ان انفتحت أمامي أبواب النشر.. وكان لي مساهمة مع جيل” الأفق الجديد”.
المرحلة الثانية: وتبدأ بعد حرب عام 1967، والتي أعتبرها محطة رئيسية في مسيرتي الإبداعية.. وهي بداية لمرحلة أدبية جديدة، ترصد حياة الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال. فقبل عام 1967 كنت أحاول ان أجد الموضوع الذي أكتب عنه. بعد الاحتلال تكاثرت مواضيع الكتابة أمامي. وفي هذه المرحلة صدر لي أربع مجموعات قصصية ومسرحيتان، ورواية ” أيام لا تنسى” التي تتحدث عن حرب عام 67 وما تبعها من أحداث.
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الانتفاضة الأولى التي انطلقت في أواخر عام 1987، واستمرت الى ما بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية. وسُمّي أدب هذه المرحلة بأدب الانتفاضة. وتبنّى اتحاد الكتاب الفلسطينيين نشر العديد من المجموعات القصصية، والدواوين الشعرية، وعدد من الروايات، التي كُتبت عن الإنتفاضة. ونُشر لي في هذه المرحلة مجموعتان قصصيتان، ورواية “انتفاضة” التي استوحيت أحداثها وشخصياتها مما كنت أرى وأسمع، وأشارك فيه من أحداث، ومواجهات يومية، وخاصة التجربة الفذة لمعركة الضرائب والعصيان المدني في مدينة بيت ساحور. وكذلك تجربة السجن في “الظاهرية” و” النقب” وتوثيق حادث التمرد في معتقل ” أنصار 3 ” الذي حدث في 1988، وأدّى الى استشهاد شابين من المعتقلين وإصابة العشرات منهم. اكتملت رواية “انتفاضة” في عام 96 وصدرت عن دار الشروق في عمّان عام 1998 .
المرحلة الرابعة: وهي مرحلة ما بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، استمراراً.. حتى الآن، ومروراً بالانتفاضة الثانية، التي اندلعت في عام 2000، وخلال هذه المرحلة كتبت رواية بعنوان” وما زال الحلم..! ” وتحاول هذه الرواية أن تُسلّط الأضواء على الواقع الجديد، الذي نعيشه في ظل السلطة..وهي أيضاً محاولة لاستشراف المستقبل، وتطرح العديد من الأسئلة التي تحتاج الى إجابة. وقد صدرت في عام 2010 عن دار النمير في سوريا.
خلال الانتفاضة الثانية كتبت مجموعة قصصية تدور أحداثها حول الانتفاضة، وصدرت في عام 2006 في كتاب بعنوان” موت الفقراء”. كذلك صدرت لي مسرحيتان الأولى بعنوان “الحلم والحقيقة” وهي تتناول حياة شاب أصيب بإعاقة جسدية خلال الانتفاضة قيّدت حركته ومنعته من ان يعيش حياة طبيعية كما يحب، ولكنها لم تُفقده الأمل في المستقبل. أما الثانية وهي بعنوان ” الحياة والموت” فهي محاولة للولوج الى عالم الأموات، وكشف أسراره، وما يخبئه هذا العالم من أحداث عجيبة.
أما عن المقارنة بين كتاباتي في الماضي وأعمالي الأخيرة، فانا لا أريد ان أقوم بدور الناقد.. وليس هذا مطلوباً مني. فالقارئ العادي يلاحظ الفرق بين ما كتبت سابقاً، وما أكتب اليوم.. فمنذ بدأت الكتابة، كنت أعمل باستمرار على تنويع المواضيع التي أكتبها، وتطوير أسلوبي في الكتابة بحيث يتلاءم مع الموضوع الذي أكتبه. ومحاولات التجريب والتجديد واضحة في كتاباتي، ويمكن ملاحظة ذلك في مجموعة ” موت الفقراء” وفي رواية ” وما زال الحلم..! ” ومسرحية ” الحياة والموت”.

* مَن يقرأ أعمالك ( القصصية أو الروائية) يلحظ أنك أسير الجو الفلسطيني، مع أنّ الحياة بمفهومها الإنساني أكبر من ذلك. أليس للموضوعات الأخرى نصيب من تفكيرك اليومي، لقطات الحياة اليومية، نماذج إنسانية أخرى، تجاربك الشخصية وغيرها..؟
** الكتابة الجيدة هي التي تُعبّر عن القضايا الوطنية، وفي الوقت نفسه، لا تُهمل الجانب الاجتماعي والانساني..في كل قصة وطنية أكتبها، لا أتجاهل الهم الإنساني، فأحاول ان أمزج بين القضية الوطنية، والقضايا الإنسانية والاجتماعية.. ولكن الهم الأكبر هو الهم الوطني ولا أستطيع ان أنكر ذلك، محمود درويش فطن لهذه القضية مبكراً، فمضى يبحث عن مواضيع جديدة يكتب عنها بحيث ينتقل من الأفق الضيق الى الأفق الأوسع، في أمسية شعرية له، شرع يقرأ من أشعاره الجديدة، والبعض لم يعجبه ذلك، وطلب ان يقرأ لهم “سجّل أنا عربي” وهي من أوائل القصائد التي كتبها، وأكسبته شهرة كبيرة.. والسبب في هذا الطلب أننا لا نزال ملتصقين بالهم الوطني، أكثر من أي هم آخر، ولا نستطيع الابتعاد عنه.. اكتسب محمود درويش عالميته، بعد ان انتقل في كتاباته الى معالجة مواضيع إنسانية أوسع وأشمل وأرحب، وصار شاعراً مقروءاً على مستوى العالم. في إحدى قصصي ” الشيء المفقود” أحد المعتقلين وهو صديق لي، خرج من السجن يعاني من العجز الجنسي، نتيجة التعذيب الذي تعرّض له في السجن.. كان يعاني من عذاب السجن، والآن أصبح يعاني من عذاب مختلف، فهل أتجاهل البعد الوطني للقصة، وأناقش البعد الإنساني الذي نتج أصلاً عن القضية الوطنية.. أم أناقش الموضوعين معاً ؟ وهذا ما فعلته، وأنا مقتنع بذلك.

*- من يقرأ لك يشعر بسلاسة الجمل، وعفويتها وقوتها بآن معاً، مما يخلق انطباعاً عن مدى تمكنك من اللغة وتطويعها، هل هذا الانطباع صحيح، أو أنّ وراء ذلك جهداً ومعاناة ومحاولات عديدة، قبل ظهور عملك الإبداعي؟
* سلاسة اللغة وعفويتها وقوتها لا تأتي بهذه السهولة، التي يتخيلها القارئ.. حتى إذا كان الكاتب متمكناً من اللغة، وهذه قضية أساسية، فاللغة هي أداة التعبير عما يختلج في نفوسنا من مشاعر إنسانية، وما يدور في عقولنا من أفكار. فإذا لم تكن اللغة متقنة فلا شك أنّ ذلك سينعكس على العمل الأدبي. وإذا كانت اللغة ضعيفة، فالعمل الأدبي سيكون ضعيفاً، وسيضعف ذلك متعة القراءة، وسوف يعجز الكاتب عن توصيل أفكاره إلى القارئ، فليس هناك كتابة تأتي بسهولة ويُسر. إذن فالجهد مطلوب، وإتقان اللغة والتمكن منها أيضاً مطلوب. رغم ذلك قد تحتاج إلى كتابة العمل الأدبي عدة مرات حتى تشعر أنك راضٍ عما كتبت، ثم تدفع به إلى الطباعة.

*يغلب الطابع الإيديولوجي على مجمل أعمالك.. الأمر الذي يدفعني للسؤال عن مفهومك للالتزام..وما الذي تريد ان تقدمه من خلال أعمالك بشكل عام.. ؟

** بدايةً، أنا لم أقصد أن أكتب ايديولوجيا في أيٍ من أعمالي الأدبية، أنا كنت أصوّر واقعاً نعيشه. وهذا ليس دفاعاً عن تهمة تُوجه لي.. فمن حق الكاتب ان يكتب ما يشاء، وإنما أريد ان أوضح موقفاً معيناً. فأنا لست معنياً بإضفاء هالة معينة على بطل القصة أو الرواية، وأن ألبسه زياً قد لا يناسبه، وقد لا يروق للكثيرين. إنّ ما يعنيني ان أصوّر الشخصية على حقيقتها، كما تظهر في الحياة الواقعية. أما عن مفهومي للالتزام، فهو الكتابة بصدق وأمانة في التعبير عن حياة الجماهير الشعبية، والوقوف الى جانبها في الدفاع عن قضاياها الحياتية والوطنية والسياسية، وإذا كنت لا ألتزم بقضايا شعبنا، وأدافع عنها.. فماذا أكتب!؟

*وما هو المطلوب من الأدب (قصة أم رواية) أساساً..تشخيص الواقع وطرح الأسئلة.. أم إيجاد الحلول..؟
**إذا كنت سأضع حلولاً للقضايا التي أعالجها، فما هو الدور الذي يتبقى للقارئ؟ أليس دور القارئ متمماً للدور الذي يقوم به الأديب، فأنا أطرح أسئلة، وليس حلولاً. وعلى القارئ أن يبحث عن الحل الذي يراه مناسباً..

* أيضاً.. تزدحم أعمالك عادة بالكثير من الشخصيات، ويبدو حبك لها واضحاً، أليس ذلك انحيازاً يُضر بموضوعية العمل الأدبي، كما يعتبره بعض النقاد؟
** أنا لا أقحم الشخصيات إقحاما في القصة.. ليس هناك شخصية الاّ ولها دور تقوم به في العمل الأدبي.. سواء كنت منحازاً لها أم لا.. المهم ان تقوم الشخصية بدورها.. والواقع- دون ان أقصد الدفاع عما أكتب- لست منحازاً لأحد، وليس هناك ما يضرّ بموضوعية العمل الأدبي. قد أكون منحازاً لمواقف أو قضايا معيّنة، ولكنني لا أنحاز الى الشخصية ذاتها عندما أصوّرها على حقيقتها. ما يهمني عندما أرسم الشخصية،ان تكون مطابقة لما يريده الكاتب.. سواء كان هذا الكاتب أنا أم غيري!

*- بالتالي الى أي مدى يستطيع الكاتب ان يكون حيادياً في تسيير شخصيات روايته.. وكيف ترى مسألة البطل الايجابي، والبطل السلبي، في الأعمال الأدبية..؟

** على الكاتب ان يثبت حياديته في تسيير شخصيات روايته حتى لا يُقال: ” هذا الكاتب الذي يتحدث، وليس الشخصية الروائية.” فعلى الكاتب ان يدع شخصيات الرواية تُعبّر عن نفسها وأفكارها ومواقفها، دون ان يتدخل في ذلك.. أو يضع رأيه فيما يجري من أحداث على لسان إحدى شخصيات الرواية.
أما عن البطل الايجابي والسلبي فيستطيع الكاتب ان يُعبر عما يريده من خلال البطل السلبي فيرسمه بطريقة تُنفّر القراء منه. أما البطل الايجابي، فهو ايجابي في مواقفه وأفكاره، وهو أيضاً البطل الذي يُعبر عن هموم شعبه، ويدافع عن حقوقه، هو البطل الذي يستحوذ على اهتمام القراء، وفي نفس الوقت يعبر عن طموحات شعبه في الحرية والاستقلال، ولذلك فالكاتب يرسم شخصية البطل الايجابي بطريقة تُقنع القراء بالالتفاف حوله، أو الاقتداء به.

*- تعتمد في رواياتك كثيراً على الحوارات الداخلية للشخصيات، وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق..؟
**- الحوار الداخلي يجعلنا أقرب الى الشخصية الروائية، فهي عندما تتحدث تكشف عن نفسها، وتجعلنا نتعرف عليها بشكل أفضل.
أحياناً، وأنا أراجع ما كتبته.. أقول لنفسي: هذا الذي يتحدث هو أنا، وليس الشخصية التي أكتب عنها، فأمسح ما كتبته، وأعيد الكتابة مرة ثانية، حتى أقتنع ان الذي يتحدث هو الشخصية الروائية وليس الكاتب.. ورغم ذلك لا بدّ وان يظهر الكاتب أحياناً هنا وهناك في زوايا القصة أو الرواية.
والحوار الداخلي هو أسلوب الكاتب في التعبير عن المشاعر والأفكار التي تحملها الشخصية الروائية، ويميل الكثير من الكتاب لاستعمال هذا الأسلوب.. لأن الكاتب نفسه يحس أنه أقرب الى فهم الشخصية والتعبير عما يجول في دواخلها.

* عندما تقوم بكتابة رواية.. هل تكون “الحكاية” بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك..؟ هل تعمل ” اسكتش” كما الفنانين التشكيليين..؟
** ربما بعض هذه الشخصيات، وخصوصاً الرئيسية منها، تكون حاضرة في ذهني، ولكن ليس جميعها.. حتى الشخصية الرئيسية- في مجرى الحدث- قد تتغيّر أو تتبدّل بعض أفكارها ومواقفها وقناعاتها.وكمثال على ذلك، أردت مرة ان أكتب قصة عن شخصية المستبد، وهو موظف في منصب رفيع، كان يتحكّم ويستبد في الأشخاص الذين يعملون تحت إمرته.
وأنا أكتب عن هذه الشخصية، اكتشفت الأسباب التي جعلت من هذا الإنسان مستبداً أو هكذا تخيلتها.. ونتيجة هذا الموقف تحوّلت هذه الشخصية- في ذهني طبعاً- الى الضد.وتحوّل عنوان القصة من” المستبد” الى” الصديق القديم” .ويحدث معي أيضاً، وفي أحيان كثيرة ان أستحضر في ذهني بعض الشخصيات وليس كلها.. وأنا أتعرف على الشخصية أكثر، وأنا أكتب عنها. ولذلك أعتبر أنّ الكتابة هي عملية استكشاف للشخصية غير حاضرة في ذهن الكاتب بتفاصيلها، وإنما تحضر أكثر أثناء الكتابة..

* هل تستطيع القول بأن جمال بنورة ينتمي للرواية الفلسطينية الجديدة أو للرواية العربية الجديدة مثلاً..؟
**- بداية، أنا أتساءل إذا كانت الرواية الفلسطينية جزءاً من الرواية العربية، أم أنّ هناك فرقاً بينهما؟ وهل إحداهما مستقلة عن الأخرى، حتى أستطيع ان أضع نفسي في مكان ما بينهما، أو مع إحداهما..؟ ولا أدري إذا كان باستطاعتي ان أصدر حكماً في هذا الموضوع.. وأترك ذلك لحركة النقد العربية، فهي التي تُصنّف الأدباء الى أي مذهب او مدرسة أدبية ينتمي هذا الكاتب أو ذاك!.
وإذا كان لا بدّ لي أن أجيب، فأنا أنتمي لما أكتب لأن كل كتابة تُعبّر عن كاتبها، وقد تكون هذه الكتابة منتمية للرواية الفلسطينية أو العربية الجديدة، وقد تكون شيئاً آخر نابعاً من أعماق الكاتب.. وهذا لا يعني أنني لا أتأثر بالرواية العربية أو الفلسطينية. وبما أنني جزء من المجتمع العربي، وبالذات الفلسطيني، ومشاكلنا في العالم العربي، وثقافتنا وتقاليدنا لا تختلف كثيراً من بلد لآخر..فنحن نعالج قضايا متشابهة، ولكن بأساليب مختلفة، وهذا ما يُميّز بين كاتب وآخر..

*- بالتالي ما هي سمات هذه الرواية العربية الجديدة..؟
**- بما أننا نتحدث عن الرواية العربية الجديدة، فلا بدّ لهذه الرواية ان تتضمّن الجديد أو التجديد في الأسلوب والشخصيات والأفكار والمضامين. وهي التي تمنح الكاتب مساحة واسعة من حرية التعبير عن آرائه ومعتقداته.
ومن سمات الرواية الجديدة أيضاً، الخروج على المألوف وعدم التقيد بمواقف وآراء مسبقة. وهي الرواية التي يطرق فيها الكاتب مواضيع جديدة قد تكون من المحرمات كالسياسة والجنس والدين، والتي يتجنب العديد من الكتاب الخوض فيها.
أما عن الكاتب، فإذا لم يحاول التجريب والتجديد، فسيبقى محاصراً نفسه بالكتابة التقليدية التي لا تقدم جديداً للقارئ، ولا ترقى بالرواية العربية الى مستوى أفضل مما هي عليه الآن. وحتى تكون مبدعاً يجب ان تكون مجدداً فيما تكتب.

*- يُلاحظ اتجاه في الرواية العربية الجديدة نحو الغوص في المحرمات الجنس والسياسة.. هل تراها موضة أم ضرورة..؟
**- الموضة تظهر وتختفي، لذلك فهي تقليد قد يستمر فترة من الزمن ثم يزول.. والموضة تُعجب البعض، وتُنفّر البعض الآخر.. ويُحب البعض ان يركب هذه الموجة أملاً في ان توصله الى الشهرة، أو تُعرّف به على الأقل.
أما عن الضرورة فهي لا تُفرض على الكاتب، وإنما يكتب عنها باختياره، ومن حق الكاتب ان يُعالج قضايا تتعلق بالمحرمات، كالجنس والسياسة والدين أيضاً، فهذه أمور أساسية في حياة الإنسان، لا نستطيع تجاهلها، وخصوصاً إذا كان للكاتب رأي يريد ان يطرحه ويعنيه ان يصل إلى القارئ.. المهم مثلاً في موضوع الجنس ان لا يُكتب عن الجنس بهدف الإثارة الجنسية، وإنما الهدف معالجة قضايا ناجمة عن الجنس.
وما قلناه عن موضوع الجنس، ينطبق أيضاً على موضوع السياسة والدين دون ان ندخل في تفصيلات لا لزوم لها، ونعني بذلك التعبير بحرية عن أي موضوع، مع تجنب التحريض وإثارة الفتن بين جماعات او طوائف أو أحزاب مختلفة.

*- أين مكمن الاختلاف برأيك بين كتاب القصة والرواية في داخل الأراضي الفلسطينية( الضفة والقطاع وأراضي الـ 48 وبين كُتاب الشتات)..؟

**- لا أدري ما الذي تقصده بمكمن الاختلاف! هل هو الاختلاف في المكان، كما فهمته أنا؟ أم الاختلاف في المادة الأدبية كالقصة والرواية؟.. أم في كليهما؟ فكتاب الداخل يكتبون وهم في وطنهم، ويُعايشون الأحداث التي يكتبون عنها، وهم يتشبثون بالأرض التي يعيشون عليها، ويُعبّرون في أدبهم عن المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. وهم معرّضون في نفس الوقت للقمع الاسرائيلي، والتهديد بالسجن والإبعاد، كما حدث للكثيرين منهم. أما أدباء الشتات، فيكتبون عن الحياة التي يعيشونها في الغربة، حيث يكافح الشعب الفلسطيني ليحافظ على وجوده وهويته وانتمائه الى وطنه. ويمتلئ أدبهم بالحنين الى الوطن، ويحلمون بالعودة الى الأرض التي عاش آباؤهم وأجدادهم عليها، ويناضلون من أجل ذلك.
وهكذا يتوحد نضال الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج من أجل تحقيق الحلم الفلسطيني بالعودة وإقامة الدولة الفلسطينية على ترابنا الوطني. فالمأساة الفلسطينية تبدأ بالخروج من الوطن، ولا تنتهي الاّ بالعودة اليه..

*- كيف تنظر الى الروايات الصهيونية الجديدة التي تحاول إظهار الرغبة في التعايش مع العرب، وأين يمكن تصنيفها؟
** لا أدّعي أنني واسع الاطلاع على الرواية الصهيونية(الجديدة) أو(القديمة) أيضاً. فلا توجد دور نشر عربية تعير اهتماماً لهذا الموضوع، بحيث أستطيع الاطلاع وإصدار أحكام عليها. وقد قرأت عدداً قليلا منها- أمكنني الحصول عليها- بالإضافة الى عددٍ من المسرحيات.. وكان آخر كتاب قرأته- قبل فترة وجيزة- مسرحية بعنوان ” الخليل” ترجمها عن العبرية الأديب سلمان ناطور، وهي تتناول موضوع الصراع بين الفلسطينيين والمستوطنين في مدينة الخليل. وليس فيها ما يُوحي بالرغبة في التعايش مع العرب.. في مقدمة الكتاب يقول مؤلفه في مقابلة صحفية: ” لم أحاول إصدار حكم على أي من الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.” ثم يقول إنه سأل نفسه: ” هل نملك حقاً تاريخياً في أرض ” إسرائيل” ؟” و يجيب عن السؤال قائلاً: ” نعم، لأنه إن لم يكن الأمر كذلك لما كان لنا حق في العيش هنا.” وكما قال سميح القاسم عنوانا لأحد كتبه:” من فمك أدينك”.

*- من المعروف اهتمامك بجمع ودراسة التراث الشعبي الفلسطيني.. ماذا يمكن القول على هذا الصعيد؟
**- بدأ اهتمامي بالتراث الشعبي الفلسطيني في وقت مبكر، أظنه في أوائل السبعينات من القرن الماضي.. ذهبت لحضور معرض للتراث الشعبي في جامعة بيت لحم، جعلني ذلك أشعر كأنني أعود الى طفولتي.. تذكرت أنّ مثل هذه الأدوات- وهي تتلاشى من حياتنا تدريجيا- كانت موجودة عندنا في المنزل، فعدت أفتش عنها، فلم أجدها.. شعرت بانجذاب شديد لهذه الأدوات، كأنني أتعرف عليها من جديد، وهي تعيش في ذاكرتي ووجداني.. وأنني أريد ان أعود اليها.. أعود الى طفولتي.. ومنذ تلك اللحظة بدأت أفكر في إقامة مُتحف للمأثورات الشعبية في بيت ساحور.
وارتأيت ان أبدأ بجمع الفنون القولية من التراث لسهولة ذلك.. كل مَثَل كنت أسمعه.. كأنه اكتشاف ثمين.. كنز مُعرّض للضياع، ونفس الشيء مع القصيدة الشعبية، أو الأغنية أو الحكاية، وقُمت بنشر كتاب عن أغاني العرس الفلسطيني في بيت ساحور. وأقوم حالياً بإعداد دراسة عن التقاليد المتبعة في حالة الوفاة، والنواعي أو البكائيات على الميت. وأحس وأنا أبحث عن التراث- لتسجيله وحفظه من الضياع- كأنني أبحث عن نفسي..وما شجعني على الاستمرار هو شعوري بأن التراث يُمثل الهوية القومية للإنسان، ويعمل على تعزيز الانتماء للأسرة والعائلة والوطن.

* سؤال أخير. الربيع العربي يدعو الى إعادة السؤال عن طبيعة العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية.. كيف تراها؟
** ليس من المعقول ان يبقى المثقف صامتاً.. عندما تجري أحداث كالتي نراها اليوم في عدد من الدول العربية.. والمطلوب من المثقف ان يقول رأيه بصراحة فيما يجري في وطنه، ويتحمل مسؤولية موقفه. أما الصمت.. فهو موقف انهزامي، وغير مسؤول.. فهل يُرضي المثقف ما يجري في العالم العربي اليوم؟ يقول البير كامو إنّ المثقفين والكتاب هم شهود هذا العالم.. شهوده لا موظفوه.. نعم انّ المثقف شاهد على أحداث عصره، ولكننا نريده ان يكون شاهد حق وعدل.. وليس شاهد زور.
لا نستطيع ان ننكر انّ هناك المثقف الذي يريد ان يحافظ على الامتيازات التي تمنحه إياها السلطة القائمة، غير مبالٍ بما يحدث في وطنه. ولذلك نحن ندعو لتصحيح العلاقة بين المثقف والسلطة، بحيث لا يكون المثقف تابعاً، وإنما رائداً في العمل من أجل مصلحة شعبه ووطنه، وأن تتحلى السلطة ببعد النظر بحيث تعرف أين يقف المثقف من الأحداث الجارية في وطنه، وأين تكمن مصلحة شعبه. فالمثقف الحقيقي هو الذي يشعر بمسؤوليته تجاه أحداث زمانه في وطنه وفي العالم.

إلى الأعلى