الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس : الغلط في القانون .. والجهل بالقانون

القانون والناس : الغلط في القانون .. والجهل بالقانون

**
يخلط البعض بين مفهوم الغلط في القانون ومفهوم الجهل بالقانون مع أن لكل منهما هدفا وأثرا يختلف عن الآخر… ولأهمية بيان ذلك- على الأقل من وجهة نظرنا- يكون لزاما علينا أن نبين في مقالتنا هذه ماهية كل من الغلط والجهل، والأثر المترتب عليهما… الغلط في القانون: وهم يثور في ذهن المتعاقد (الشخص) يتصور الأمر على غير الحقيقة ويحمله على اعتقاد أن قاعدة قانونية لها حكم معين مع أنها في الواقع لها حكم مغاير لما اعتقده أي حكم آخر، بحيث إن المتعاقد لم يكن ليقدم على إبرام العقد لو لم يقع في ذلك الغلط… خذ على ذلك مثالا الغلط الذي يقع فيه الوارث عند تقاسمه التركة مع أخت له بالتساوي ثم يتضح له بعد ذلك أن القانون يعطيه مثلي نصيبها مصداقا لقوله تعالى في الآية (11) من سورة النساء “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” صدق الله العظيم… فمثل هذا الغلط يعطى الوارث الحق في طلب فسخ العقد بحكم القانون باعتبار رضاه بالعقد لم يكن سليما… وبالتالي لا يمكن للأخت أن تلزم أخاها بتنفيذ العقد وان تدعي بأنه كان يجب عليه ألا يعتذر بجهل القانون … فعند مطالبة الأخ بفسخ العقد يسعى إلى تطبيق حكم القانون الذي يعطيه مثلي نصيب أخته. وهذا ما صرحت به المادة (112) من قانون المعاملات المدنية العماني، حيث جرى نصها على النحو التالي “للمتعاقد فسخ العقد إذا وقع منه غلط في القانون وتوافرت شروط الغلط في الواقع طبقا للمادتين (109)، (111) من هذا القانون ما لم ينص القانون على غير ذلك.”
وبالرجوع إلى المادتين (109)، (111) يتبن لنا أنه يشترط لقيام الغلط المعيب للرضا شرطين هما: أولها أن يكون الغلط في أمر مرغوب فيه أي جوهريا. بحيث يكون من الجسامة أي يمنع المتعاقد الذي وقع في الغلط في أمر مرغوب فيه إذا ما وقع في صفة المحل أو في ذات المتعاقد الآخر… وذلك بدلالة المادة (111) من قانون المعاملات المدنية “للمتعاقد فسخ العقد إذا ما وقع منه غلط في أمر مرغوب فيه كصفة في المحل أو ذات المتعاقد الآخر أو صفة فيه.”
وثاني هذين الشرطين: يجب أن يتصل الغلط بعلم المتعاقد الآخر، ولعل الحكمة من هذا الشرط هي كفالة استقرار المعاملات بين المتعاقدين… بحيث إنه إذا لم يعلم المتعاقد الآخر بالغلط الذي وقع فيه المتعاقد الأول فإنه بلا شك سوف يتفاجأ إذا ما قام هذا الأخير بطلب فسخ العقد م بسبب الغلط… من هنا يتبين لنا أن الغلط هو غير الجهل بالقانون… وهذا المفهوم الأخير تحكمه قاعدة مشهورة “عدم جواز الاعتذار بجهل القانون” باعتبار أنه لا يقبل من الشخص أن يتخلص من حكم قاعدة قانونية بدعوى جهله بها… فمبدأ العلم بالقانون من المبادئ الدستورية العامة ويعني “افتراض علم الشخص بالقانون، ومن ثم لا يحق له الاحتجاج، أمام السلطات المختصة بأنه لم يعلم بصدور مثل هذا القانون أو هذا النص القانوني أو تلك القاعدة القانونية… وعلى هذا كيف هذا المبدأ على أنه من المبادئ العامة تأسيسا على أن جانبا كبيرا من الأحكام التي أتى بها النظام الأساسي يتناول حقوق وحريات وواجبات المواطن وبالتالي فإن مبدأ العلم بالقانون من جملة الواجبات التي يتوجب على المواطن تحملها… ويطرح جانبا من الفقه التساؤل الآتي: أليس في إجازة التمسك بالغلط في القانون لجهل المتعاقد به هو في حقيقته إباحة للاعتذار بجهل القانون؟… وبالتأكيد ووفق ما تم الإشارة إليه سلفا، تكون الإجابة على هذا التساؤل بالنفي… باعتبار التمسك بالغلط في القانون ليس فيه إباحة للاعتذار بجهل القانون، ذلك أن من يعتذر بجهل القانون هدفه التخلص من حكم القانون، في حين من يتمسك بالغلط في القانون لا يهدف إلى استبعاد القانون من التطبيق، بل على العكس فهو يهدف ويرغب بتطبيق القانون الصحيح… هذه قراءة سريعة في ماهية الغلط في القانون… والجهل بالقانون. وللمزيد من الإيضاح يمكن للقارئ الرجوع إلى قانون المعاملات المدنية… قراءتنتا القادمة ـ إن شاء الله ـ مع موضوع آخر …

د. سالم الفليتي
أستاذ القانون التجاري والبحري المساعد- كلية الزهراء للبنات محام ومستشار قانوني كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية والاتفاقيات الدولية Salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى