الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اعتذار متأخر وغير كاف

اعتذار متأخر وغير كاف

كاظم الموسوي

” كان رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير مسؤولا عما حصل في العراق من جرائم الغزو والاحتلال والقتل والإبادة والتخريب والتدمير والعنف والإرهاب، من خلال دوره ومشاركته وكونه مسؤولا فعليا ومحرضا عمليا، وتابعا مقتنعا لسياسات الامبريالية الاميركية وعدوانها الاجرامي. هذا الامر يثبت مسؤوليته القانونية والأخلاقية عما حصل وحدث. ألم يسمى حينها بكلب بوش؟.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ما نفع اعتذار مجرم حرب، وفق كل المعايير القانونية، واثبات اعترافاته والمتعاونين معه بذلك، وهو حر طليق طيلة الفترة التي استمرت بعد ارتكاب الجريمة المعلنة؟، ماذا يعيد اعتذاره للشهداء والضحايا، والخسائر المادية والمعنوية، وهو يتفرج على كل ذلك لأكثر من عقد من الزمان؟!. هل من الاخلاق انتظار اعتذاره؟، وهل من العدالة تركه يفلت من العقاب القانوني؟. وما زال دم الشهداء والضحايا على يديه، وانين الثكالى والأيتام متصاعدا في كل بقعة ارض وقف عليها ووجه صواريخه وأسلحته المحرمة دوليا عليها. اسئلة وأجوبة تؤكد الجريمة وتطالب بالمحاكمة العادلة وإنصاف الحقوق المشروعة وإعطاء درس تاريخي لكل من يعنيه الامر…
كان رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير مسؤولا عما حصل في العراق من جرائم الغزو والاحتلال والقتل والإبادة والتخريب والتدمير والعنف والإرهاب، من خلال دوره ومشاركته وكونه مسؤولا فعليا ومحرضا عمليا، وتابعا مقتنعا لسياسات الامبريالية الاميركية وعدوانها الاجرامي. هذا الامر يثبت مسؤوليته القانونية والأخلاقية عما حصل وحدث. ألم يسمى حينها بكلب بوش؟. وما ينتظر من تقرير لجنة تشيلكوت بخصوص الحرب على العراق في بريطانيا هو المطالبة بمحاكمته كمجرم حرب، وعدم السماح له بالإفلات من العقاب، ووضع سابقة له ولغيره من مجرمي الحرب، ولابد من اقرار العدالة والقانون واحترام مشاعر اهالي الضحايا والشهداء وتحميله مع غيره من المرتكبين والمتهمين تكاليف اعادة اعمار ما خرب ودمر بالحرب والغزو والقصف والحرق وغيرها من الجرائم المرتبطة بالجريمة الاساسية، لا تمييع القضية والتهرب من المسؤوليات والارتكابات، منه ومن غيره، وحتى من اللجنة نفسها.
فى مقابلة تلفزيونية وردا على سؤال، بوجه جامد وبكلمات متعثرة، اجاب بلير بأنه “يعتذر عن أخطاء” وقعت فى غزو العراق، منها “عدم صواب الأدلة الاستخباراتية” التي استخدمت كمبرر للحرب وعلى رأسها “وجود أسلحة دمار شامل”، و”سوء تخطيط” أميركا وبريطانيا لمرحلة ما بعد سقوط النظام العراقي، رافضا الاعتذار عن “الحرب نفسها”.
حسب الكثيرين من المتابعين، اعتذار بلير كان “إجرائيا”، فضلا عما حمله من اساءة الى العرب ضمنا وتحميلهم المسئولية عن الفوضى العارمة والانهيار الكامل لمجتمعات ودول لأن”الشعوب العربية لم تدخل بعد عصور الحداثة”!.
في هذا السياق، قالت صحيفة الجارديان البريطانية إن بلير”اعتذر جزئيا عن حرب العراق، وهذا يوضح أنه قد تعلم القليل من مغامراته في العلاقات الدولية، حيث إن الإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق تسببت في ظهور داعش، وتضيف الصحيفة أن الاطاحة بالزعيم الليبي “معمر القذافي” وتفكيك الدولة الليبية جاء بسبب سوء تقدير السياسيين الأوروبيين.
كما حاول بلير في مذكراته المنشورة التملص من المسؤولية عن الجرائم التي مورست في غزو واحتلال العراق، واللف والدوران حول ما حصل من تداعيات واختلال، ليس في العراق وحده، ولا في المنطقة ايضا.
اشارت الصحيفة الى ما سبق وقاله كولن باول وزير الخارجية الأميركي الأسبق عن أن المعلومات التي بنيت عليها الحرب ضد العراق كانت خاطئة، وكررها بلير مرتبكا في اعتذار “عن بعض الأخطاء في التخطيط، وبالتأكيد عن خطئنا في فهم ما سيحدث بمجرد الإطاحة بالنظام”، ولكنه، ورغم إدراكه للخطأ، كرر ضمنيا أنه من حق الدول العظمى الإطاحة بمن لا يروق لها، معربا عن اعتقاده بأن عدم وجود صدام أفضل، بالرغم من إقراره بأن هناك “شيئا من الحقيقة” في القول إن غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا أدى إلى ظهور عناصر تنظيم “داعش” في سوريا والعراق.
اعتبرت الصحيفة أن اعتذار بلير الأخير “لا يكفي واعترافه ببعض الأخطاء عن المسؤولية في سقوط نحو مليون عراقي في فترة الحرب، وملايين الجرحى والأيتام، وإشعال الحروب الطائفية، وانتشار القتل على الهوية، إضافة إلى رسم هيئة حكم تكرس الانقسام والاقتتال بين مكونات الشعب العراقي، وتدمير البنية التحتية للبلاد، وغوص البلاد في مستنقع لم تخرج منه حتى الآن”.
اعتذار بلير استكمل ما اعتاد مسؤولون غربيون، لاسيما أميركيون، على تقديمه بعد خروجهم من السلطة، وبعد أن يكونوا قد تسببوا بقراراتهم في كوارث عالمية من حروب وهدم دول بكاملها واحتضان انقلابات على أنظمة ديمقراطية ودعم إبادات، مباشرة أو غير مباشرة، الامر الذي لا يخرجهم من المسؤولية القانونية والأخلاقية، ولا يعبر اعتذارهم إلا عن اعتراف بما ارتكبت اياديهم وما حصل من جرائها من كوارث لم تنته اثارها ومتعلقاتها.
يجمع المختصون بالقانون والعلوم السياسية إن اعتذار بلير الجزئي عما جرى في غزو العراق والتطورات بعد ذلك هو اعتذار متأخر وغير كاف. ورغم إنه ليس وحده الذي يتحمل المسؤولية بالكامل، لكنه متورط بشدة في الكارثة التي تكشفت نتائجها هناك، وأن نتائج سياسات بلير بحربه في أفغانستان والعراق أدت لانهيار المنطقة في العديد من المجالات، وأنتجت، من بين ما انتجت، حركة لجوء ونزوح وهجرة واسعة للأبرياء بحثا عن ملاذات آمنة. وأن حجم الكارثة ومئات آلاف القتلى الذين سقطوا ضحية “القرار الخاطئ” وفق مصطلحاته، يصعب أن يتم تعويضهم بمجرد اعتذار واعتراف بالمسؤولية عن الجريمة.
لماذا اعتذر بلير الآن وفي لقاء اعلامي؟ وهل يعني انه قدم شهادة اخرى علنية عن مشاركته في الجريمة الكارثة؟ وهو محام ورجل قانون قبل ان يكون سياسيا. طيلة الفترة السابقة واصل بعناد وإصرار تبرير الجريمة وتداعياتها. سبق أن قال أمام مجلس العموم في العام 2004 “لن أعتذر عن الصراع. أؤمن أن قرار الحرب كان سليما”. ثم عاد وأعاد في مقابلة تلفزيونية عام 2007: “لا أعتقد أن علينا أن نعتذر عن كل ما نفعله في العراق. على العكس من ذلك، علينا أن نكون فخورين تماما به”. وفي العام نفسه، في خطاب اقالته من رئاسة الحكومة، ردد ما حرفيته “قد أكون أخطأتُ، لكنني فعلت ما اعتقدت أنه ضروري لبلدي”. وفي مقابلة عام 2013، كرر كلامه نفسه، وفي غيرها من المناسبات.
هل ينفع الاعتذار ام يستفاد منه كاعتراف منه، والاعتراف سيد الادلة، ومحاكمته كمجرم حرب؟!.

إلى الأعلى