السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الرصيد الحقيقي للسلطنة

الرصيد الحقيقي للسلطنة

السيد عبد العليم

”تتمتع السلطنة بالتزام أهلها بالعادات والتقاليد المتوارثة ويأتي في مقدمتها العنصر القبلي، حيث ان السلطنة مكونة من قبائل عديدة ومعروفة. غير ان اللافت هو ان العنصر القبلي هذا يتم استخدامه في الجانب الحقيقي والإيجابي له امتثالا لقول الله عز وجل “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ””
ـــــــــــــــــــــــ
هناك صفات تميز بعض البلدان؛ مثل الحرية بالنسبة لأميركا والاناقة والجمال لفرنسا بلد المتانة الصناعية لألمانيا وتونس الخضرة ومصر هبة النيل.
أما السلطنة فربما يرى البعض انها تتميز بموقعها الجغرافي الفريد. ويرى فريق آخر أنها تتميز بأصالتها التاريخية التي ترجع الى حضارة عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد أو بفترات قوتها التاريخية عندما كانت امبراطورية تمتد الى شرق افريقيا وغيرها وقوة بحرية كبيرة.
بالطبع تلك سمات لا يمكن تجاهلها، لكن بالنظر العميق لما يميز السلطنة بصفة تتفرد بها عن اغلب بلدان العالم، نجد سمة التسامح التي تتمثل في قبول الآخر وتقديره والتعايش معه. فتلك الصفة تسود ربوعها وتميز أبناءها بشكل حقيقي.
فعلى الرغم من أن عمان الحديثة قد تكونت من عرقيات ومذاهب مختلفة، إلا أن القاصي والداني يلمس روح التسامح السائدة بين أبنائها، والتي تنطلق من فكرة أن الدين يسع الجميع.
ومع ذلك فربما لا يدرك كثير من الشباب قيمة وأهمية هذا التسامح. وذلك لأنهم يعايشونه ولم يتكبدوا مشقة البحث والوصول إليه، حيث وجدوه بين أيديهم فلم يلتفتوا إليه بشكل كبير برغم ممارستهم له، لأنه صار بالنسبة لهم أشبه بالهواء. اذ على الرغم من اهميته القصوى للانسان وباقي الكائنات، الا ان الهواء ليس محل اهتمام كبير مثل الطعام والماء وذلك بحكم وفرته. وهكذا صارت قيمة التسامح هذه بين الشباب. بينما يدرك أهميتها بشكل أكبر الشيبة، لأنهم يعرفون جيدا ما كان عليه الحال قبل ترسيخ هذه القيمة، ولأن كثيرا منهم ربما عمل وعاش او درس وتعلم في بلدان اخرى فشاهدوا ما عليه الحال في تلك البلدان، فأدركوا قيمة واهمية ذلك، حيث كما يقال بنواقضها تظهر الاشياء.
وليسمح لي القارئ الكريم بان أروي هنا باختصار بعضا مما شاهدته بعيني حتى يلمس الفرق ويشعر بقيمة ما بين يديه. فخلال سنوات الدراسة الجامعية، كان هناك السكن الجامعي الذي كان يضم اكثر من 10 آلاف طالب، وغالبا ما كانت تثور مجادلات تصل الى حد الاشتباكات والمعارك بين ما يعرف بالجماعات الاسلامية. وذات مرة تقدم طالب عقب صلاة المغرب ليلقي درسا عن حرمة الغناء وأعلن تحديه واستعداده لمناظرة أكبر عالم في ذلك، فمر طالب آخر قرب حلقة الدرس ووجه سؤال إلى ذلك الطالب المتحدي بأن البلد مدينة بمليارات فخبرونا كيف يتم تسديدها؟ فانفجر الجدل والصراع. بل في كثير من الاحوال كانت صيحات الجدل والخلاف تعلو داخل المساجد على قضايا فرعية غير ذات بال من الاساس.
هذا، في حين نرى في هذا البلد ذلك التسامح المجتمعي المتميز بين اصحاب مذاهب مختلفة. فهذا يصلي خلف هذا. وهذا يصلي بجنب هذا دون ان نسمع جدلا واختلافا. من قبيل لماذا انت مخالف لي او ما شكل مما يشيع في كثير من البلدان وهو الأمر الذي أورث اهل تلك البلدان البؤس والشقاء.
كما تتمتع السلطنة بالتزام أهلها بالعادات والتقاليد المتوارثة ويأتي في مقدمتها العنصر القبلي، حيث ان السلطنة مكونة من قبائل عديدة ومعروفة. غير ان اللافت هو ان العنصر القبلي هذا يتم استخدامه في الجانب الحقيقي والإيجابي له امتثالا لقول الله عز وجل”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” 13 الحجرات. فمع الالتزام في كثير من الأحوال بالتقاليد القبلية، إلا اننا لم نر من يتفاخر بحسبه ونسبة وقبيلته. فلم نسمع شخصا يقول: “ما تعرف بتكلم من أو ما تعرف أنا ولد من؟” التي انتشرت وتنتشر في بعض البلدان بشكل أشبه بالسوس الذي ينخر جسد تلك البلدان فيجعل أعزة اهلها أذلة، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف. وما يحدث في اجزاء كثيرة من حولنا من عمليات تفجير وقتل وتخريب وتشريد وهجرة وغيرها مرده في الغالب شعور بعض أهلها بالتميز على غيرهم سواء دينيا او عرقيا او طائفيا بدون وجه حق، الأمر الذي يشعل الغل والغضب فتحدث خلافات ومشاكل تبدأ صغيرة، لكن نتيجة للنظرة الاستعلائية تلك تؤدي الى تعاظم تلك المشاكل حتى تمسي صراعا كبيرا شاملا يأتي على الاخضر واليابس في تلك البلدان «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» 16 الإسراء.
في الحقيقة، فإن سلطان هذا البلد على صهر العرقيات والمذاهب المختلفة والقبائل المتفرقة في بوتقة واحدة يظلهم جميعا مبدأ سيادة القانون الذي يساوي بين كل هؤلاء في الحقوق والواجبات في الممارسة العملية أي على المستوى التطبيقي وليس المستوى النظري فقط. فمن الممارسة العملية لهذا النهج القائم على التسامح، ان يشمل الكل حكم القانون فهو الفيصل بلا تفريق أو تمييز ـ بعض البلدان فيها قوانين واحكام لكل التصرفات المخالفة من الناحية النظرية لكن في الممارسة العملية لا يطبق القانون إلا على الضعيف ـ وتطبيقا لهذا النهج تقوم أجهزة الدولة بأداء الدور المنوط بها في خدمة المواطن.
ولا توجد اجهزة معينة في الدولة تطغى وترى نفسها فوق القانون وانها سيف مسلط على رقاب العباد لإذلالهم كما يوجد في بعض البلدان التي ترى اجهزة العدالة وتطبيق القانون فيها، مثلا، أنها فوق البشر وأنهم أسياد وبقية الشعب عبيد. اننا نذكر ذلك ونؤكد عليه حتى يدرك الناس وخاصة الشباب قيمة ما بين ايديهم وما يتمتعون به حتى تزداد نظرة التقدير والاحترام والاعتزاز لما تتميز به بلدهم وما يمثله ذلك من رصيد حقيقي لها.
فمن السهل بناء المصانع والمنشآت، لكن من الصعب بناء الانسان الحقيقي. وهذا هو الإنجاز الحقيقي، حيث في الوقت الذي انطلقت فيه عجلة بناء الدولة العمانية الحديثة بإقامة مؤسسات ومدارس ومستشفيات وطرق وموانئ ومطارات ومصانع، مع مواكبة التقدم الانساني العالمي في شتى المجالات، كان نصب عين القيادة المواطن وسبل راحته والعناية به بصفته انسانا حقيقيا.
ولتعزيز وتفعيل روح التسامح بين أبناء الوطن، كان التركيز والحذر من آية شائبة يمكن ان تقدر ـ ولو بالشيء اليسير ـ ذلك التسامح، فكان القرار الحاسم لبنذ النظرة السلبية لدى البعض جراء الفروق في الأجور والمرتبات بين الموظفين، والذي تمثل في توحيد جدول رواتب العاملين المدنيين في الدولة ليتم تهدئة الخواطر وطرد هواجس الشيطان ونزغاته للبعض. ثم كان رفع أجور المواطنين العاملين في القطاع الخاص وتوحيد الإجازات في المناسبات العامة. فكل ذلك يجعل المواطنون يشعرون بالمساواة الحقيقية فتتعزز وتترسخ قيمة التسامح بينهم.
كما ان هذا التسامح المجتمعي القائم على المواطنة المتساوية المتآخية ينعكس بدوره على ممارسات الحكومة في كل النواحي، بما في ذلك السياسة الخارجية، حيث ينعكس التسامح على نظرتها للإنسان كقيمة بغض النظر عن جنسه أو معتقده فهو في النهاية انسان. وهو بنيان الرب ملعون من هدمه. فتعمل تلك السياسة الحكيمة على اشاعة السلام ونبذ العنف والقتل والارهاب بكل اشكاله ومهما كانت أسبابه واضعة نصب عينها قول الحق سبحانه وتعالى “مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيْعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا” 32 المائدة.
فالسياسة الخارجية للسلطنة تتبع نهج التواصل الحضاري مع العالم. هذا النهج الذي يقوم على السلام مع جميع الدول سواء اقليمية او عالمية. ويتمثل هذا النهج في الحرص على تجنب الخصام مع أي دولة. وحال وقوع أي خلاف او نزاع طارئ مع دولة ما، تكون المبادرة إلى تسويته سلميا ووديا. وقد كان هذا هو النهج المتبع في ترسيم وتثبيت الحدود الجغرافية مع البلدان المتاخمة والمجاورة. فضلا عن الحرص على تفعيل كل فرص التعاون المتاحة مع كل البلدان وفي كل المجالات على اساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية للغير. ويتم ذلك من خلال الاسهام في دعم القضايا الانسانية وعلى وجه الخصوص ما يتعقلق برعاية الانسان- مثل المعونات الغذائية والطبية التي تقدمها السلطنة للأشقاء في اليمن المجاور- وغيرها من الأماكن، والحيوان وحماية البيئة الحاضنة للحياة فوق اليابسة وفي المحيطات والأنهار والفضاء الخارجي، مثل جائزة السلطان قابوس للحفاظ على البيئة، والمشاركة في كل المحافل الدولية المعنية بهذه القضايا.
وهذه الأمور جعلت السلطنة محل ثقة وتقدير لدى جميع بلدان العالم. اذ ليس لها خصومة مع أحد مما يدفع الكل ـ حتى الاطراف المتصارعة في المنطقة ـ الى ان تقدرها وتنشد دورها في التسويات والصلح بينها، الامر الذي لا يتحقق لكثير من بلدان العالم.
ان هذا النهج القائم على التسامح الذي يسود هذا البلد لهو في الحقيقة وبدون أي مبالغة بمثابة انجاز واعجاز لهذا القائد الفذ. وهذا الأمر يجب ان يتوقف عنده الباحثون والمفكرون كثيرا بالدراسة والتحليل لفهمه واقتباسه واتخاذه نموذجا لتعميمه ونشره في ربوع العالم. فقد ترتب على هذا النهج أن عاش ويعيش هذا الشعب في أمن وأمان وسلام في وقت ينتشر فيه القتل والتخريب والتفجير في مناطق كثيرة حوله.
فعلى أبناء السلطنة، وفي مقدمتهم الشباب، بوصفهم عماد الأمة والحافظ الأمين لمكتسباتها أن يدركوا قيمة الكنز الحقيقي الذي بين أيديهم والذي يتمثل في هذا التسامح الذي ترسخ على يد ابائهم واسلافهم. هذا الذي يجعلهم يعيشون اليوم في عزة وكرامة وسلام وأمان. وذلك بأن يدركوا قيمته ويحافظوا عليه بوصفه الثروة الحقيقية لهذا البلد والرصيد الحقيقي لها. فهنيئا لعمان هذا القائد الفذ باني هذه النهضة المكتملة الأركان.

السيد عبد العليم

إلى الأعلى