الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / كوسوفو ( 6 )

كوسوفو ( 6 )

لقد صادفت رحلتي في الصيف حيث إن هذه الرحلة هي من أكثر رحلاتي تميزا كونها اخترقت المدن البلغارية بما فيها العاصمة (صوفيا) والتي طارت شهرتها في الآفاق، هذا الإختراق نحو تلك المدن كان عن طريق الجبال واصفا إياها بعين الدهشة وهي التي تمتد سلسلتها من بلغاريا إلى تركيا، كما أنني بهذه الرحلة لم أكن مجرد زائر عابر فقط تبهره الأشياء وتخطف بريقها بصره وإنما أتيتها رحالا ومغامرا وعدت منها ونفسي مبتهجة نحو الحديث عن جغرافية المكان ومسالكها وطبائع أهلها، لذلك في هذه الرحلة رأيتني أشحد القلم واللسان وأحصره كي أكتب عن هذه الرحلة أولا بأول طيلة فترة إقامتي بين المدن بعدما باتت الفائدة عظيمة ومضاعفة ومتعة كبيرة بدءا من الطبيعة إلى ملامح المدن وأمواج الناس بأطيافها بعد ما امتلأت بهم الشوارع والساحات.
كما إني سأورد للقراء الكرام ما كنت أدونه كل مساء على دفتر رحلاتي راغبا في اطلاعهم على ما كنت أقوم به بعد ما زادت الرحلة عمقا واتساعا فلا يكاد القارىء يشعر بالضياع وهو يتتبع مراحل الرحلة بعدما يتنقل من منطقة إلى آخرى ذاكرا في ذلك أهل المدن التي أصلها، ومنها بها قوم من المسلمين ساجلتهم شاعرا بالامتنان والانسجام معهم، وذلك بعدما رأيت أن أنفع طريقة لمعرفة أهل البلاد هي معاشرتهم ومعرفة عاداتهم وأخلاقهم وأنماط عيشهم وحقيقة طبائعهم، لذلك في هذه الرحلة طرقت أبوابا من خلال إقامتي مع عدد من العوائل في المدن التي أصلها حيث أكلت من طعام هؤلاء البسطاء بعد ما لقيت منهم كل الضيافة والتكريم وهو ما لا أجده في مائدة أي ثري. هؤلاء البسطاء يمتازون بدماثة الأخلاق وسمو الآداب وبساطة العيش والإحساس، ومن خلال هذه الخصال إذا جمعتها سوف تتكون لديك صورة الشعب الذي تكون في ضيافته، وما رحلتي هذه سوى نبذة وقطوف عن هذه المسالك أردت منها أن أقوم بكشفها للقارىء عن جوانب مجهولة من التي اعتاد المسافر عليها حيث إن في الأسفار فوائد جمة وأخص بالذكر رؤية الدنيا ودرس في الأخلاق وتفقه في العقل وصحة في الجسم وانشراح في الصدر. هذه الرحلة دونتها أثناء اغترابي في تلك البلاد.
مسار الرحلة :
بدأت رحلتي من مسقط متوجها إلى صوفيا مرورا بإسطنبول تركيا ، ومن العاصمة البلغارية ركبت حافلة صغيرة أقلتني إلى هاتيك الجبال باتجاه ديفين ومنها غادرتها إلى تريجراد عبر ياجودينا ومنها إلى زريبغو، وقبل العودة بأدراجي بإتجاه تريجراد ومن ثم إلى فوندي باد متوجها بعدها إلى كوسوفو وأخيرا بلغت إلى ميراكيولوس قبل البدء برحلة العودة إلى صوفيا مرورا بإسطنبول والعودة إلى أرض الوطن.
تريجراد – بادن – كوسوفو :
إن هذه الرحلة في ربوع بلغاريا باتت تدخل مراحلها الأخيرة بعد مغادرتي (تريجراد) باتجاه بلدة (لياسكوفو) حيث، يممت المسير عند أطراف انحدارات سلسلة جبلية من جبال (فوندي باد) ووسط المتاهة الجبلية نحو المسار بعلوه وانخفاضه ووسط غابة من أشجار الكافور و(الماريوبيم) والصندل (سانا لوم) حيث لم يكن يتخلل هذا المسار أي من أشجار الفاكهة إلى أن إرتقيت عند أعلى الجبل متوقفا نحو منظر بهيج للغاية ، كان ذلك المنظر باتجاه البلدة بجبالها التي تحيط بها من كل جانب وهي التي لا تستطيع العين أن تمايز بين تربتها وجبالها المكسوة بالإخضرار حيث تروق العين نحو هذا المنظر الآسر. في هذا السير كانت الشمس قد مدت أشعتها وهي تطل من وراء حجابها ثم تحتجب وتظهر سلسلة جبال بعد ما أرسلت أشعتها من بين قمم الأشجار، هذه الجبال بخضرتها تلمع تحت نور الشمس فهي باتت في متناول اليد بعدما ملأت جسد الأرض منذ الصباح الباكر إلى النهار المضيء إلى أن توقفت عند خرير نبع ماء عذب حيث ملأت ما تيسر لي من الماء في قناني للشرب. أما بعد هذا التوقف فقد مررت في هذه الجبال على منزل حجري وبجانبه قناة مائية مواصلا السير باتجاه الصعود حتى ظهرت حقول البطاطا بفلاحيها وهم من زرعوها بحرص وعناية تامة على أرض منحدرة، هؤلاء الفلاحون باتوا يتمتعون بنشاط وقوة بدنية في الفلاحة ويظهرون فرحا عندما ينجزون عملهم وكأنهم قاموا بعمل عظيم، كما إنهم يتمتعون بأخلاق عالية، هذه الأخلاق النفيسة ظهرت جليا أثناء عملهم بعد ما مرقت عليهم وهم يلقون عليّ إشارة السلام مرحبين بي في ذلك بطريقتهم بعد ما ألقيت عليهم التحية رافعا يديّ للسلام عليهم حيث أظهروا ذلك بإبتسامة على محياهم . في هذا السير أخذ المسار طريقه في الالتواء، حيث واصلت السير دون الإلتفات للمسارات الأخرى، منعطفا بعدها يمينا بعد اجتيازي هضبة جبلية مارا على مفترق طرق وبمقربة منه رأيت مخازن تموينية للجياد، وهي بيوت أثريّة بنيت من الخشب بعد ما تم تسقيفها بطبقة مسقفة فيما منظرها جميل بعد ما اكتنفتها كروم من العنب.
هذا الاختراق وسط هذه الجبال الخضراء أتاح لي الاستماع إلى أزيز الصراصير والأفاعي، كما تمكنت من رؤية أنواع الصقور والنسر الأجرد الرأس والصفارد ناهيك عن أنواع السحالي والغزال الجبان الذي سرعان ما يتوارى عن الأنظار عند رؤيته لأحد.
عندها بدأت في الهبوط من على هذه الجبال باتجاه قرية (كوسوفو) بعد ما مشيت وسط بيوت القرية فيما عدد من السيدات والأطفال وقفوا يلقون نظراتهم عليّ وأنا أمرق من جانبهم حيث تحولت إلى فرجة بين أهلها بعد ما أحاطني النساء والرجال وهم من علموا إني عربي مسلم قائلين: إنه من النادر مرور العرب في قريتهم حيث ابتهجوا في ذلك ابتهاجا عظيما .
كنت حينها أمشي في شوارع البلدة وهي طرق ضيقة إلا إنها نظيفة مارا على مبنى البريد (البوستة) وحديقة النزهة ومقابر قديمة، هذا الإختراق بين قرى البلدة، كان داعيا نحو سماع أذان الظهر ينطلق من أحد المساجد حيث كان ذلك داعيا لسروري نحو سماعي الأذان في قرية يدين أهلها بالإسلام .
هذا الوصول المبارك والتي قطعت فيها (28) كم كي أصل بلدة (كوسوفو)، كان له رجل ينتظر وصولي وهو في العقد الخامس من عمره حيث كان صبوح الوجه طلق المحيا تلوح على محياه إمارات الذكاء والمروءة .
كما إن في هذا اللقاء فاضت جميع العيون بأنبل ما يمكن أن يحمل الإنسان من مشاعر جياشة تجاه الآخر وهو يحييني بإبتسامة لطيفة ، كان هذا الرجل رضا بكري يعقوب بلغاري مسلم عارضا له ورقة بيضاء كانت في يدي وهو (عنوان المنزل).
- عندها أخذ يضحك قائلا: إنك في ضيافتنا يا سيدي.
أما بعد ما حياني بقبضة يده بصلابتها أخذني نحو بناء قديم وهو عبارة عن منزل حيث تم تهيئته ليكون نزلا أثناء مرور الرحالة والمغامرين، فيما أقبلت زوجته وهي سيدة المنزل والقائمة بشؤونه وملامحها ظاهرة القسمات بعدما تلألأ محياها بشرا ناطقة السماحة والكرم ونظراتها تدل على عطف ورقة .
هذا الوصول صاحبه إبتهاج بوصولي سالما معافى لما أظهروه من الفرح والمسرة والإبتهاج والإنبساط التام بمقدمي، وهي الإبتسامة التي علت وجوههم في ود تحمله أعينهم حيث وجهت بعدها حديثي لسيدة المنزل:
- نهارك سعيد سيدتي
- نهارك سعيد يا بني
- أأنت فلانة
- نعم سيدي
- إذا هذه الورقة لك ( Vocher ) سيدتي
عندها تمعنت في الورقة إمعانا ثم أردفت قائلة:
- نعم سوف تكون إقامتك لمدة يومين
- أعلم ذلك سيدتي وسوف أكون عند حسن ظنكم
- أشكرك يا بني
- لا شيء يستحق الشكر سيدتي
أما بعد ذلك قاموا بنقل أمتعتي بعد ما تم الترحيب بي وكان ذلك من أوفر الإكرام في سياحتي الجبلية حيث أنصرفت بعدها مع المرأة كي ترشدني إلى غرفتي في الطابق العلوي حيث سررت في ذلك سرورا كثيرا .
عندها انصرفت السيدة حيث أخذت بعد ذلك قسطا من الراحة حيث رأيت بعدها سيدة النزل من على شرفة غرفتي في الطابق العلوي تهم نحو تهيئة مضجع في حديقة المنزل للإستراحة ثم قاموا بدعوتي وقدموا لي إستكانة من الشاي الأحمر مضافا إليه العسل الطبيعي حيث استمررنا في التعارف إلى أن دخل علينا الظلام، فانتقلنا إلى داخل المنزل حيث أطلعوني على قاعة فسيحة، وقد أحاطوها بطاولات للعشاء ومدفأة تنفث منها النار وقت البرد بعد ما جمعوا لها الحطب.
هذه القاعة الفسيحة أسموها (الديوان) حيث رأيت رضا بكري يعقوب وهو يضرم النار في المدفأة وهي تنفث نسيما خفيفا من دخانها ونحن في وسط يونيو، فأسدل ذلك الدخان ستارا على قبة المنزل في الخارج، كان الدخان يتجه إلى كبد السماء بعد ما أقاموا لها عواميد حيث أخذ يتسرب من خلال ثقوب الأنبوب بإتجاه الأعلى إلى خارج المنزل بعد ما بدأ في عتمة الظلمة الخارجية للمنزل أشبه بضباب خفيف وسط ضوء القمر، كان المشهد مذهلا وأنا أنظر له من نافذة الديوان .
وعندما كنا سامرين في (الديوان) طلبوا مني إرجاء سفري إلى أغسطس حيث إن وقع ذلك سيكون جميلا نحو رؤية مهرجان فلكلوري يقام عندهم كل عام، فأجبتهم لا يمكنني ذلك حيث إني مرتبط ببرنامج في مدن بلادهم . بعدها قاموا بجلب بعض من منتوجاتهم الزراعية كي يطلعوني عليها حيث إن ثمارهم لذيذة وجيدة الهواء وخفيفة الماء بعد ما رأيتهم يخزنون فاكهة المشمش والكرز والذي لا نظير له، وذلك في قنان زجاجية، حيث قاموا بعد ذلك بإطلاعي على ملابسهم التقليدية بعد ما نقشوا بها كثيرا من الزخارف التقليدية، وكي لا أغفل شيئا عن هذه الليلة، فقد أسمعوني من خلال أصواتهم الشجية عدة مقاطع تراثية بلغارية حيث، لغتهم جميلة وقد أعجبني غناءهم باستخدام (القربة) وهو شبيه بغناء الروس وهم ينشدون نشيدا رخيما . في هذه الليلة بت في راحة وعافية، أما في صباح اليوم التالي وقبل أن أغادرهم أخذوني للتفرج على معملهم عارضين علىّ ما أنتجته أياديهم وذلك كي ينالوا مكافأة بيعهم بعد ما ألحوا عليّ بالشراء محاولا التخلص من ذلك فلم يتسير لي ذلك حيث لا بد من قبول تلك المجاملات الكريمة ولو على مضض حيث إن الرفض غير ممكن ويعد مؤلما للعواطف.
لذلك كل ما كنت أعتذر عنه بعذر ردوه بألطف رد متحججا في ذلك بترحالي عبر الجبال مشيا ولا يسعني شراء كل ذلك في آن واحد ، أجابوني أن لا أشغل بالي في هذا الأمر وهم من سيتدبرون الامر .
منزل العائلة :
إن منزل هذه العائلة وجدته بناء يشبه موضع القلعة في القرية، وإذا ما هنالك من شيء يذكر في هذه العائلة فهو عدم إلمام الزوجين بأي لغة من اللغات المتعارف عليها حيث، صارت الأيدي هي لغة التفاهم بيننا، كما إنه في الأساس لم يكن يرافقني أي ترجمان في برنامج رحلاتي في مدن بلادهم.
لذلك في هذه العائلة رأيت أصحابه قد أولوا جل إهتمامهم في تربية مناحل العسل وغرس المنتجات الزراعية، هذه الزهريات والورود الجميلة والتي أحيطت بالعناية التامة نحو الحفاظ على هذا المنزل، وتجديده لعظم شأنه .
وصف العائلة :
إن هذه العائلة المكونة من سيدة المنزل وزوجها ( رضا بكري يعقوب) قد أحاطوني بعطفهم وكرمهم في ضيافتي من خلال بسط الأمور، كما إنهم أحسنوا لي الإكرام من أطايب الطعام والشراب، لذلك رأيتهم يعيشون في نظام سائد في العائلة دون أن يشوبه أي تكلف.
كما وددت ان أذكر ذلك التأثير الوجداني قبل مغادرتي لهم راجين مني أن أذكر لهم إن وجدت أي تقصير منهم، ومهما فعلت فلن أوفق في وصف تلك اللحظات الإنسانية، وعند مغادرتي وتوديعي لهم كنا نتعانق كما لو كنا أصدقاء قدامى.
عندها طلبت منهم أن نلتقط صورة تذكارية للذكرى حيث شكرتهم في ذلك، وعند خروجي من المنزل رافقوني إلى مشارف الجبال بعد ما أخذوا بيدي ولم يتركوها سوى عند انطلاق السير بين الغابات، وفي طريقي كنت أتلقى التحايا وإشارات السلام والتعظيم من قاطني المنطقة من أطفال ونسوة وهن يبعن أنواعا من الفواكه والمراوح اليدوية والنسانيس.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى