الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إنقاذ جنوب السودان من نفسه

إنقاذ جنوب السودان من نفسه

اندرو ناتسيوس

يواجه جنوب السودان أشد أزمة له حتى الآن. فالبلد الفتية، التي ولدت من رحم استفتاء شعبي عام 2011 بعد حرب طويلة مع السودان خلفت 2.5 مليون قتيلا، هي الآن في مخاض أزمة سياسية تتطور إلى صراع قبلي.
بعد اتفاقية السلام الشامل في 2005 التي أنهت الحرب بين شمال وجنوب السودان، بنى سلفا كير، الرئيس الحالي لجنوب السودان، بلد من تحالف هش من القبائل والأقاليم. وقد عملت كمبعوث للولايات المتحدة لدى السودان في الفترة من 2006 إلى 2007، وسلفا كير الذي كنت أعرفه في ذلك الوقت كان ملتزما بالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. لكن منتقديه يذكرون الآن أنه ركز السلطة في يديه واستخدم القمع بدلا من الإقناع في الحكم.
ينحدر سلفا كير من أكبر قبيلة في جنوب السودان وهي قبيلة الدينكا، بينما يأتي نائبه السابق رياك مشار من ثاني أكبر قبيلة وهي قبيلة النوير. ولدى هاتين القبيلتين تاريخ من الصراع الاقتصادي والسياسي والمواجهة الدموية. في عام 1991 وبعد صراع على السلطة بين متمردي الجنوب، انشق مشار عن جون قرنق ونائبه سلفا كير من الجيش الشعبي لتحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان وتحالف بجماعته المسلحة من النوير مع الشمال.
وكان ذلك زواج مصلحة: فقد أيد مشار استقلال الجنوب، بينما كان قرنق وسلفا كير يؤيدان حكما ذاتيا للجنوب في إطار سودان موحد. وعارضت الخرطوم الاستقلال، لكنها زودت مشار بالأسلحة لإبقاء جنوب السودان في حالة فوضى. وحاربت القوات الجنوبية نفسها لعقد من الزمن وارتكبت أعمالا وحشية رهيبة: قتلت آلافا من مدنيي الدينكا.
وأخيرا توحدت القوات الجنوبية في عام 2001، تحت ضغط من الحكومة الأميركية. وبعد توقيع اتفاقية السلام مع الخرطوم في يناير 2005، صار قرنق رئيسا للحكومة المؤقتة المتمتعة بشبه حكم ذاتي في جنوب السودان. وعندما قضى في يوليو من ذلك العام في حادث مروحية، خلفه سلفا كير على وجه السرعة وأصبح مشار نائبا للرئيس سلفا كير. وقد عملا معا على موازنة المصالح الطائفية داخل الجنوب، وبشكل خاص توزيع الوظائف والعقود الحكومية. كما عملا معا على نزع فتيل التوترات عندما كان العنف الطائفي يهدد الاستقرار.
وصار الجنوب مستقلا بشكل تام في الـ9 من يوليو 2011. غير أن توقعات الجماهير من عائدات السلام السريعة كانت مخيبة للآمال. فقد اتهم سلفا كير بعضا من وزرائه وقادة الجيش بالاستيلاء على 4 مليارات دولار. واستخدمت الحكومة القمع في إسكات منتقديها. وارتكب الجيش الشعبي لتحرير السودان انتهاكات لحقوق الإنسان في ولاية جونقلي، شرق جنوب السودان، بحق قبيلة المورلي التي تسلحها الخرطوم لإحداث فوضى في المنطقة.
في مارس الماضي، انتقد مشار القيادة الاستبدادية لسلفا كير، كما أعلن أيضا أنه يمكن أن يتحدى سلفا كير على قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان وسوف يخوض سباق الرئاسة في 2015. وأقال سلفا كير مشار من نصبه كنائب للرئيس في يوليو الماضي، الأمر الذي عجل بانهيار توازن السلطة القبلي في الحكومة الهشة.
ويحتج منتقدو سلفا كير في الجنوب بأنه استبعد الإصلاحيين في حزبه وأحاط نفسه بدلا من ذلك بالموالين له من منطقة موطن رأسه والمساعدين السابقين للرئيس السوداني عمر البشير. وتوصل سلفا كير إلى عدد من التسويات مع الخرطوم حول تشاطر عائدات النفط ووضع إقليم أبي الحدودي محل النزاع. وقد يحتج بأن ذلك كان من أجل إحلال الاستقرار على علاقة جنوب السودان بالسودان، لكن آخرين يرون أنه قد تنازل في ذلك كثيرا.
وعلى الرغم من أن الصراع بين سلفا كير ومشار ليس على أساس عرقي، إلا أن خصامهما السياسي ينذر حاليا بالتحول إلى حرب قبلية. وقد تفجرت التوترات بين الدينكا والنوير داخل الحرس الرئاسي في الـ15 من ديسمبر، بعدما أمر سلفا كير جنود النوير بالتخلي عن أسلحتهم بسبب شكه في ولائهم. وتم ذلك بالفعل، وعندئذ قام جنود الدينكا بجمع الأسلحة وحدث إطلاق نار.
وادعى سلفا كير أن هذه محاولة انقلاب وأمر باعتقال 11 من الأعضاء الكبار في الحركة الشعبية لتحرير السودان. ونفذ جنود الدينكا عمليات قتل مستهدفة واسعة بحق المدنيين من النوير في جوبا. كما تم قصف منزل مشار في العاصمة من قبال مدفعية الحكومة وقتل موظفوه.
ومنذ ذلك الوقت فر مشار وجنوده إلى موطنهم في النوير في ولايتي النيل الأعلى والوحدة. وتذكر الأمم المتحدة ووسائل الإعلام أن مسلحي النوير المتحالفين مع مشار ارتكبوا أعمالا وحشية انتقامية واسعة النطاق ضد المدنيين من الدينكا. كما سيطرت قوات مشار على الحقول النفطية في مواقع قبيلة النوير، التي تعد أداة هائلة للنفوذ، ومرد ذلك أن النفط يسهم بأكثر من 90% من عائدات جوبا.
ويذكر أن الرئيس السوداني عمر البشير قد اقترح على سلفا كير إرسال قوات من الشمال لحماية حقول نفط الجنوب. ورفض سلفا كير وإن كان مشار قد أعلن عن نيته التفاوض على اتفاق نفطي خاص به مع الخرطوم. وسوف يسمح ذلك للخرطوم بأن تلاعب الأطراف الجنوبية ضد بعضهم البعض.
وقد قرر مجلس الأمن الدولي مؤخرا إرسال مزيد من القوات إلى جنوب السودان لضمان حماية المدنيين. غير أن هناك الكثير المطلوب عمله.
فيتعين على سلفا كير الإفراج عن المعتقلين السياسيين من الحركة الشعبية لتحرير السودان. كما يجب عليه أيضا تشكيل حكومة مؤقتة ريثما يتم إجراء انتخابات. وبدوره يجب على مشار وقف كل العمليات العسكرية الهجومية وسحب قواته من حقول النفط. وإذا رفض، يجب على الأمم المتحدة أن تفرض عقوبات.
على الرغم أن سلفا كير ومشار يعلنان أنهما يؤيدان المصالحة، فإنهما يحاولان تحقيق مكاسب عسكرية أولا بغية تعزيز موافقهما التفاوضية. ومن ثم يتعين العمل على إجراء محادثات بينهما في أسرع وقت ممكن. وقد عرض الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني العمل كوسيط، غير أن وسائل إعلام أوغندية أفادت بأنه أرسل قوات خاصة لحماية جوبا من قوات مشار التي تقترب منها. فهو ليس محايدا ويجب إيجاد وسيط آخر، ربما يكون الحكومة الأثيوبية.
قبل عقد من الزمن، احتج البشير بأنه لا يجب منح الجنوب استقلال لأن الجنوبيين لن يستطيعوا حكم أنفسهم ويمكن أن ينزلقوا إلى صراع عرقي. وعلى الجنوبيين ألا يثبتوا صحة ذلك.

إلى الأعلى