الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من “الأنموذج” إلى “الرمز”

من “الأنموذج” إلى “الرمز”

أ.د. محمد الدعمي

”يطلق استذكار زمن انطلاق النهضة في أذهان الرجال والنساء العمانيين الذين عاصروها وواكبوا مسيرتها إلى أمام، شيئاً من تيار الوعي الضروري للارتجاع إلى ما كان، ثم مقارنته ومقاربته بما يكون وبالكائن اليوم من تقدم، حمداً لله. ولا ريب في أن هذا النوع من التأمل والمقارنة يزيد من تمسك الشعب بتجربته..”
ـــــــــــــــــــــــــ
لرجال ونساء سلطنة عمان ممن جايلوا النهضة المباركة أن يخلدوا للنوم، كل ليلة، مطمئنين على أن كفاحهم وعملهم المتواصل منذ فجر النهضة العمانية لم يذهب سدى، لم يذهب “مع الريح”، كما حدث في العديد من دول العالم التي حاولت أن “تنهض”، إلا أن “نهضاتها” اصطدمت بأنواع المعوقات والمحبطات. نهضة سلطنة عمان تبدو مختلفة، لأنها غير قابلة للإعاقة، ولا قابلة للعبث بحركتها المتواصلة: هي متواصلة بوتيرة واحدة مذ بدأت حتى اليوم باتجاه التقدم، بفضل طبيعة الشعب العماني الواثق بنفسه والمتوثب للتقدم والمتشبث بكل ما من شأنه الإضافة والإغناء، بديلاً عن الخسران والهدر. لذا تحولت تجربة النهضة العمانية من مجرد “تجربة” صرف، إلى “أنموذج” يستحق المحاكاة والتتبع، ثم إلى “رمز” تقدمي يختزل عنوان السلطنة هالته الدلالية بمجرد ذكره، خاصة وأن الأنموذج لا يكتسب قيمة الرمز الانطباعية المثقلة بالدلالات إلا بعد مرور ما يكفي من الأعوام والعقود.
أسباب التحول من الأنموذج إلى الرمزية الأكثر إشعاعاً وجاذبية واستقراراً في الذاكرة الإقليمية والدولية إنما تكمن في ذلك التناغم المثالي بين شعب بطولي وقائد بطولي، لأنه الشرط المسبق الذي قلما يصادف توافقه الحدوث في التاريخ الآدمي، لا سيما وأننا كثيراً ما نقرأ التاريخ ونأسف، في أحيان عدة، على عدم حدوث هذا التوافق الإبداعي في لحظة صناعة التاريخ، عندما تنطلق قدحة عمادة النار التي تحرق كل ما هو رجوعي ماضوي يسحب الأمة إلى الخلف كي تولد العنقاء العمانية من بين ركام ماضي الرجوعية والتخلف، السكونية والجهل، لتنطلق الى الأعالي، حاملة معها أعداداً من الشواخص الإيجابية والقيم الرفيعة التي تبقى تشع، لتنير السماء العمانية بالأمل وبمثل المحبة والسلام والاستقرار. تتجلى رمزية عمان بمجرد ذكر اسمها وما يطلقه هذا الاسم من انطباعات، لأن وتيرة تقدم هذه الدولة ثابتة وغير قابلة للعبث أو للإعاقة، ومرد ذلك يتجسد في إصرار الشعب العماني الطيب المتمسك بما عاهد الله وقائده عليه مذ انطلقت النهضة في بداية سبعينيات القرن الزائل.
يطلق استذكار زمن انطلاق النهضة في أذهان الرجال والنساء العمانيين الذين عاصروها وواكبوا مسيرتها إلى أمام، شيئاً من تيار الوعي الضروري للارتجاع إلى ما كان، ثم مقارنته ومقاربته بما يكون وبالكائن اليوم من تقدم، حمداً لله. ولا ريب في أن هذا النوع من التأمل والمقارنة يزيد من تمسك الشعب بتجربته وبسقاية تلك الشجرة الباسقة التي راحت فروعها وغصونها تضرب في عنان السماء، بينما تبقى جذورها تستلهم الدروس والعبر والخبرة من تربة الماضي كي لا تنتكس ولا تنحرف. ويعرف العمانيون جيداً أنه لولا نعمة السلام والاستقرار لما تحقق ما هم عليه من حال تسر المحب وتستحث إرادة المعجب كي يتتبع خطى شعب وقائد باشرا بحلم، وتمسكا بالحلم حتى تحقق لتغدو السلطنة، كما هي اليوم، نبراساً ورمزاً ومستقراً لفنون السلام ولرجال ونساء القلم.

إلى الأعلى