الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / جماعات “الإسلام السياسي”.. إفساد للدين وللسياسة معًا!

جماعات “الإسلام السياسي”.. إفساد للدين وللسياسة معًا!

جواد البشيتي

مصطلح “الإسلام السياسي” هو الآن الأكثر انتشارًا وذيوعًا في البلاد العربية؛ وهذا المصطلح يَدُلُّ على معانٍ عدة، أهمها أن الإسلام ينطوي ويشتمل على جُمْلَة من “المبادئ (والمفاهيم والأحكام) السياسية”، التي بعضها على هيئة “النص”، وبعضها يأتي به “فقهاء”، أو يتأتى من طريق “التأويل”، أيْ من طريق البحث عن “المعاني الخفية” وراء “المعاني الظاهرة” في الكلام الديني، أو النصوص الدينية.
“الإسلام السياسي”، ولجهة معناه الواقعي الملموس، ليس بمدار اتِّفاق حتى بين جماعاته ومنظَّماته الكثيرة المتكاثرة؛ فالمُنْتَمون إليه لا يتَّفِقون حتى على ماهيته، ومبادئه، وأُسسه.
إنَّ الناس في مجتمعاتنا الإسلامية متديِّنون، على وجه العموم، ولديهم من “الإيمان الدِّيني (وقوَّته)” ما يَحْمِلهم، في استمرار، على أنْ يسألوا عن “الحلال” و”الحرام” في كل أوجه وتفاصيل حياتهم الواقعية (واليومية).
ومن هذا المَدْخَل، مَدْخَل “الحلال والحرام”، تَدْخُل جماعات “الإسلام السياسي”، أيضًا، إلى عقول ومشاعر العامَّة من الناس، فتغدو “السياسة”، مع كل ما يمت إليها بصلة، شيئًا يمكن ويجب قياسه بميزان “الحلال والحرام”؛ وفي هذا على وجه الخصوص يَكْمُن خطر “الإسلام السياسي”؛ فـ”الإيمان الديني”، يتفرَّع ويتشعَّب لِيَشْمَل “التديين” للسياسة.
وهذا ما نراه جليًّا واضحًا في دعوة العامَّة من المسلمين إلى أنْ يَنْتَخِبوا مَنْ (وما) يُمثِّل “الحلال”، ويِكْفوا أنفسهم شرَّ انتخاب مَنْ (وما) يُمثِّل “الحرام”؛ وإلى أنْ يتوفَّروا على تمييز “الحلال” من “الحرام” في مفاهيم ومبادئ وآراء ووجهات نظر ومواقف تنتمي إلى “السياسة”، و”عالَمها”.
لكنَّ كل ما تبذله جماعات “الإسلام السياسي” من جهد (فكري) في “تديين”، أو “أسْلَمَة”، السياسة، لا يتمخَّض، في آخر المطاف، إلاَّ عمَّا يقيم الدليل على أن هذه “الجماعات”، مع مفكِّريها، تُوفَّق في شيء واحد فحسب هو إلباس نُظمٍ سياسية (عالمية) لا جذور لها، ولا أصول، في الفكر الإسلامي، لبوسًا إسلاميًّا؛ وهذا اللبوس نراه على وجه العموم كالشَّكل الذي في نزاعٍ مع محتواه.
وفي “التصويت”، على وجه الخصوص، نرى “الثمرة المُرة” لِمَا بذلته قوى “الإسلام السياسي” من جهد في تسييس الدِّين، والذي هو تسييس يتفاوت سوءًا بين هذه القوى، التي بعضها يتمادى فيه بما يجعل ضحاياه في “ظلامية سياسية تامة”.
“المُصوِّت”، الذي نفثوا في روعه أن تصويته إما أنْ يكون من “الحلال” وإما أنْ يكون من “الحرام”، مع ما يعنيه له “الحلال” و”الحرام”، دنيا وآخرة، لن يمارِس من “إرادته (الانتخابية والسياسية) الحُرَّة” إلاَّ ما يشبه “الظَّلال” منها؛ إنَّه “يملك” صوته؛ لكن غيره، أيْ المشتغلين بتسييس الدِّين، وتديين السياسة والتصويت، هو الذي “يَسْتَعْمِل (ويَسْتَخْدِم)” صوته بما ينفعه ويفيده هو، وبما يعود بالضرر والأذى (على ما ثَبت وتأكَّد في تجارب عِدَّة) على “صاحب الصوت”، فَيْصلى هذا بالنَّار الكبرى في دنياه، ليَنْعَم ذاك بالجنَّة الأرضية!
بهذا التسييس للدِّين، أو التديين للسياسة والانتخابات، تَفْسُد كثيرًا “الإرادة الحُرة” للناخب، أو المُصَوِّت؛ فَمَنْ ليس مع “الإسلام السياسي”، على وجه العموم، هو، حتمًا، مع “الفسطاط الآخر”، وما أدراكَ ما “الفسطاط الآخر”!
الأمر يلتبس علينا، ويختلط؛ لأنَّ طُلاَّب الحُكْم (أو السُّلْطَة) في عالمنا العربي والإسلامي يجتهدون دائمًا في انتزاع مبادئ وطرائق ومفاهيم للحُكْم من أمكنة وأزمنة مختلفة؛ لكنَّها تَصْلُح، على وجه العموم، ولأسباب واقعية، لابتناء نظامٍ سياسي (عندنا) منها، فيتوفَّرون، من ثم، وبمعونة “مُفَكرين إسلاميين”، على كَسْو هذه “العِظام” الأجنبية، أو العالمية، “لَحْمًا (أو شيئًا من اللَّحْم)”، هو كناية عن “مفردات” و”عبارات” و”تسميات”.. إسلامية، وإنْ تَسَبَّب عملهم هذا بكثير من التنافُر بين “محتوى (جُلُّه له مثيل عند غيرنا)” وبين “تشكيلهم له تشكيلًا إسلاميًّا”، أيْ وَضْعِهم له في شكلٍ، أو قالَبٍ، إسلامي.
بعض الناس العاديين يمكن أنْ يَفْهَم، أو قد يَسْهُل إفهامه، أنَّ “التهجُّم” على “الإخوان المسلمين”، وسائر فروع ومشتقات ما يسمَّى “الإسلام السياسي”، هو تَهَجُّمٌ على “الإسلام” نفسه؛ وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على أهمية وضرورة أنْ يتوفَّر المفكِّرون المتنوِّرون في مجتمعنا على تقويض هذه الصلة المصطنعة الزائفة بين “الدِّين” نفسه وبين المتَّخِذين أحزابهم “لسانًا سياسيًّا” للدين؛ ولقد أقامت تجارب المزاوجة بين “الدين” و”السياسة” الدليل على أنَّ هذه المزاوجة لا تفيد إلاَّ في شيء واحد، هو تشويه طرفيها معًا؛ فالدين لا يبقى دينًا، والسياسة لا تبقى سياسةً.

إلى الأعلى