الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فتاوى وأحكام
فتاوى وأحكام

فتاوى وأحكام

* كيف يكون تكوين الجيل القرآني؟ وهل يستطيع المرء أن يكوّن جيلين قرآنيين من فئتين مختلفتين في آن واحد؟
** هذا بقدر عزيمة الإنسان:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ** وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ** وتصغر في عين العظيم العظائم.
فالإنسان عندما تكون همته كبيرة وعزيمته متوقدة ومطلبه مطلبا إنسانيا وطموحه لا يقدر بحد فلا يعجزه شيء من ذلك بل يبارك الله ـ تبارك وتعالى ـ قدرته، ويستطيع الإنسان أن ينسق ما بين أعماله وأن يهيء لنفسه فراغا؛ حتى يكوّن جيلا قرآنيا يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتبع أوامر الله ويزدجر عن نواهيه، مع مراعاة أجيال أخرى في أماكن أخرى فبإمكان الإنسان فعل ذلك ولا سيما عندما تتاح له الفرص بحيث يكون عنده الوقت والفراغ وتكون عنده الوسائل التي تمكنه من ذلك.

* كيف تستطيع المرأة إيصال فكرة التصور لبناء الجيل القرآني من خلال أسلوب تربوي ؟ وسؤال آخر، ما معنى التصور القرآني؟
** نجيب على السؤالين معا لارتباط أحدهما بالآخر، التصور القرآني هو: أن يكون كل فكر في الإنسان يتعلق بالله، أو يتعلق باليوم الآخر، أو يتعلق بما وراء هذا الكون المشاهد يدعو إلى القرآن يؤمن بالله تبارك وتعالى إيمانيا قرآنيا، ومعنى ذلك أن الإيمان القرآني هو الذي يجعل الإنسان يتعلق بالله وحده لا يتعلق بغيره، الإنسان يتلو ذلك في كتاب ربه سبحانه وتعالى، ويتلو ذلك في صلواته على الأقل في اليوم والليلة ستة عشرة مرة، يتلو “إياك نعبد وإياك نستعين” الفاتحة (5) أي: (لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك).
فما بال هذا الإنسان مع ذلك يتعلق بالأوهام ويتشبث بها ويعتقد أن البشر ينفعون أو يضرون من تلقاء أنفسهم، القرآن الكريم يقول في وصف الله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ” الشورى (11) جاء هذا الإنسان وشبه الله تعالى بخلقه، هذا مما يتصادم مع التصور القرآني، فالقرآن الكريم يصف الله ـ سبحانه وتعالى ـ بأنه لا شريك له في مثله، “وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا” الإسراء (111).
ويقول القرآن الكريم: “قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ” الرعد (16).
هذا هو التصور القرآني الصحيح، لأن كل شيء يتصرف بأمر الله، لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا إلا بمشيئة الله، “وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ” الأنعام (17) “وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” يونس(107).. إلى غير ذلك من النصوص القرآنية الكثيرة التي على الإنسان أن يتذكرها.
هذا هو التصور الصحيح أنه لا حكم إلا لله “إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه” فليس للإنسان أن يخترع من تلقاء نفسه حكما كيفما ما كان ولو أوتي ما أوتي، فالقرآن الكريم يدعو إلى الاحتكام إلى الله ورسوله قبل الاختلاف في أي شيء “فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر” هذا هو التصور الصحيح بالنسبة لما يتعلق بحق الله، أما فيما يتعلق باليوم الآخر فالله ـ سبحانه وتعالى ـ بين أن الناس يومئذ يجزون بأعمالهم، كل مجزي بعمله “لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا” النساء (123)، وقوله: “مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ” النمل (89)، والله سبحانه وتعالى يقول: “مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” القصص (84) إلى غير ذلك كيف يتصور أنه في ذلك اليوم يعفى عن كبائره ولو فعل ما فعل، فيكفي أنه يشهد بالوحدانية، وأن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) جاء بالرسالة، هذا كلام غير سائغ، كلام يتصادم مع حجة القرآن التي أنزلها الله، وحجة القرآن تدعو الإنسان إلى أن يعمل، أما تلك الحجة هي عقيدة يهودية حكاها الله تعالى عن اليهود، يقول الله ـ سبحانه وتعالى: “فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ” (الأعراف ـ 169)، هذه عقيدة اليهود، عقيدة الإرجاء، هذه المفروض أن يتخلى عنها المسلم وأن يتمسك بعقيدة القرآن مهما كانت تصورات الناس وأفكار الناس، هكذا بالنسبة إلى علاقة الإنسان بعالم الغيب، عليه أن يبني هذه العلاقة على أساس هذا التصور القرآني الصحيح، بهذا يمكن للمرأة تربية أولادها على هذا بإشاعة هذا الفكر ونشره في وسط المجتمع أن تؤسس أمة قرآنية.
أما مدى أهمية هذا التصور القرآني في تنشيءة هذا الجيل فمعنى ذلك أن الجيل ينشأ على هذا التصور على الإيمان بالله، الإيمان الحق ليس الإيمان الشكلي، والإيمان باليوم الآخر أيضا الإيمان الحق وليس بالإيمان الشكلي،هذا الجيل يتشفع ويحرص على طاعة الله لأن إيمانه بالله إنما إيمانه بالمبدأ، وإيمانه باليوم الآخر إنما إيمانه بالمصير، ولا يتسع المقام أكثر إنما هي قضية طويلة تحتاج إلى بحث وتحتاج إلى تأمل ولضيق الوقت نكتفي بالأسئلة على الرغم من أنها كلها أسئلة مهمة.

إلى الأعلى