الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قفزة في الظلام

قفزة في الظلام

أ.د. محمد الدعمي

إذا كان الرئيس الأميركي، باراك أوباما، قد قدم نفسه قائدًا لنزع السلاح ولسحب القوات الأميركية التي كانت متورطة هنا وهناك عبر بقاع العالم طوال أكثر من خمس سنوات من حكمه، فإنه اليوم يقف على مفترق طرق بعدما وضعه الروس على المحك. وإذا كان المسؤولون الأميركيون لا يخفون عدم نيتهم التورط في أي التزام أو احتكاك عسكري في أي بقعة من العالم، خاصة إذا ما ضم ذلك الارتطام دولة كبرى مثل الاتحاد الروسي، فإنهم يدركون الآن أنهم أمام خيار صعب قد ينطوي على نهاية شهر العسل بين واشنطن وموسكو، الأمر الذي قد يقود إلى نزع سلاح “العقوبات الاقتصادية” من أذرع التحكم الأميركي وهيمنته العالمية.
المعضلة، ببساطة، تتلخص في أن أوروبا تخشى الاحتكاك بالجار الروسي الأقوى من جميع دولها، دفعة واحدة، كما أن أميركا تخشى أي احتكاك عسكري مع الروس لأنها تدرك جيدًا أنه لن يكون “استعراضيًّا” كما حدث في أماكن أخرى من العالم، حيث عرضت واشنطن عضلاتها العسكرية على أساس هدف تكريس نفسها كقوة واحدة تهيمن على العالم. وإذا كان الروس طوال هذه السنوات يلوذون بالصمت وبأداء دور “مساعد” للدور الأميركي عبر الأمم المتحدة من أجل “سيادة السلام والاستقرار” عبر العالم، فإنهم اليوم ينتفضون على ما أحيل إليهم من دور ثانوي، خاصة وأن المؤشرات تؤكد أن الولايات المتحدة تحاول جاهدة استغلال التراجع الاعتباري الروسي لصالحها، عن طريق تكريس ضعف روسيا بالمقارنة والمقابلة بالقوة الأميركية.
وإذا كانت واشنطن تخشى انهيار كل شيء مما تحقق حتى الآن، بقدر تعلق الأمر بسحب قواتها في الخارج، فإنها تقف اليوم على المحك الاقتصادي لأنها لو حاولت فرض “عقوبات اقتصادية” على روسيا، فإنها ستندم على مثل هذه الخطوة لأن هذه العقوبات ستكون سلاحًا ذا حدين على نحو مؤكد.
وإذا ما قادت الأوضاع الراهنة إلى “قفزة في الظلام” من جانب واشنطن، فإن أول ما سيفعله الكرملين ردًّا على البيت الأبيض هو، ببساطة متناهية أيضًا، أنه سيرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران لأنها، بالأصل، ليست عقوبات روسية، وإنما هي عقوبات أميركية وأوروبية مباركة من قبل الأمم المتحدة. أما المشاركة الروسية في الحفاظ عليها وإدامتها، فإنها لا تتعدى التزامًا اعتباريًّا مؤقتًا، لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية، خاصة وأن البلدين الجارين، روسيا وإيران، يشتركان في العديد من المصالح، إضافة إلى اشتراكهما في الحدود السياسية.
لنلاحظ أن “عقوبات” أميركية ضد روسيا ستقود إلى شيء من “الانفعال” الروسي، بسبب أن فرض العقوبات يعني أن يتم التعامل مع روسيا وكأنها دولة ضعيفة أو ثانوية القدرات، وليست دولة كبرى. لذا سينتفض الدب القطبي الروسي لكرامته، إذا ما حرم من تناول الأسماك. بل إنه يمكن أن يفعل ما من شأنه عدم تسليم رقبته للأميركان، بالسهولة التي يتوقعونها.
أما إذا تجرأت العقوبات المساس بمصالح روسيا، فإن هذا الأمر سيطلق أيدي الأخيرة على طريق تخريب جميع منظومات العقوبات المباركة من قبل الأمم المتحدة والمضادة لمصالح دول كبرى تتأهب اللحظة لانتفاض الروس ضد العقوبات الاقتصادية ضد إيران، على سبيل المثال، من أجل الالتحاق بالروس وكسر الحصار الاقتصادي على إيران، وهكذا يمكن أن ينفرط عقد العقوبات الاقتصادية الذي بقي عصا غليظة بأيدي الولايات المتحدة تهدد به جميع دول العالم، وبضمنها حتى زملائها الروس في النادي النووي، ومحفل منظمة الدول القوية المعروف. العقوبات الاقتصادية على روسيا هي “قفزة في الظلام” لأن واشنطن لا يمكن أن تتنبأ بما ستقود إليه هذه العقوبات من تحالفات المتربصين بالعقوبات وبها.

إلى الأعلى