الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / جلالة السلطان قابوس في النتاج الفكري

جلالة السلطان قابوس في النتاج الفكري

حرص العرب منذ القدم على تدوين السير وكتابة التراجم الشخصية للرجال من الشخصيات العظيمة، والتي هي مصدر فخر واعتزاز للأمة والتي اكتسبت شهرة واسعة بين الأمم؛ ولأجل حفظ تاريخهم وإنجازاتهم وفكرهم لبناء حضارات وأجيال قادمة؛ فتوثيق سيرهم يسهم في الاستفادة منهم حاضرا ومستقبلاً بما يعود بالنفع والفائدة على الأمم وحياة الشعوب.
ويطلق على هذا النوع من السير والتراجم “ببليوجرافيات الأفراد” وهي التي تبحث في سير الأعلام والمشاهير التي تعرف بأعمالهم أو الأعمال التي تتحدث عنهم.
وتعتبر شخصية صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من الشخصيات البارزة والعظيمة التي حظيت باهتمام محلي وعالمي بفضل سياسته الحكيمة وأنه رجل سلام، ولدوره البناء والفعال في بناء الإنسان العماني والحضارة العمانية، والاستفادة من هذه السياسة في خدمة البشرية. فيحتم تدوين وتوثيق تلك المعطيات والمنجزات ليسترشد بها وتبنى بها الأمم والشعوب في الحاضر والمستقبل.
وقد تناول المؤرخون والكتاب والباحثون السيرة العطرة لجلالة السلطان قابوس وإسهاماته وإنجازاته العظيمة التي تحققت على أرض السلطنة والدور الكبير الذي يلعبه على المستويين العربي والعالمي، بالتدوين والكتابة، وتوزع هذا الإنتاج في مصادر متنوعة، تم جمعها وتنظيمها في عمل ببليوجرافي حمل عنوان “جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم .. توثيق لسيرة عطرة .. ومسيرة مباركة”، صدر في سنة 2012، وهذا العمل للباحثين محمد البوسعيدي وصالح الزهيمي، والذي نحن بصدده هو قراءة ببليوجرافية للنتاج الفكري الذي تضمن في ذلك العمل الببليوجرافي تهدف إلى قراءة الاتجاهات العددية والنوعية والزمنية والموضوعية لخصائص النتاج الفكري الذي تناول السيرة العطرة لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم.
وتبين من خلال الببليوجرافية المنشورة أن مجموع الكتابات والوثائق التي تم جمعها بلغت ألف مادة تنوعت في أشكال عدة وأخذت جوانب موضوعية وزمنية مختلفة.
ومن الجوانب المهمة في هذه القراءة الموجزة الجانب الشكلي أو أنواع أوعية المعلومات التي تناولت السيرة العطرة لصاحب الجلالة، فقد تنوعت بين المصادر المطبوعة (كتب، مقالات دوريات، رسائل جامعية) وغير المطبوعة ممثلة في المواد السمعية والبصرية، فقد استأثرت الصحف ومقالات الدوريات النصيب الأكبر حيث بلغ عددها 898 مادة علمية، وهذا يرجع شهرتها واتساع نطاقها بين الباحثين والكتاب والقراء، بالإضافة إلى طبيعة دورها في إعلام الشعوب بالتطور الحضاري والتنموي الذي تشهده الحضارات البشرية، وجاءت الصحف والمجلات العمانية النصيب الأوفر منها حيث بلغت 734، في حين جاءت الصحف العربية والعالمية مجتمعة بنحو 164، وتعددت تلك الصحف والمجلات على المستوى العالمي، فمن ناحية الصحف والمجلات العربية جاءت في مقدمتها الصحف المصرية ومثلتها صحف الاهرام والجمهورية وكانتا أكثرهما نشراً، وتأتي ثانياً الصحف الإماراتية وكان النصيب الأكبر لجريدتي الاتحاد والخليج والصحف الأردنية ممثلة في جريدة الرأي، ويفسر هذا الانتشار في هذه الصحف بحكم العلاقات الوثيقة والمتميزة التي تربط بينهما وبين سلطنة عمان. وفيما يتعلق بالصحف الأجنبية منها جاءت الصحافة الفرنسية في مقدمتها فتصدرت مجلة باري ماتش وصحف لوموند ولبيراسيون من حيث تناولهما الأحداث والمنجزات العمانية.
وبلغ عدد الكتب 75 كتاباً أخذت اتجاهين في تناولها السيرة العطرة لجلالة السلطان فأما تناول الكتاب بكامله للسيرة العطرة وهذا ما تميزت به الكتب العمانية والتي بلغت 37 كتابا، أو فصل من الكتاب والذي كان صبغة الكتب الأخرى غير العمانية وكان عددها 38 كتاباً، وجاء في المرتبة الثالثة أفلام الفيديو والتي بلغت 25 تسجيل فيديو وكان معظمها من إنتاج تلفزيون سلطنة عمان وكانت خطابات صاحب الجلالة في الأعياد الوطنية والجولات السلطانية. وتأتي النوع الوعائي الأخير وهي الرسائل الجامعية بعدد رسالتين والذي يعتبر تطوراً كبيراً في الاهتمام بالسيرة الذاتية لصاحب الجلالة بتناولها في الدراسات الأكاديمية برسائل الماجستير التي تتميز بالتحليل والدراسة العلمية. وفيما يتعلق بطبيعة التأليف حيث تنوع بين التأليف الفردي والمشترك إلا أن الأول كان الأبرز وأكثر انتشاراً، وبلغ عدد المواد التي بها تأليف بنوعيه 304 مواد، وكانت مساهمة العمانيين منها بنحو 151 مادة وكان أكثرها في الشعر العربي في شكل دواوين وقصائد، بينما غير العمانيين بعدد 135 مادة علمية وكانت معظمها في مقالات الصحف والمجلات.
وفيما يتعلق بالتطور الزمني للإنتاج الفكري عن جلالة السلطان من منظور العقود تبين أن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من أخصب وأبرز العقود في تناول السيرة العطرة فقد نشر خلال هذه الفترة ما يقارب نصف المجموع الكلي للمواد حيث بلغت 461 مادة علمية ويرجع إلى التوسع والتطور الحضاري والتنموي وزيادة رقعة منجزات النهضة المباركة وترسخ مبادئ الدولة الحديثة فأدى إلى كثرة الكتابات والاهتمام الإعلامي لتسليط الضوء على هذه المنجزات والتطورات، بالإضافة إلى انتشار وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، ودورها الإعلامي المتميز في إبراز منجزات النهضة المباركة، وزيادة أعداد الباحثين والدارسين والإعلاميين ودورهم في توثيق وتدوين الحضارة العمانية. أما عقد الثمانينات من القرن الماضي فقد تم نشر ما يقارب من 364 مادة، ويعتبر حركة نشر جيدة بالمقارنة مع البداية الفعلية للنهضة العمانية وبداية ظهور التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث كثر خلال هذا العقد المقابلات واللقاءات الصحفية لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد من قبل وسائل الإعلام المختلفة المحلية والخارجية منها. أما عقد التسعينات فقد نشر 130 مادة علمية، أما عقد السبعينات فيعتبر أقل العقود نشراً فيها، ويرجع هذا لبداية الدولة العمانية، وقلة وسائل الإعلام المحلية، وغياب الإعلام الخارجي عن الساحة العمانية.
ومن الجوانب الأخرى المهمة في هذه القراءة الببليوجرافية الاهتمامات الموضوعية التي تناولها الإنتاج الفكري المنشور والتي يمكن تقسيمها إلى محورين، الأول سيرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم وبها 630 مادة علمية منها 75 مادة في شعر الفخر والمديح، وثانياً مسيرة الإنجازات الحضارية التي حققتها السلطنة على كافة المستويات المحلية والعالمية خلال السنوات الماضية من عمر النهضة المباركة وبها 370 مادة. ولقد تناول المحور الأول السيرة الذاتية في 83 موضوعاً متخصصاً، تميزت بالثراء والتنوع وكان من أبرزها السيرة العطرة لصاحب الجلالة بشكل عام والتي تناول فيها: النشأة، والصفات الشخصية، والهوايات، ودراسته، وبداية الحكم في البلاد، والجولات السامية التي تميز بها النهج السامي والتي هي برلمان عمان المفتوح بين القائد وشعبه، أما الموضوع الآخر فجاء التأييد الشعبي لصاحب الجلالة من قبل المواطنين تلك المقالات والبحوث التي تعبر عن مدى الولاء والعرفان لباني نهضة عمان، ومن الموضوعات الأخرى خطب وتصريحات صاحب الجلالة وما يتبعها من عرض وتحليل من قبل الباحثين والدارسين والإعلاميين، والمقابلات واللقاءات الصحفية التي تميزت بها السيرة العطرة لصاحب الجلالة وخاصة في فترة الثمانينات من القرن العشرين، وكان للشعراء دور كبير في التعبير عن النهضة العمانية وقائدها حيث الكثير من القصائد المنفردة والدواوين التي تحمل كل الفخر والاعتزاز برائد نهضة عمان. أما المحور الموضوعي الثاني والذي تناول مسيرة الإنجازات الحضارية في السلطنة فقد تناولها في عدة مجالات من أبرزها الجوانب التنموية في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية.
وأخيراً فإن هذا الاهتمام الكبير بشخصية السلطان قابوس من خلال الكتابات والبحوث ومقالات الدوريات يعتبر دلالة قوية على تأثير هذه الشخصية العظيمة على كافة المستويات المحلية والعالمية، ودورها الحضاري الرائد في خدمة وصناعة الحضارة البشرية.

إعداد: محمد بن خميس بن حمد البوسعيدي
mkh@squ.edu.om
المكتبة الرئيسية، جامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى