الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وماذا بعد؟

وماذا بعد؟

أحمد مصطفى

” أخشى ما أخشاه، أنه لو استمررنا على ما نحن عليه أن يكون “ما بعد” أسوأ لنا مما نحن عليه ومما قبل. فالغارات الجوية لن تقضي على الإرهابيين في سوريا أو العراق أو غيرها، والتسريع بحلول تقسيمية سيزيد من مصائبنا بإعطاء تركيا جزءا وحفاظ إيران على جزء من مصالحها واستيلاء الإخوان على ما تبقى (وهم تجار أنقاض بطبعهم)..”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بداية، لا يجدي الإنكار والتبرير والتفسيرات الملتوية في نفي حقيقة أن من نفذ هجمات باريس هم في الأغلب “مسلمون” متأثرون بفكر الجماعات الإرهابية في المنطقة أو من أتباعها مباشرة. ورغم وجاهة كل ما يساق عن “ظلم الغرب الاستعماري” وأن العالم “يكيل بمكيالين” وحتى ما يقال عن دور الغرب وأجهزة مخابراته في تقوية شوكة تلك الجماعات المتطرفة بتسهيل التمويل والتسليح والتغاضي عن التجنيد أو حتى السكوت عنها لأنها “تفيد” مصالح ما له، إلا أن الحقيقة تظل أن تلك الجماعات خرجت من ثقافتنا أساسا وتجد لها مؤيدين ومتعاطفين في دوائر أوسع في مجتمعاتنا. فدعونا لا ندفن الرؤوس في الرمال ونصارح أنفسنا لأن الخطوة الأولى والأهم في معالجة أي أزمة أو تطبيب أي علة هي التشخيص الصحيح، بل إن البعض يقول إن التشخيص نصف العلاج. ولا بد أيضا من الإقرار بأن الغرب ليس وحده الذي “يستغل” الإرهاب وجماعاته لمصالحه أحيانا، بل إن دولا إقليمية تفعل الشيء نفسه وبذات القدر إن لم يكن أكثر.
نعم، بدأت موجة الإرهاب في التصاعد مع دعم الأجهزة الأميركية لما سمي “جهاد الأفغان العرب” ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، لكن يجب ألا ننسى أيضا أن التمويل كان خليجيا عربيا وأن تجنيد “المجاهدين”/الإرهابيين كان عموده الفقري تنظيم الإخوان في مصر وبقية دول المنطقة وأن الأساس النظري لكل هذا توفر من أدبيات أمثال أبو الأعلى المودودي وسيد قطب أبو الحسن الندوي وكذلك خطباء ووعاظ الكراهية والتخلف في أغلب دول المنطقة. كما أنه من الصعب التحجج بتفسيرات المؤامرة التي تقول إن “الغرب يفعل ذلك بنفسه” بغية تحقيق أهداف عدوانية في المنطقة، فهذا بالضبط هو الخطاب الإرهابي الممثل سياسيا بتنظيم الإخوان ومن لف لفهم من فئات تدعي ليبرالية أو يسارية.
دعونا قليلا إذا من الغرب وما يفعله لصالحه (حتى وإن كان صحيحا) كي لا نخدر أنفسنا لنتحمل ألم السرطان في منطقتنا متوهمين أننا نعالجه بينما هو يفتك بنا وكل الفارق أننا نقلل الشعور بذلك. لذا، فأول ما يمكن أن يقال في الإجابة عن “وماذا بعد؟” هو أن نبدأ بأنفسنا، غير مكتفين بإدانات جوفاء أو مخاطبة الذات بأن “هؤلاء ليسوا من الإسلام في شيء” .. وما إلى ذلك. على كل منا في مكانه ومحيطه القريب والبعيد أن يتصدى لأي خطاب كراهية باسم الدين أو غيره، وأن يستخدم كل منا ما لديه من أدوات ـ ولو بسيطة ـ لمواجهة إدخال الدين في السياسة مع كل ما يؤدي إليه في النهاية من تطرف وعنف. هذا ما يسمى “قص النبتة السيئة من برعمها”، أما ما نما منها وترعرع فما علينا إلا أن نعزله ولا نفسح له مجالا في حياتنا، مع الأخذ في الاعتبار أنه قد يكون من الصعب على هؤلاء التغير ولو عزلوا. وعلينا ألا نعبأ بالمقولات المغلوطة (حق يراد به باطل) بأن “عزلهم قد يدفعهم للتطرف”، فلو كان الأمر كذلك فقد ضغطت على الدمل لينفثئ ويضمر أما البديل فهو أنك توفر لهم حاضنة أوسع تجعل مرضهم ينتشر ويتغلغل.
ما سبق ضروري أيضا للتعامل مع رد فعل الغرب والعالم على تفجيرات باريس وغيرها، فإجابتهم على السؤال لن تكون بالضرورة في صالحنا جميعا وغير مقتصرة على جماعات الإرهابيين. الأرجح، كما بدا في الساعات التي أعقبت التفجيرات وتأكيد ارتباطها بتنظيم داعش، أن يشتد القصف على داعش في سوريا والعراق وربما حتى في ليبيا. لكن كما يقال دائما: “مكافحة الإرهاب ليست أمنية فقط، بل سياسية وفكرية أيضا”، وهذا يعني أن فرنسا مرشحة لتصبح جزءا من المعسكر الأميركي/البريطاني الذي يسعى لفرض الإخوان في السلطة في دول المنطقة باعتبارهم “البديل الإسلامي المعتدل” الذي قد يقيهم شر التطرف والإرهاب. لكن من قال إننا منطقة مكتوب عليها أن تحكم حكما لاهوتيا، معتدلا أو متطرفا؟. للأسف نحن من يقول، ونعزز ذلك لدى العالم بخطابنا التبريري والتفسيري ـ وما كان للعالم أن يقبل بإعلان اسرائيل نفسها “دولة يهودية” ـ بكل ما في ذلك من عنصرية وتطرف ـ لولا ذلك الذي يقال عن الدين في السياسة عندنا.
أخشى ما أخشاه، أنه لو استمررنا على ما نحن عليه أن يكون “ما بعد” أسوأ لنا مما نحن عليه ومما قبل. فالغارات الجوية لن تقضي على الإرهابيين في سوريا أو العراق أو غيرها، والتسريع بحلول تقسيمية سيزيد من مصائبنا بإعطاء تركيا جزءا وحفاظ إيران على جزء من مصالحها واستيلاء الإخوان على ما تبقى (وهم تجار أنقاض بطبعهم). وسيكون الخاسر الأول، وربما الأخير، نحن ـ دول المنطقة وشعوبها. لذا فالإجابة العاجلة على أحدث موجات الإرهاب تلك يبدأ من عندنا، كي لا نترك الاجابات العملية للخارج ثم نلوم هذا الخارج فيما بعد على “ما فعله بنا” وكأننا لا حول لنا ولا قوة. لنصارح أنفسنا بعلتنا ولنبدأ علاجها فورا بوضوح وقوة إذا كان لمنطقتنا أن تتفادى تبعات كارثية لما أنتجته من إرهاب يسميه تجار الدين “جهادا”.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى