الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / كُتّاب عمانيون وعرب يطلعون على تاريخ مسقط في رحلـة جيولوجيـة

كُتّاب عمانيون وعرب يطلعون على تاريخ مسقط في رحلـة جيولوجيـة

مسقط ـ “أشرعة” :
ـ الرحلة شملت آثار ترسبات البحر وأحافير الحيوانات في حقبة الحياة القديمة بالعامرات، والطيات والصدوع الهائلة التي تكونت في العصر الطباشيري في وادي الميح، والعيون الحارة في ولاية بوشر

رحلة معرفية جيولوجية علمية أقامها النادي الثقافي بالتعاون مع الجمعية الجيولوجية العمانية لعدد من الأدباء العمانيين والعرب لولايتي العامرات وبوشر، وذلك بهدف التعرف على التاريخ الجيولوجي العماني. الرحلة التي انطلقت صباح السبت من النادي الثقافي شملت آثار ترسبات البحر وأحافير الحيوانات في حقبة الحياة القديمة بالعامرات، والطيات والصدوع الهائلة التي تكونت في العصر الطباشيري في وادي الميح، وصخور الأفيولايت، وصدع عمان الشمالي، والعيون الحارة في ولاية بوشر، بالإضافة إلى رمال بوشر، والأحافير البحرية، بغلا القديمة بالإضافة إلى التعرف على تاريخ الولاية.
بدأت الرحلة بزيارة صخور المنطقة المتوسطة لما يعرف بجبال سيح حطاط (مساحته تقريبا 70 كم × 50 كم)، وهي تمثل الجزء الغربي لجبال الحجر الشرقي، إذ ترتفع هذه الجبال لأكثر من 1500م فوق سطح البحر، وتمثل ولاية العامرات التجويف الوسطي لهذه الجبال. في بداية الرحلة تمت زيارة وادي قحزة ووادي الميح، وهما يقعان في الجانبين الجنوبي والشمالي ـــ الشرقي للولاية على التوالي، ثم اتجهت الرحلة إلى ولاية بوشر التي تقع على السفح الشمالي لجبال الحجر الشرقي أو جبل سيح حطاط، على امتداد صدع يفصل صخور الأوفيولايت النارية من صخور الحجر الجيرية الرسوبية، ولذلك تمتاز هذه الولاية بوجود مجموعة من العيون الحارة بها.
موقع الزيارة الأول هو عبارة عن بقايا آثار الأمواج المائية في الصخور الرملية لطبقة أمدح من العصر الاوردوفيشي( 450 مليون سنة)، وهي تقع بوادي أمدح أو عمدة بسيح حطاط بولاية العامرات، ويسهل الوصول إلى هذه الآثار لوجودها داخل محافظة مسقط بالرغم من وجود آثار مماثلة لها في مواقع أخرى مثل وادي السرين ووادي ضيقة ووادي جنة، إلا أن تلك الآثار الموجودة بوادي قحزة تعد أشملها تنوعا وأحسنها حفظا، ويعتبر الموقع مثاليا لدراسة النيم البحرية التي تكونت منذ ملايين السنين.

وادي الميح .. صخور بملامح الزمن

المحطة الثانية للرحلة كانت إلى وادي الميح. ومن الناحية الجيولوجية يتضح على حافة جبل سيح حطاط خط الالتقاء بين صخور الأفيولايت القاتمة التي تنتمي لقشرة محيطية سابقة والصخور الجيرية المنتمية للقشرة القارية، وقد شُقّ الطريق إلى قنتب على خط التماس بين هاتين الكتلتين الصخريتين، وخلال عملية اعتلاء صخور الأوفيولايت فوق أرض عمان، انخفضت الصفيحة العربية إلى مناطق ذات ضغط عالٍ ودرجة حرارة مرتفعة، وتصبح خصائص الصخور في هذه الظروف أشبه بالبلاستيك، ويوجد في وادي الميح مجموعة من الطيات التي تعبر عن هذه العملية بصورة رائعة جدا، ويُظن بأن هذه الصخور انخفضت إلى عمق كيلومترات عديدة في باطن الأرض الحار قبل أن ترتفع مرة أخرى إلى سطحها، ويمكن أن نرى في منطقة السيفة صخورَ الإيكلوجايت وهي عادة ما تتكون على أعماق تزيد عن 40 كم في باطن الأرض، وتمثل هذه الصخور أبرز مميزات جبل سيح حطاط، وهي تعد فريدة في العالم في خصائصها التركيبية.

ولاية بوشر .. جيولوجيا الدهشة
بعد ذلك انطلقت الرحلة إلى ولاية بوشر وبالتحديد القرى القديمة التابعة لها كقرى غلا وصنب وصاد والمسفاتين التي تتميز بجيولوجية فريدة جدا كانت سببا في تميز هذه المناطق بموارد طبيعية غنية جعلتها محلا لاستقرار الإنسان وتمدنه منذ أزمنة قديمة جدا، ويمكن لهذه القرى أن تكون اليوم وجهة سياحية رائعة نظرا لوفرة المميزات الجيولوجية الطبيعية التي يمكن لها أن تكون عامل جذب فعال فيما لو تم توظيفه بطريقة علمية جذابة واعتني به وبمقوماته الجمالية من العبث أو الاستغلال المدني الجائر. تقع قرى ولاية بوشر على امتداد السفح الشمالي لجبال الحجر الشرقي وهو ما يعرف علميا بجبل سيح حطاط، هذا السفح يتكون في الغالب من صخور جيرية ترسبت في حقبة الحياة المتوسطة قبل أكثر من 80 مليون عام، وتحتوي هذه الصخور على بعض أحافير الكائنات الحية التي عاشت في تلك الحقبة كالمرجان والقواقع والأصداف، أما الصخور الواقعة في أسفل السفح فهي في العموم عبارة عن خليطٍ من خمسة أنواع من الصخور على أقل تقدير.

الصدع الكبير .. منبع العيون الدافئة

يعد الصدع الكبير الذي يفصل سفح جبل سيح حطاط عن الصخور الواقعة في أسفل السفح من أشهر الصدوع الأرضية وأكبرها في السلطنة، فهو يمتد من غرب ولاية الرستاق باتجاه ولاية نخل ثم قرية فنجا بولاية بدبد باتجاه ولاية بوشر حتى ينتهي أثره السطحي في ولاية مسقط بالقرب من فندق قصر البستان الواقع على شاطئ البحر، كما أن هذا الصدع يمتد لعدة كيلومترات في باطن الأرض، وعلى امتداد هذا الصدع تنبثق مجموعة من العيون الحارة في عمان، من أشهرها عين الكسفة في ولاية الرستاق وعين الثوارة في ولاية نخل وعيون أفلاج فنجا الحارة وعينا الحمام وغلا القديمة في ولاية بوشر، وتعد عين الحمام أو عين حمام علي من أشهر هذه العيون إذ قد تصل حرارة الماء المنبثقة منها إلى السطح إلى نحو 70 درجة حرارة مئوية، وهي بذلك تكون أسخن عين حارة في عمان، وتنفجر هذه العين في المنطقة الواقعة بين الصخور الجيرية لحقبة الحياة المتوسطة وصخور الأفيولايت.

رمال بوشر .. أكثر من احتمال للجمال
تمثل الرمال الموجودة في ولاية بوشر والمناطق المحيطة بها فصلا مهمًا من تاريخ عمان الجيولوجي والبيئي في الفترة الممتدة إلى مئة ألف سنة ماضية، وهي تعبر عن التغيرات في مستوى سطح البحر وحركة الرياح عبر السنين بصور رائعة ودقيقة، وقد أُخذت عينات من هذه الرمال وحُدد عمرها بدقة بواسطة تقنية العناصر البراقة أو الساطعة والتي تستخدم معدن الكوارتز الموجود في هذه الصخور، وأظهرت هذه الدراسات أن رمال بوشر ترسبت في الفترات الجليدية المتأخرة على أكثر الاحتمالات، عندما كان مستوى سطح البحر أقل بأكثر من 100 متر عن مستواه الحالي، حينها كان الخط الساحلي بعيدا باتجاه البحر وكان جزء كبير من الأرض المغطاة بالبحر حاليا بارزا في السطح، إذ كان معرضا لرياح قوية تهب من جهة الشمال الشرقي باتجاه الجنوب الغربي،وقد ترسبت الرمال في المناطق المنخفضة نسبيا بين الجبال أو على حواف الأودية، علما بأن الرمال الموجودة اليوم هي ما تبقى من عمليات تعرية قامت بإزالة هذه الرمال من مجاري الأودية، وإعادة ترسبها عند مصاب الأودية في البحار، ومن هذا كله تظهر بوضوح أهمية هذه الرمال وأهمية المحافظة عليها، إذ أن فقدانها يعتبر فقداناً لدليل مهم في تطور بيئة عمان.
يذكر أن الرحلة تأتي في سياق التعاون والشراكة بين النادي الثقافي والمؤسسات المختلفة، وتهدف إلى إتاحة الفرصة للمبدعين والكتاب لاكتشاف الجمال الطبيعي والجيولوجي الذي تتمتع به هذه المناطق، بغية الاستفادة من المقومات والمعطيات الجمالية لهذه الأمكنة وتوظيفها في الاشتغالات الإبداعية والكتابية لدى الكتاب.

إلى الأعلى