الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / قضايا :المبادئ المؤسسة للعقيدة الأمنية العمانية في الخطابات السلطانية «الأمن الداخلي»
قضايا :المبادئ المؤسسة للعقيدة الأمنية العمانية في الخطابات السلطانية «الأمن الداخلي»

قضايا :المبادئ المؤسسة للعقيدة الأمنية العمانية في الخطابات السلطانية «الأمن الداخلي»

لم يكن لأهداف النهضة التنموية لتتحقق بدون ترسيخ الأمن والاستقرار في ربوع الوطن

محمد بن سعيد الفطيسي

تقديم:
((إن الأمن والاستقرار نعمة جلى من نعم الله تبارك وتعالى على الدول والشعوب, ففي ظلهما يمكن للأمة ان تتفرغ للبناء والتطوير في مختلف مجالات الحياة، وان توجه كل طاقاتها المعنوية والمادية نحو توفير أسباب الرفاه والرخاء والتقدم للمجتمع, كما أن مواهب الفرد وقدراته الإبداعية الفكرية والعلمية والأدبية والفنية لا تنطلق ولا تنمو ولا تزدهر إلا في ظل شعوره بالأمن وباستقرار حياته وحياة أسرته وذويه ومواطنيه, لذلك كان من أهم واجبات الدولة قديما وحديثا كفالة الأمن وضمان الاستقرار حتى يتفرغ المجتمع بكل فئاته, وفي طمأنينة وهدوء بال, للعمل والإنتاج والإنشاء والتعمير, أما إذا اضطرب حبل الأمن واهتزت أركان الاستقرار, فإن النتيجة سوف تكون الفوضى والخراب والدمار للأمة وللفرد على حد سواء)).
من خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه
في العيد الوطني الرابع والعشرين

الأهداف الإستراتيجية الكبرى للدولة وكما يفصلها علماء السياسة والاجتماع تتمثل في تحرير المواطن والحفاظ على أمنه ومساعدته على ممارسة حقوقه الطبيعية وحمايته من كل أشكال التسلط السياسي والقهر الاجتماعي والعمل على تنمية الموارد البشرية صحياً وتربوياً وثقافياً ومهنياً ، والمحافظة على الموارد الاقتصادية للمجتمع وتنميتها وحماية الحدود من الاعتداءات الخارجية وعدم السماح للقوى الإقليمية في التدخل في شؤونه، وكذلك ينبغي على الدولة ان تضع مصلحة المجتمع فوق أية مصلحة أخرى، كون الدولة والمجتمع اتفاقاً ضمنياً او صريحاً في غايتهما ووسائلهما ويهيئان الظروف التي تعمل على تحقيق الكامل للطاقات والإمكانيات الإنسانية.
لذا عد الأمن والاستقرار من أبرز الأهداف الاستراتيجية التي تسعى لتحقيقها وترسيخ قيمها ومبادئها وأهدافها الدول قديما وحديثا, كون انعدام الأمن والاستقرار يعني الفوضى والخوف, وهما أساس التشرذم والتقسيم والتقزم ودمار الأوطان وضياع الإنسان, لذا ستتناول هذه الدراسة الذاتية الموجزة ابرز المبادئ والقيم الوطنية الاستراتيجية المؤسسة للعقيدة الأمنية لسلطنة عمان, تلك العقيدة التي تبنت خلال الأربعة عقود ونصف من عمر النهضة المباركة ” أطال الله عمرها وعمر بانيها ” قيم ومبادئ إنسانية وأخلاقية وطنية وأبوية في التعامل مع قضايا الأمن الداخلي بمختلف مستوياته وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ..الخ , متناولين ذلك من خلال قراءة تحليلية في الخطابات السلطانية, والتي تناولت ابرز واهم تلك المبادئ والقيم الأمنية المتعلقة برؤية صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – الى مفهوم الأمن الوطني العماني الداخلي, والتي من خلالها يمكن التعرف على الأسس السلطانية لما يسمى “العقيدة الأمنية العمانية”.
والمتتبع للمبادئ المؤسسة للعقيدة الأمنية العمانية – الأمن الداخلي لسلطنة عمان – من خلال استقراء التوجهات والمرئيات التي تضمنتها الخطابات السلطانية خلال 45 عام, يجد أنها ترتكز على قواعد وأسس عديدة ومختلفة, إلا انه يمكن اختصار العناصر الرئيسية منها في الجوانب التالية:
(1) ان المواطن في النظرة السلطانية يعد جزءا لا يتجزأ من مفهوم صناعة الأمن الداخلي العماني, بل ربما يعد الجزء الأساسي له, لذا جعل صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – المواطن هو الحارس ورجل الأمن الحقيقي على وطنه وثرواته وممتلكاته, على اعتبار ان الأمن الحقيقي لا يصنع من خلال الأجهزة الأمنية وحدها, ولا من خلال التوجهات الأمنية, او الدول الأمنية, بل الأمن الحقيقي هو ذلك الأمن الذي يتجسد في الحب والولاء والإخلاص الصادق للوطن كإقليم وسلطة وشعب, ومن ثم فإن تحقيق الأمن العماني بشكل شامل هو مسؤولية الجميع بلا استثناء.
(2) ترسيخ قيم ومفاهيم الوحدة الوطنية ونبذ التعصب والتطرف وتجنب الأفكار الدخيلة والهدامة, حيث ركز صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ كثيرا على هذه المفاهيم خلال الـ 45 سنة من عمر النهضة المباركة ” أطال الله عمرها وعمر بانيها “, لأنه أدرك ان سيطرة هذه القيم الفاسدة والتوجهات الكريهة هي ابرز محفزات العنف والكراهية والإرهاب والصراعات والتناحر بين أبناء الوطن الواحد, وان الوطن الذي تسيطر عليه وعلى أبنائه هذه القيم والمفاهيم الفاسدة الكريهة سيكون مصيره أجلا أم عاجلا التفتت والانقسام والصراع الداخلي.
(3) توطيد العلاقة بين المواطنين والجهاز الحكومي للدولة كامتداد لتحقيق الأمن والاستقرار الوطني الداخلي, وهذه العلاقة دائما وابدأ لابد ان تكون علاقة تشارك وثقة, وإلا فإن افتقاد المواطن لثقته في مؤسسات دولته وفي القائمين على خدمته ورعاية مصالحه من خلالها لا شك انه سيكون مدعاة لانتشار الريبة والشك وبالتالي سيطرة العديد من المشاعر السلبية كالسخط والإحباط والريبة في التوجهات والمرئيات الحكومية, وهي من ابرز أسباب انعدام الأمن والاستقرار في الداخل الوطني.
(4) السعي لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من القيم والمبادئ المؤسسة لما يسمى بدولة القانون: فدولة القانون هي الدولة القادرة على تحقيق امن واستقرار الدول والأفراد, وكذلك المساواة والعدل وعدم التمييز بين المواطنين.
(5) توطيد أركان السلام مع الخارج(المحيط الاقليمي والقومي والدولي), وهذا الأخير هو جزء لا يتجزأ من مبادئ توطيد الأمن والاستقرار في الداخل الوطني, فكلما توطدت علاقتك مع العالم الخارجي, من خلال مبادئ وقيم التسامح والتعاون والسلام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول, كلما بادلتك تلك الدول ذلك, وهو ما يحقق الجزء المتبقي من معادلة الأمن الداخلي للدول والشعوب, والعكس صحيح, حيث كلما ارتفع منسوب التدخل في شؤون الدول الداخلية وسياساتها وتوجهاتها الخاصة, كلما سعت تلك الدول الى التدخل كذلك في شؤونك الداخلية, فهي عملية تبادلية, يمكن لها مع الوقت ان تتحول الى صراع مصالح وحروب بالوكالة وعمليات لتصدير الأزمات وتناقل الثورات.
لذا وقبل الدخول الى تفاصيل تلك المبادئ والقيم الاستراتيجية المؤسسة للعقيدة الأمنية العمانية, وخصوصا الأمن الداخلي, وجدنا من الضرورة التعريف بمفهوم العقيدة الأمنية ومفهوم الأمن الوطني, كون التعريف بهما يعطينا قدرة اكبر من الفهم والمعرفة بمدى الترابط بين المفاهيم النظرية والحقائق العملية على ارض الواقع, كما سنتطرق وقبل الدخول الى تفاصيل تلك المبادئ كذلك الى التعريف بالمفهوم المزدوج للأمن والمقومات الأساسية لدعم الأمن وتنمية مسبباته, وذلك في مسعى لربط تلك القواعد الأكاديمية والعلمية بالنظرية والنظرة السلطانية لمفهوم ومبادئ العقيدة الأمنية العمانية.
(2) الإطار ألمفاهيمي للدراسة:
يقصد بالعقيدة الأمنية للدولة: مجموع الآراء والمعتقدات والمبادئ والقيم التي تشكل نظاما فكريا لمسألة الأمن في الدولة, وبالتالي فانه يقصد بالعقيدة الأمنية العمانية: مجموع الآراء والمعتقدات والمبادئ والقيم العمانية والسلطانية التي تشكل النظام الأمني لسلطنة عمان, وهنا بالطبع وجدنا ان انسب مورد فكري ومصدر رئيسي لفهم ذلك النظام الأمني العماني هي خطابات حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه- باعتبار ان تلك الخطابات هي المنهاج الذي يستنبط منه الفكر التوجيهي للسياسات والمرئيات العمانية في مختلف القطاعات الوطنية, ومن بينها بكل تأكيد العقيدة الأمنية العمانية, و(( تكتسب العقيدة الأمنية أهمية بالغة باعتبارها دليلا يوجه ويقرر به القادة، السياسة الأمنية للدولة ببعدها الداخلي والخارجي, ويمكن القول ان العقيدة الأمنية تمد الفاعلين الأمنيين في الدولة بإطار نظري متناسق من الأفكار تساعد على تحقيق أهداف الدولة في مجال أمنها الوطني)).
أما مفهوم الأمن والذي هو نقيض الخوف، وهو غياب الشعور بالتهديد والخطر، وهو كذلك الإحساس بالاستقرار النفسي. وتحقيق الأمن لأي مجتمع أو دولة هو القيمة العليا التي تبحث عنها المجتمعات والدول باختلاف درجات تطورها، والأمن وسيلة وغاية, وسيلة البقاء والتماسك الاجتماعي والتطور وحماية المصالح، وهو غاية لأنه الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتنموي والنفسي لأي مجتمع, ويعد مفهوم الأمن أحد المفاهيم التي تتشعب دلالتها، حيث يتسع هذا المفهوم ليشمل مضامين متعددة تتداخل مع شتى أنظمة الحياة، ليشمل الإصلاح الاجتماعي، والارتباط بالقضاء والعدل، والتربية والإرشاد, ولو راجعنا تعريف “الأمن” في القواميس لوجدنا تقاطعاً يشير عموماً إلى تحقيق حالة من انعدام الشعور بالخوف وإحلال شعور الأمان ببعديه النفسي والجسدي محلها, فهناك ثلاثة اتجاهات واضحة، لتعريف الأمن الوطني ,كل اتجاه منها، له منظاره الخاص، في تحديد المفهوم. يركز الأول على الأمن الوطني كقيمة مجردة، مرتبطة بالاستقلال وسيادة الدولة الوطنية. ويهتم الاتجاه الثاني بالجانب التنموي، لحيويته في إطاره الاقتصادي والإستراتيجي. أما الثالث ـ وهو الأحدث بالنسبة للاتجاهات الثلاثة ـ فهو يؤمن بالأبعاد المتكاملة الشاملة للأمن الوطني.
وبما ان هذا البحث يركز أصلا على مفهوم الأمن الوطني بوجه عام والداخلي على وجه الخصوص, فان الأمن الوطني هنا هو أمن الوطن الصغير بما فيه ويشمل الأمن الفردي والأمن الجماعي والأمن الداخلي والخارجي, وحيث ان هذه الدراسة تركز من مجمل الأمن الوطني على الأمن الداخلي تحديدا, فانه يجب تعريف هذا الأخير بشكل خاص, (( ويقصد بالأمن الداخلي من مجمل الأمن الوطني بأنه: تحقيق الاستقرار والاطمئنان للدولة في شأنها الداخلي على نحو يحقق السلامة والصيانة والحماية لكل المصلحة العامة والخاصة فيها، وبذلك يمتد مفهوم الأمن الداخلي ليشمل كل عناصر ومكونات الأمن الفردي والأمن الجماعي، فهو أمن الدولة بكل مؤسساتها وأنظمتها ومصالحها التي يقوم عليها وجودها أو تحقق بها قدرتها على ممارسة وظائفها واختصاصاتها النظامية والإدارية والسيادية)).
(3) المفهوم المزدوج للأمن:
للأمن مفهوم مزدوج، حيث لا يعني فقط وسيلة للتحرر من الخطر، بل يعني أيضاً وسيلة لإرغامه وجعله محدوداً، وبما أن الأمن أوجده الخوف فإنه يقتضي ضرورة القيام بإجراءات مضادة للتحكم فيه، أو تحييده واحتوائه, وقد تبنت بعض الدراسات نظرة أوسع للأمن تشمل الجوانب العسكرية وغير العسكرية لاسيما تلك التي تتناول دول العالم الثالث، التي أظهرت أهمية العوامل السياسية في المسألة الأمنية والاختلافات بين الدول المتقدمة والنامية. إذ أن التهديدات لأمن الأخيرة تأتي أساساً من المناطق المحيطة بها، إن لم تأت من داخل الدولة ذاتها. وهذا نتيجة لضعف البني الدولية وعجز في شرعية الأنظمة، مما يتسبب في مشاكل أمن داخلية للدولة والتي غالباً ما تقود إلى صراعات مع الجوار.
واقع الأمر أن مفهوم الأمن متنازع عليه، وقد أدت التغييرات على البيئة الأمنية المعاصرة إلى كثير من المحاولات لتعريف هذه التغييرات ووضع إطارها ألمفاهيمي، سياسياً ونظرياً، وتأثيراتها على الدول والمجتمعات والأفراد. وقد انضمت إلى المفهوم التقليدي للأمن مفاهيم أخرى توسع طبيعة التهديدات المحتملة ((الإرهاب، الجريمة المنظمة…))، وهي تهديدات ترتبط بعوامل الخطر في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية، وتعمّق الأهداف المهددة لتشمل الأمن العالمي والجماعات دون الوطنية والأفراد.,لذا فإن إعادة تحديد الأطر المفاهيمية للأمن، التي توسع حالة الأمن لتشمل المخاطر والتهديدات الجديدة، التي تتجاوز الهجوم العسكري، تولّد مفاهيم مثل الأمن الداخلي، الأمن الوظيفي والأمن البيئي. وتتطلب المفاهيم العميقة للأمن التي ترتبط بحماية الأفراد من التهديدات التي تستهدف أمنهم، بناء إطار اجتماعي يستطيع البشر من خلاله أن يعيشوا بحرية من الخوف والحاجة على حد سواء.
(4) المقومات الأساسية لدعم الأمن وتنمية مسبباته:
(أ) العقيدة الدينية: باعتبار أن العقيدة تحث على فعل الخير ومحاربة الشر والإسلام دين عدالة وأمر بمعروف ونهي عن منكر وتآلف ومحبة بين أفراد المجتمع وأمن واستقرار
(ب) الإحساس بالتماسك والتعاطف والانتماء بين أفراد المجتمع الواحد: من أولى شروط المجتمع السليم أن يتوافر بين أفراده قدر عال من التماسك، بحيث يشعر كل منهم بانتمائه إلى وطنه ومجتمعه انتماءً وثيقاً، بحيث يؤلف وحدة عضوية حية تتفاعل معه، فتحيا بحياته وتنمو بنموه وتتبلور مقوماته، فالانتماء ركن أساسي للحياة الاجتماعية، بحيث يشعر الفرد بأن الوطن له وأنه مسئول عن سلامته، ومن يشعر بأن له دورا يتوجب عليه القيام به للمحافظة على وطنه وأمته، وبالتعاطف والتماسك تتكون رابطة إنسانية قوية تشكل سداً منيعاً يحول دون إيذاء الأفراد لبعضهم البعض.
(ج) التوافق على مبادئ سلوكية وأخلاقية ودينية واحدة: فحين يتربى الإنسان تربية سليمة يستقي التقوى ومخافة الله وتنمو معه المسؤولية تجاه نفسه وتجاه غيره، ينشأ محباً للناس وللغير، آمرا بالمعروف وناهياً عن المنكر. ومتى ما شب المجتمع على أساس سليم ومبادئ سامية، يتأقلم الإنسان معها وتترسخ لديه وتصبح التزاما أساسياً لا ينحرف عنه. ومن ثم فمتى وجدت هذه القواعد الأخلاقية والدينية والسلوكية في إطار المجتمع، تأمنت معه أحد المقومات الأساسية لتحقيق الأمن.
(د) الاستقرار السياسي وتوافر الأجهزة المختصة القادرة على تحقيق الأمن والعدالة:
من المقومات الأساسية أيضاً لتحقيق الأمن، توفر الاستقرار السياسي في المجتمع عن طريق الحقوق الدستورية الشرعية للفرد عبر حكم عادل رادع يراعي شؤون المواطنين ويعمل على توفير أسباب الطمأنينة, والاستقرار السياسي يتطلب دعائم أساسية تحقق الحقوق الأساسية للمواطنين لممارسة حقوقهم السياسية، في ظل أنظمة ومؤسسات مختصة قادرة على تأمين المجتمع وتتمثل في:
ـ جهاز أمني قوي وفعال ومستعد للتدخل دوما لصيانة الأمن بوجه عام ولتأمين الوطن وحفظ كيانه وعلى وجه الخصوص حماية الأفراد من المجرمين والمنحرفين والإرهابيين.
ـ جهاز قضائي عادل وحاسم، يضمن حقوق الجميع ويفصل في الأحكام بسرعة وحسم لقطع المفاسد وردع المعتدين ولجم المخالفين حتى يكونوا عبرة لغيرهم.
ـ تخطيط متكامل وسياسة جنائية سليمة وتعاون وثيق بين كافة المؤسسات والجمعيات العدلية والتربوية والأخلاقية والأمنية لتوفير مقومات الأمن والأمان للفرد والجماعة.
(هـ) توافر الأمن الاجتماعي والاقتصادي: لا يكفي أن يتوافر نوع من التماسك والتعاطف داخل المجتمع وأن يتواجد استقرار سياسي ومؤسسات لضمان توافر الأمن، بل لابد من توفر أمن اجتماعي واقتصادي، يضمن لكل فرد في المجتمع مستوى معيشيا معينا، يتحقق بتوافر فرص العمل والإنتاج وعائد مجزي، ليؤمن اقتناء حاجات الإنسان الضرورية من مأكل وملبس ومسكن مناسب، يضاف إليها توافر خدمات تعليمية وصحية واجتماعية وإنسانية تجعله في مأمن من الفقر والجهل والمرض.
(و) ضمان سلامة الأرواح والأعراض والممتلكات من كل خطر: إن جوهر الأمن، هو التحرر من الخوف من أي خطر أو ضرر قد يلحق بالإنسان في نفسه أو عرضه أو ممتلكاته، ويكون في مقدوره التنقل بكل حرية داخل وطنه دون خوف، وأن يكون بإمكانه أن يفكر ويدلي برأيه دون تسلط أو إرهاب من قبل الآخرين, فالإنسان لا يكفيه أن يتوافر على هذه المقومات لنفسه دون أن تكون كمفهوم عام لأمن المجتمع ككل، فإن حصل وأن افترقت هذه الحقوق وتم التعدي عليها حيال غيره اليوم، فسينتقل إليه غداً، ولذلك فإن برامج الوقاية من الجريمة والتصدي لها يجب أن يتم في إطار تخطيط شامل وتكامل وسياسة صائبة علمية وموضوعية وعقوبات رادعة تمثل ضماناً كافياً لتأمين الوطن والمواطن على السواء.
(5) الأمن مسئولية جماعية ورؤية مستقبلية:
من الواضح أن مهمة الأمن، هي مهمة كل إنسان، وإن المسئولية عنه مسئولية جماعية، فرداً كان أم جماعة، هيئة أم سلطة، وينبغي لنا جميعا أن نكون على استعداد لاستخدامه ومناشدته بكل الوسائل والسبل حتى نتمكن من إبلاغ الرأي العام على أهميته وإجراءات الوقاية لمنع المشكلات من أن تتفاقم فتتحول إلى صراعات، وبعبارة أخرى يجب علينا أن نوحد الأمن والسلم في القلوب وفي الثقافات، فخلق ثقافة الأمن هو مهمة الجميع (( الدولة، السلطة، الهيئات الاجتماعية، المعلم، المربي، الأجهزة الأمنية .. وغيرهم)). ولم يعد الأمن اتفاقا بين الأقوياء أو أنه نعمة أسبغها الحق سبحانه وتعالى على بلد سعيد الحظ أو أنه وضع اجتماعي يستطيع كل فرد في أي وقت أن يسهم فيه.
وبالطبع لا يمكن إنكار أهمية دور رجال السلطة، غير أن الفرص المتاحة للعمل الفردي والجماعي لصالح الأمن أكبر بالتأكيد، مما قد يتبادر إلى الذهن، فالأمن سلوك وأخلاقيات وقيم وثقافة، وعلينا الحفاظ عنه في كل جوانب الحياة اليومية في المنزل والمدرسة والجامعة ومكان العمل وغيرها، فإن مؤسسات الدولة تعتبر عامل أساسي في مسئولية تحقيق الأمن والتماسك الداخلي والمنعة الخارجية، سواء في ذلك المؤسسات الحكومية أو غير الحكومية، وهذا يعني أنه لابد من قيام النظام السياسي بوظائفه التي تكفل قدرة الدولة بمؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية من السيطرة على الصراعات الداخلية ورقابتها وإدارتها بصورة تضمن عدم تفجرها أو تفاقمها العنفوي، بصورة تهدد الدولة وسيادتها أو وحدة المجتمع وكذلك تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والتكامل الاجتماعي والتوازن البيئي والتربوي.
وهكذا يمكننا القول أن المتغيرات المعاصرة، قد استدعت النظر إلى المسألة الأمنية باعتبارها تعني كل أفراد المجتمع، ومن ثم أصبح من اللازم اشتراك كل هيئات المجتمع الرسمية والأهلية في دعم مسيرة الأجهزة الأمنية، ولبلوغ تلك الغايات والأهداف الأمنية، لابد من غرس هذه القيم في عقول النشء والشباب من خلال المؤسسات الاجتماعية والتربوية والدينية والإعلامية، بدءاً من الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام، والمجتمع المحلي وغيرها من المؤسسات والهيئات ذات الصلة بالتربية الوطنية، من أجل تكوين المواطن الصالح وتحصين أفراد المجتمع لضمان التزامهم بنظم وقيم وضوابط المجتمع الدينية والأخلاقية والمجتمعية والقانونية، بل وتحفيزهم للمشاركة في تحقيق الأمن الشامل بمشاركة كل الناس (أفراد وجماعات)، تبعا للتوجهات المجتمعية والإقليمية والدولية التي بدأت تترسخ يوما بعد يوم والتي تؤكد على ضرورة الإسهام الجماهيري في المجال الأمني.
(6) الأمن القومي للدول يبدأ من الداخل الوطني:
المحافظة على الأمن القومي للدول من شتى أنواع الإرهاب وأشكال الفتن والقلاقل التي يمكن ان تنقل الدول والأوطان من الأمن الى الخوف ومن الاستقرار الى الفوضى يبدا من الداخل الوطني وليس من الخارج, وان الخطر الحقيقي الذي يهدد الأمن القومي لأي امة وطنية في الألفية الثالثة ينطلق من وجهة نظرنا من فجوة الاستقرار وهشاشة الداخل الوطني والحالة النفسية للمواطن وليس من مؤامرات الأعداء في الخارج , وبمعنى آخر, ان توطيد امن الدول من أعداء الخارج ومؤامراتهم يبدا من الداخل وليس من الخارج, وما اعنيه بالخارج هنا هو كل الدول او الأفراد او التنظيمات العابرة للقارات والتي تسعى لبث النزاعات والفتن والفوضى في بعض الدول بهدف اختراقها ومن ثم احتلالها سواء كان ذلك بالاحتلال العسكري المباشر او من خلال التمهيد الأيديولوجي.
وتعمل الدول التي أدركت أهمية تكامل الجانبين على أساس النظرية التكاملية في المحافظة على الأمن القومي, والتي تؤكد على ان مفهوم الأمن القومي مترابط بحيث لا يمكن ان تعمل الأجهزة الاستخباراتية الخارجية في هدفها الأصلي الكامن في المحافظة على الأمن الوطني بمعزل عن أجهزة الأمن الداخلية وخصوصا في الجانب الاستراتيجي الوقائي, بينما وللأسف الشديد نجد تيارا قياديا آخر يفصل من حيث لا يعلم بين ضرورة ارتباط وأهمية تكامل الأمن القومي بالأمن الداخلي للأمة من حيث العمل الميداني وحتى النظريات الأمنية, بينما تثبت الوقائع التاريخية ان توطيد الأمن القومي للدول أي حمايتها من أعدائها في الخارج لا يمكن ان يتحقق أبدا في ظل وجود داخل أكثر هشاشة وضعف ضد الاختراقات الخارجية, وهو ما نؤكد عليه في هذه الورقة.
بناء على ما سبق, فإننا نعود للتأكيد على النقاط التالية في جانب توطيد الأمن القومي والاستقرار للأمة الوطنية:
أولا: ان للأمن الداخلي للأمة الوطنية أولوية مهنية وإستراتيجية مقدمة على أمنها القومي الخارجي من حيث ضرورة الاهتمام وتركيز الجهود البشرية والمادية.
ثانيا: ان الأمن الاستراتيجي القومي من حيث الجانب الوقائي للأمة والذي يقع في أعلى سلم أشكال الأمن الوطني الحديث يبدا من الداخل وليس من الخارج.
ثالثا: حماية الدول من الاختراقات الخارجية لا يمكن ان يتحقق سوى من خلال قوة الداخل الوطني وترابط نسيجه الاجتماعي وتعاون المواطنين والحكومات معا على تحقيق أمنهم وامن وطنهم.
رابعا: ان المناعة الوطنية وارتفاع وعي المواطنين بالتهديدات الخارجية هو ابرز إشكال المناعة الداخلية الوطنية من اختراقات الأعداء سواء كانوا دولا او تنظيمات ومنظمات او أفرادا, ما يعني ان ضعف المناعة الداخلية وهشاشة اللحمة الوطنية يشكل الخطر الأكبر والتهديد الأشد لأي امة وطنية فاغلب الاختراقات الخارجية للأمن القومي تم التمهيد لها من الداخل وليس من خلال الاحتلال العسكري المباشر, ومن هنا تكمن أهمية أجهزة الأمن الداخلية وطرق معالجتها لأشكال التهديدات المقوضة للأمن الوطني الشامل.
من جهة أخرى, من الخطأ الجسيم إهمال او سوء التنسيق والترابط الأمني في جوانب العمل الداخلي بالجانب القومي في قضايا يعتقد الكثير من قادة العمل الاستخباراتي أنها لا تدخل في جانب الأمن القومي لأنها ترتبط بمؤسسات خدمية حكومية مدنية, او بالمؤسسة الأمنية الداخلية وليس بالمؤسسة الاستخباراتية الخارجية كجوانب الخدمات التي تقدمها الدوائر الحكومية المدنية للمواطنين او سوء تقديمها لتلك الخدمات والتقصير بها, مما يؤدي مع الوقت الى تقويض جانب المناعة الداخلية وبالتالي عدم جدوى العمل القومي والاستخباراتي الخارجي, والذي أشبهه بالعمل على حماية جسد ضعفت مناعته الداخلية فأصبح غير قادر أصلا على حماية نفسه من المهددات الخارجية ولو امتلك المعلومات الكافية التي توفرت له عن أعدائه الخارجيين.

7) المبادئ المؤسسة للعقيدة الأمنية العمانية في الخطابات السلطانية:
كما سبق واشرنا الى ان العقيدة الأمنية العمانية في جانبها الداخلي – الأمن الداخلي – وبناء على استقراء الخطابات السلطانية خلال الفترة من العام 1975م – 2015م يجد أنها قد احتوت على العديد والكثير من المبادئ والقيم والمثل والأسس المؤسسة لها ولتوجهاتها ومرئياتها , إلا انه يمكن التأكيد من وجهة نظرنا على ان هناك جوانب رئيسية يمكن حصرها في القواعد او الثوابت التالية :-
أولا :- التأكيد على ان المواطن في النظرة السلطانية هو جهاز الأمن الحقيقي , ورجل الأمن , والحارس الأمين على امن وطنه وثرواته ومكتسباته الوطنية :-
( على كل مواطن ان يكون حارسا أمينا على مكتسبات الوطن ومنجزاته التي لم تتحقق – كما نعلم جميعا – إلا بدماء الشهداء, وجهد العاملين الأوفياء )
جلالة السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه – 18/11/1994م

الحديث عن نعمة الأمن والأمان والاستقرار في هذا العالم الفوضوي الذي يعيش بين سندان التعصب والتطرف ومطرقة الإرهاب حديث ذو شجون وأبعاد كثيرة ومختلفة, فالأمن كما هو معروف هو نقيض الخوف ، وهو غياب الشعور بالتهديد والخطر كما سبق واشرنا ، وهو كذلك الإحساس بالاستقرار النفسي. وتحقيق الأمن لأي مجتمع أو دولة هو القيمة العليا التي تبحث عنها المجتمعات والدول باختلاف درجات تطورها , والأمن وسيلة وغاية , وسيلة البقاء والتماسك الاجتماعي والتطور وحماية المصالح، وهو غاية لأنه الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتنموي والنفسي لأي مجتمع.
ومن هذا المنطلق يتضح لنا بان المحافظة على الأمن والاستقرار الوطني هو مهمة كل إنسان، وإن المسئولية عنه مسئولية جماعية، فرداً كان أم جماعة، هيئة أم سلطة، وينبغي لنا جميعا أن نكون على استعداد لاستخدامه ومناشدته بكل الوسائل والسبل حتى نتمكن من إبلاغ الرأي العام على أهميته وإجراءات الوقاية لمنع المشكلات من أن تتفاقم فتتحول إلى صراعات، وبعبارة أخرى يجب علينا أن نوحد الأمن والسلم في القلوب وفي الثقافات، فخلق ثقافة الأمن هو مهمة الجميع ( الدولة، السلطة، الهيئات الاجتماعية، المعلم، المربي، الأجهزة الأمنية .. وغيرهم) وبالطبع لا يمكن إنكار أهمية دور رجال السلطة والأجهزة الأمنية المختصة، غير أن الفرص المتاحة للعمل الفردي والجماعي لصالح الأمن أكبر بالتأكيد، مما قد يتبادر إلى الذهن، فالأمن سلوك وأخلاقيات وقيم وثقافة، وعلينا الحفاظ عليه في كل جوانب الحياة اليومية في المنزل والمدرسة والجامعة ومكان العمل وغيرها.
وهو ما أكد عليه المقام السامي في نظرته للعقيدة الأمنية التي يجب أن تتحرك بناء عليها كل الأفكار والتوجهات والمرئيات الأمنية الوطنية, وعلى رأسها أن الأمن لا تختص به الأجهزة الأمنية وحدها, بل هو مهمة وطنية فردية وجماعية ومن ثم مؤسساتية, فهي تبدأ من المواطن وتنتهي إليه, فالمواطن هو الحارس لتراب وطنه واستقرار وأمن أرضه, والأمين على مكتسبات ومنجزات بلده, وهو جهاز الأمن الداخلي الحقيقي, وجدار المناعة الأول والاهم, وكما هو حال الجهاز المناعي لدى الإنسان وخطوطه الدفاعية العديدة والذي يعتبر الجلد من بينها خط الدفاع الأول, إذ يشكل الجلد حاجزا فيزيائيا لا يسمح بنفاذ مسببات الأمراض الى الجسم, فكذلك المواطن بالنسبة الى وطنه أشبه بذلك الحاجز الفيزيائي ,فالأمن والاستقرار الحقيقي لأي وطن لا يمكن ان يتحقق الا من خلال إرادة وإيمان وحرص أبناء الوطن أنفسهم على ذلك, وأي اختلال او ضعف في تلك العقيدة الوطنية والسياسة الوطنية حيال تلك المهمة, سيؤدي بلا شك الى حدوث ثغرات خطيرة في ذلك الجدار المناعي الذي يعول عليه كثيرا للتصدي لأي محاولات خارجية للتسلل او اختراق الداخل, فان ضعف او ضعفت مناعته المكتسبة وحصانته الوطنية فانه سيضعف بكل تأكيد أمام كل أشكال الاختراقات الخارجية, وبالتالي سيصبح الوطن مكشوفا عاريا ضعيفا أمام كل عدو حاقد او متربص كائد حاسد فاسد.
وقد حرص صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في كل مناسبة على تأكيد تلك القيم, لأنه يعلم علم القائد المستنير بان حماية الدول من الاختراقات الخارجية لا يتحقق سوى من خلال قوة الداخل الوطني وترابط نسيجه الاجتماعي وتعاون المواطنين والحكومة معا على تحقيق ذلك, كما ان التصدي للإرهاب والتعصب والتطرف لا يتحقق بوضع عوائق له على حدود دولنا, بقدر ما يكمن في إضعاف منابعه في الداخل, وزيادة قوة المناعة الوطنية الداخلية.
كما أكد جلالته ـ حفظه الله ـ على أهمية الأمن والأمان في الحياة الإنسانية بوجه عام والوطنية خصوصا بقوله: (( ان الأمن والاستقرار نعمة جلي من نعم الله تبارك وتعالى على الدول والشعوب, ففي ظلهما يمكن للأمة ان تتفرغ للبناء والتطوير في مختلف مجالات الحياة …. أما اذا اضطرب حبل الأمن, واهتزت أركان الاستقرار, فإن النتيجة سوف تكون الفوضى والخراب والدمار للأمة وللفرد على حد سواء, وهذا أمر مشاهد وواقع ملموس لا يتطلب كثيرا من الشرح والتوضيح)). جلالة السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه – 18/11/1994م )
كما حرص جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ على التنبيه الى بعض أهم أسباب تلك الأمراض المعاصرة التي تسبب اضطراب حبل الأمن والأمان والاستقرار فوجه في رسالة وطنية الى كل مواطن على تراب هذه الأرض الغالية بأن لا يسمح (( للأفكار الدخيلة التي تتستر تحت شعارات براقة عديدة ان تهدد امن بلده واستقراره, وان يَحذر ويُحذر من هذه الأفكار التي تهدف الى زعزعة كيان الأمة, وان يتمسك بلب مبادئ دينه الحنيف وشريعته السمحة التي تحثه على الالتزام بروح التسامح والألفة والمحبة)).
ثانيا: توطيد العلاقة بين المواطنين والجهاز الحكومي للدولة كامتداد لتحقيق الأمن والاستقرار الوطني:
(( إن الحكومة والشعب كالجسد الواحد, إذا اختل عضو فيه اختل الجسد كله, لذلك ادعوكم الى العمل معا لمستقبل بلدنا, وبعون الله سوف ننجح))
خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه ـ الى الشعب 9/أغسطس/1970م.
الثقة في النظام السياسي الذي يدير كل ما يتعلق بشؤون الأمة الوطنية في الداخل والخارج, الثقة في المؤسسات الحكومية التي تدير شؤون المواطنين وحياتهم اليومية, الثقة في المسؤولين القائمين على تلك المؤسسات الرسمية, الثقة في الدستور والقوانين المنبثقة عنه والتي يفترض ان توجه سلوك الناس الى ما فيه خير الوطن والمواطن بعدالة ودون استثناء وتمييز, الثقة في الخطط والمرئيات والتوجهات الرسمية التي تحرك عجلة التنمية والبناء والتقدم وتدفع الحاضر القائم الى مستقبل مزدهر بكل قوة واطمئنان, الثقة في الواقع السياسي ككل, كل ذلك وغيره يدور فيما يطلق عليه او يسمى اصطلاحا بالثقة السياسية والتي ترتبط من جانبها بما يمكن ان نطلق عليه بالحكم الرشيد او المستنير.
حيث يمكن التأكيد على أنها أي الثقة السياسية من ابرز واهم الأسس التي توطد أركان الدولة المطمئنة وتحقق الأمن والاستقرار الداخلي للوطن والمواطن في زمن ما يطلق عليه بالفوضى ” الخلاقة ” والصراعات الداخلية والاقتتال على المصالح الفئوية سواء كانت حزبية او طائفية او مذهبية او غير ذلك, والتي هي اليوم وكانت بالأمس السبب الرئيسي لاختراق أكثر الأوطان عبر التاريخ, ما تسبب بتدميرها وتشريد أبنائها والقضاء على حاضرها ومستقبلها, بل إنها اللاصق القوي الذي يبقي على تماسك المجتمعات والمؤسسات وبدونها سيتوقف كل شيء.
وما الحكمة السلطانية والفكر المستنير الذي حمل مشاعله قائد هذا الوطن منذ بداية مسيرة النهضة المباركة سوى امتداد لذلك الوعي التاريخي والحضاري بخطورة الاختلافات الفكرية والايديولوجية والمشاققات السياسية والتنازع السلبي حول القضايا والمصالح الوطنية بين أطراف البناء الوطني, وأبناء الوطن الواحد سواء كان ذلك بين المواطنين أنفسهم, او بين المواطنين وحكومتهم, او بين مؤسسات الدولة بعضها بعض, على امن الوطن واستقراره, فكان التنبيه المستمر من قبله ” أطال الله عمره ” على خطورة الجهل والتجهيل وقلة الوعي بتلك الحقائق التاريخية , وعلى أهمية التفاهم والتنازع الايجابي بين مختلف أطراف البناء الوطني.
وما هذا التقريب والتفهم والتعاون بين الجميع الا مبدأ من مبادئ التوازن المحمود في بناء وتوطيد أركان السياسة الداخلية السليمة والحكيمة, والتي يطلق عليها بسياسة التدافع الايجابي في العلاقة بين طرفي البناء الوطني ـ أي الحكومة بمؤسساتها والمسؤولين بها من جهة, وبين الشعب او المواطنين من جهة أخرى ـ والتي يفترض ان تعني بمعنى آخر التنافس الايجابي المشروع في الأفكار والمصالح والحقوق والواجبات, بين تلك الأطراف المكملة لبعضها البعض في خدمة وطنها, وإلا فان نتيجة اعتلاء او تحجيم او تهميش دور كل طرف, والتطرف الفكري في فهم العلاقة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين على أساس غالب ومغلوب او منتصر ومهزوم او خادم وتابع هو دمار الأوطان وتفككها, وان كان هناك من علاقة حقيقية وسليمة بين الحكومة والمواطنين, بين حضارة المجتمع والمؤسسات السياسية في أي امة متحضرة فهي وظيفة تعزيز الثقة المتبادلة بينهما في قلب الوحدة الوطنية.
لذا أدرك صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ اليوم الأول الذي وضع فيه الخطوط الرئيسية لمسيرة نهضة هذا الوطن العزيز، لأهمية توطيد الثقة بين مؤسسات المجتمع المدني وأبناء هذا الوطن بمؤسسات دولتهم ، وفي الخدمات التي تقدمها حكومتهم، وفي أهمية التقارب والتلاحم والتكامل والتعاون والتشارك بين أبناء هذا الوطن العزيز وتلك الشخصيات التي نالت الثقة السامية لتتحمل مسؤولية السهر على خدمتهم ورعايتهم وتوفير سبل الراحة لهم وتذليل الصعاب ومشقة الحياة لهم, وليس غريبا على أب وقائد كجلالة السلطان ان يبدأ حكمه “أدامه الله” بمسألة الثقة بين الحاكم والمحكوم والشعب وحكومته، فهو يعي ويفهم تمام الفهم والإدراك ماذا تعنيه أهمية المحافظة على تلك الثقة في توطيد الاستقرار واستتباب الأمن والأمان وترسيخ أصول الدولة على قواعد مستقرة وثابتة في أعماق السياسة وأصول الحكم المستنير، ما يعني في نفس الوقت، انعدام تلك الثقة أو تراجعها بين أبناء الوطن ومؤسسات الدولة في مختلف قطاعاتها والتي وجدت أصلا والقائمين عليها لخدمتهم ورعايتهم وإدارة شؤون حياتهم العامة المرتبطة بتلك المؤسسات الرسمية ؟!.
فكان خطابه الذي وجهه لكبار رجال الدولة من وزراء ومسئولين في الخامس عشر من شهر مايو من العام 1978م، والذي يعد بحق اقرب إلى مواد دستور سبر أغوار النفس البشرية من الناحيتين النفسية والذهنية ليستخرج منها تلك الحلقة الرئيسية أو حلقة الوصل التي تربط استقرار الدول وتوطيد أركان الحكم بها وترسيخ الأمن والأمان بالمواطن نفسه، وبمعنى آخر، ان ثقة أبناء الوطن بمؤسسات دولتهم وبالقائمين على إدارتها هي أهم ركائز الاستقرار وصمام الأمن والأمان لهذا الوطن العظيم ، وهو ما يؤكده ـ رعاه الله ـ في قوله (( لقد أولانا شعبنا منذ تولينا أموره ثقته الكاملة بنا، ومن خلال ثقته هذه، وثق بمن اخترناه ‏ونختاره لتولي المسؤولية لإدارة مصلحته العامة، ولذا فإن علينا وعليكم المحافظة على هذه الثقة ‏وعدم التفريط بها )).
ويواصل ـ حفظه الله ـ خطابه سالف الذكر بقوله : (( لقد جمعناكم اليوم من وزراء ووكلاء ومدراء لنوجه إليكم النصح والإرشاد فيما يجب عليكم القيام ‏به لأداء رسالتكم في خدمة هذا الوطن الغالي، بالطريقة التي ترضي الله ورسوله، وترضينا ‏وترضي المواطنين الذين أولونا ثقتهم))، وهنا يؤكد جلالته من جديد على أهمية المحافظة على مسألة الثقة بين الحاكم والمحكوم من جهة، والمواطن ومؤسسات الدولة من جهة أخرى، وربطهما برضا الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام ومن ثم رضاه ورضا أبناء هذا الشعب الكريم.
ليضع بعدها، وانطلاقا منها، أهم قواعد وأصول السياسة الوطنية المستقبلية التي يفترض ان يتم التعامل بها ومن خلالها بين المسئولين في الدولة والمواطنين، موضحا بعقلية الحكيم، موجها حكومته القائمة في وقتها وتلك القادمة الى أهم الوسائل الحقيقية للحفاظ على الوحدة الوطنية وترابط المجتمع وترسيخ الاستقرار والأمن الأمان الوطني الداخلي بقوله: (( إن السياسة التي اخترناها وآمنا بها هي دائماً وأبدأ التقريب ‏والتفهم بين الحاكم والمحكوم، وبين الرئيس والمرؤوس، وذلك ترسيخا للوحدة الوطنية وإشاعة ‏لروح التعاون بين الجميع، أكان ذلك بين من يشغلون المناصب العالية في الحكومة وبين معاونيهم ‏والعاملين معهم او مع بقية المواطنين)).
ليقف بعد هذه المسألة، أي مسالة المحددات والقواعد الوطنية الداخلية لسياسات الدولة المستقبلية ودور الثقة في علاقة الحكومات القائمة والقادمة بمواطنيها وارتباط ذلك بمسألة الاستقرار والأمن الوطني، على تأكيد معيار تلك العلاقة سالفة الذكر وأهميتها الوطنية, وتوجيه له ما بعده من مرئيات راسخة وثابتة لا يجب التهاون او التفريط بها من قبل أي من مسئولين هذا الوطن العزيز، ويجب ان توضع نصب أعينهم ، وفوق رُؤوسِهِم وعلى طاولات مكاتبهم بشكل دائم، تلك القضية هي طبيعة العلاقة بين مسئولين الدولة بمختلف قطاعاتها وأبناء هذا الوطن الذي وجدوا أصلا لخدمتهم ورعاية مصالحهم، وفي هذا السياق يقول صاحب الجلالة ـ حفظه الله:(( وهناك أمر مهم يجب على جميع المسئولين في حكومتنا أن يجعلوه نصب أعينهم، ألا وهو أنهم ‏جميعاً خدم لشعب هذا الوطن العزيز)).
ويختم خطابه ـ حفظه الله ـ والذي وجهه لكبار رجال الدولة من وزراء ومسئولين في الخامس عشر من شهر مايو من العام 1978م بالتأكيد على بعض النقاط الخاصة بإدارة الوظيفة العامة والتي يجب ان يعيها المسئولون في هذا الوطن وان يعملوا على أساسها في التنظيمات والتشريعات الإدارية الموجهة لمصالح المواطنين والمحددة لأساليب وتوجيهات العمل في مؤسساتهم، وعلى رأسها النقاط التالية ” نوردها كما هي”، إذ يقول المقام السامي ـ رعاه الله ـ:
(1) نود أن نشير إلى أنه قد يتحبب البعض إلى مسؤوليهم بأعمال خاصة وخدمات خاصة لا ‏تمت إلى الدولة بأية فائدة هؤلاء ينبغي ان يكافأوا بمكافآت خاصة وليس على حساب الدولة ‏كترقيات أو تساهلات بأوقات العمل المطلوب منهم.
(2) على المسؤول أن يعتبر مصلحة الدولة فوق ‏كل مصلحة، وأن ينتقي الأصلح فالأصلح، لا القريب من الأقارب، إذ يجب أن لا تدخل القرابة ‏النسبية في حساب أي مسؤول.
(3) كل الأفراد العمانيين هم إخوة وأبناء ولا نحب أن نسمع أن ‏هناك توظيفاً أو تقريباً أو تمييزاً على أسس غير الكفاية واللباقة والإخلاص.
(4) عليكم أن ‏تجعلوا نصب أعينكم دوماً مصلحة عُمان وشعب عمان، وأن تتذكروا ما قلناه آنفاً بأن هذه الدولة بكل أجهزتها هي لخدمة هذا الوطن العزيز ‏ومواطنيه الأوفياء، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ‏على الإثم والعدوان” صدق الله العظيم.‏
ثالثا :- تعزيز قيم الوحدة الوطنية ونبذ التعصب والأفكار الهدامة والمتطرفة:
((…… أن الفكر متى ما كان متعددا ومنفتحا لا يشوبه التعصب كان اقدر على أن يكون الأرضية الصحيحة والسليمة لبناء الأجيال ورقي الأوطان وتقدم المجتمعات, فإن التشدد والتطرف والغلو على النقيض من ذلك, والمجتمعات التي تتبنى فكرا يتصف بهذه الصفات إنما تحمل في داخلها معاول هدمها ولو بعد حين, ونحن نؤكد رفض مجتمعنا العماني لأية دعاوى لا تتفق وطبيعته المتسامحة المعتدلة)).
من نص الكلمة السامية لصاحب الجلالة في الانعقاد الخامس لمجلس عُمان.
في عالم تدب في مفاصله الفوضى وتقطع أوصاله الصراعات والحروب, وتنتشر فيه الأفكار المتطرفة والتعصب, وفي أوطان يتقاتل فيها أبناء الوطن الواحد والدين الواحد على الانتصار لاهوائهم المادية وأطماعهم السياسية والشخصية ولو كان ذلك على حساب استقرار أوطانهم وأمنها ووحدة صفها, يقف هذا الوطن العزيز بفضل الله عزوجل أولا, ومن ثم فضل وحكمة ووعي من أراد لهذا الوطن أن يكون هكذا وطنا خالصا للجميع، حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – أدامه الله وحفظه- صامدا شامخا وسيبقى بإذن الله وفضله وحكمة قائده ومحبة أبنائه وتسامحهم وترابطهم ووحدة صفهم دائما في وجه كل تلك الفتن والصراعات , يرسم لوحه إنسانية بروازها الوحدة الوطنية وشعارها عمان لكل أبنائها دون تحزب أو طائفيات أو مذهبيات أو عصبيات, لان قواعد البناء الذي أسس عليه لا يمكن بحال من الأحوال أن تنهار ” لا قدر الله ” ما حافظ عليها وصانها وتمسك بها أبناؤها بإخلاص وتفان وتضحيات, وهي السماحة وحسن المعاملة ونبذ الأحقاد ودرء الفتن والتمسك بالأعراف والقيم القائمة على الإخاء والتعاون والمحبة بين الجميع, والبعد عن التطرف والتعصب, كما يؤكد ذلك باني نهضة هذا الوطن العزيز, حضرة صاحب الجلالة حفظه الله بقوله: (( لقد فطرنا في هذا البلد ولله المنة والحمد على السماحة وحسن المعاملة ونبذ الأحقاد ودرء الفتن والتمسك بالأعراف والقيم القائمة على الإخاء والتعاون والمحبة بين الجميع )).
إن عمان اليوم وبعد أربعة عقود ونصف من الزمن , ” أطال الله عمر نهضتها ” ورغم كل تلك التحولات الحضارية والمتغيرات الثقافية والسياسية الدولية التي قسمت الأوطان وفرقت البلدان وشقت نسيج وحدة أبنائها, لازالت تقف كالجسد الواحد لأن وعي قيادتها ومحبة أبنائها بعضهم لبعض كانت مبنية منذ البداية على فكرة ومنهج أصيل ومتأصل في أخلاقهم وتربيتهم الدينية والوطنية منذ البداية وهو أن ” الحكومة والشعب كالجسد الواحد إذا لم يقم عضو منه بواجبه اختلت بقية الأجزاء في ذلك الجسد “- من الخطاب السامي 1970م- , وهو ما حافظ عليه أبناؤها وسيبقى بإذن الواحد الأحد دليلا على تماسك أركانها ووحدتها الوطنية.
كذلك ومما يحسب في هذا السياق اتساع منظور وافق الإدراك الأمني المستقبلي السلطاني لمخاطر لا ينبع أصلها من العدوان المسلح بقدر ما ينبع من خطر الأفكار المتطرفة والمتعصبة او الزائفة على استقرار وامن البلد الداخلي, لأن التعصب وانتشار الأفكار المتطرفة والشعارات الزائفة بين أبناء الوطن الواحد هي من أهم أسباب الصراعات والاقتتال والفوضى والفرقة وتوسع الخلافات والمشاققات السياسية والثقافية, وفي هذا السياق يقول حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – ((ان الافتراض بأن الخطر الذي يهدد الدول والشعوب يبدو دائما على شكل قوة مسلحة, إنما هو افتراض خاطئ, فأعداء الحرية يستخدمون كل الوسائل والطرق الممكنة لتحقيق أهدافهم, ان هذه القوى التي تعمل في غالب الأحيان في ظل شعارات زائفة عن الحرية والمساواة وحقوق الإنسان قد أعدت نفسها لتقويض وتحطيم أسس المجتمعات المستقرة, وهذه القوى التي تزعم الدفاع عن الحرية , وتزعم الدفاع عن الشعوب الضعيفة والفقيرة, مصممة على إهدار الشرعية الدولية والقيم الإنسانية في كل مكان.. والغاية واضحة ومعروفة وهي دفع الدول والشعوب المستقرة الى حالة من الفوضى والاضطراب والانحلال الخلقي والمادي)) 18/11/1977م
ومن هذا المنطلق كان حرص باني نهضة عمان حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله – منذ بداية النهضة المباركة ” أطال الله عمرها وعمر بانيها ” على مواجهة كل تلك المسميات والتسميات والتقسيمات الموبوءة والنباتات السامة المتطرفة كما وصفها عن مبدأ الوحدة الوطنية والتوحد تحت راية الوطن الواحد, ومحاربتها بكل قوة وحزم وإصرار, فكانت البداية في العام 1970م بجمع لحمة أجزاء الوطن المقسم من الشمال في أقصى محافظة مسندم إلى الجنوب في أقصى محافظة ظفار تحت تسمية تجمع ذلك الشتات, فكان الاسم “سلطنة عمان ” ليكون وطن واحدا للجميع, يضم كل الطوائف والقبائل والمذاهب, وعلى هذا الأساس الوحدوي استمر هذا الوطن في مسيرته متجاوزا كل أشكال الفرقة والتعصب والتقسيم الذي عانت منه الكثير من الدول الشقيقة خلال العقود الماضية ولا زال بعضها حتى اليوم, فدخلت بسببه دائرة الصراعات والحروب الطائفية والمذهبية والحزبية التي فتتت تلك الأجزاء الغالية من امتنا الإسلامية والعربية.
وكما أكد ذلك سماحة الشيخ العلامة احمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان في كتابه مسؤولية الشعب العماني في الحفاظ على وحدته في هذا السياق من أن سلطنة عمان قيادة وشعبا وحكومة يسيرون وفق هذا المنهج الوطني منذ اليوم الأول لوطنهم الوليد, وهو ما جعلنا اليوم نعيش هذه الألفة والتقارب بعيدا عن كل أشكال التقسيم والصراعات الطائفية والمذهبية والقبلية (( هياج زوابع تلك الفتن وبمأمن من لهيب سعيرها المحرق, فقد توارث هذا الشعب الأبي التسامح والتآخي والترابط والتعاون على الخير أبا عن جد وهذه هي الصبغة الحضارية التي تميز بها فاغتبطته الشعوب وتطلع إلى خصائصه العقلاء, وأكبره الحكماء, فكم من عالم مفكر وسياسي حكيم سجل لهذا الشعب شهادة تعد وساما على صدره وتاجا فوق هامته)).
رابعا: توطيد أركان وبنيان دولة القانون والمؤسسات:
(( لقد وضعت قوانينُ لهذه الدولة بموجب مراسيمَ سلطانيةٍ صدرت بشأنها، وتصدر من حين لآخر، وذلك للمحافظة على مصالح الشعب ، فعليكم أن تدرسوا هذه القوانين، كلٌّ في مجال اختصاصه دراسة وافية، وألا تتجاوزوا في المعاملات أيَّ نصٍّ لتلك القوانينِ، بل يجبُ التقيدُ بها وإتباع ما جاء في نصوصها)) .
خطاب صاحب الجلالة الموجه لكبار رجال الدولة 15-5-1978
يعلمنا التاريخ إن (( مصير الأمم منوط بحكم القوانين أو بلا معقوليتها, ولا مناص من عد القوانين التي تضمن الأمن والاستقرار الاقتصادي والرخاء وتتجاوب مع المصالح الاجتماعية قوانين مقدسة, وهذه القوانين ثابتة ملزمة لكل مجتمع مبني على أساس العقل, ولا يسوغ انتهاكها والخروج عليها إلا مصالح الأمة العليا – والتي يقررها الإجماع )) وكذلك تلك القوانين التي تحارب العنصرية والطائفية والمذهبية بكل أشكالها والتفرقة بكل ألوانها والإقطاع والرأسمالية والتمييز بين الأفراد, والتعسف في استخدام السلطات والقوانين, وغيرها من محفزات الاحتقان والامتعاض والتحاسد بين أفراد المجتمع في الدولة الواحدة, وتضمن حقوق الإنسان كما أمر الله بها كحق الحياة والتفكير والتعليم والصحة وما إلى ذلك, وهو ما أكده وحرص عليه ووعى إليه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه حينما قال: (( كذلك فإنه من المهم ان لا يحسد إنسانا آخر, فمن لا يملك يجب ان لا يحسد من يملك, وإنما يدعو الله ان يرزقه, ومن يملك يجب ان ينظر نظرة طيبة تجاه من لا يملك ويسعى لمساعدته ويتيح له فرصة العمل حتى لا يحسده وحتى لا يدعو عليه بزوال النعمة …. نقطة أخيرة أود ان أشير إليها وهي: تعلمون جميعا إننا نحرص على امن واستقرار هذا البلد, ونحرص على ذلك ان شاء الله, وفي نفس الوقت سوف لن يصدر أي تعسف إزاء احد) حديث صاحب الجلالة في سيح الصالحات.
ويعد تحقيق العدل والعدالة كما هو معلوم الهدف النهائي لكل القوانين بمعناها الشامل والعام ـ أي القانون الطبيعي والقانون الوضعي ـ (( وأيضا عامل من العوامل الأساسية لنهوض الحضارة, ولو لم تبذل هذه المحاولات لوضع القوانين وضبط السلوك الإنساني لخضعت العلاقات الاجتماعية لأهواء الأفراد, بمعنى أن الإنسان الأقوى جسديا كان يمكن أن يحسم الأمور شكل يتفق مع مصالحه وأهوائه, والعدالة هنا تعني أن القانون الذي تم وضعه لن ينتهك لصالح أي فرد)) أو جماعة أو فئة, فالقانون دائما ما كان هو الاسمنت اللازم لبناء مجتمع متنوع, ولا يمكن بحال من الأحوال تحقيق العدالة سوى بوجود قوانين عادلة ومنصفة تعمل على تغذية نسيج المسلمات والسلوكيات المنضبطة بين الناس.
وعليه وباختصار فانه يمكننا التأكيد على أن العدل هو الركن الأول من أركان الحكم الرشيد وتكوين الدولة المطمئنة وتحقيق الأمن والاستقرار الوطني, ويقابله في الناحية الأخرى في حال انعدام العدل والقوانين العادلة المنصفة والمشاريع التي تحقق أهداف العدل وغاياته السامية سيطرة قانون الغابة على الأمة, وبالتالي انتشار الظلم والخوف والفساد والطغيان وانعدام الثقة وسيطرة الشك والريبة بين أفراد المجتمع من جهة وبين المجتمع والدولة من جهة أخرى, وما من امة تسود وتتسيد نفوس أفرادها تلك القيم السلبية المدمرة الناتجة عن الظلم والتمييز والعنصرية وانعدام العدالة بمختلف أشكالها إلا وتنتشر فيها الجرائم وتعمها الفوضى وتدب بين أبنائها الخلافات والصراعات والأحقاد حتى تصل إلى مرحلة حتمية تقضي بها على أركان استقرارها وأمنها, وبالتالي خرابها ونهايتها الحتمية المأساوية, وفي هذا السياق يقول الحق عز وجل: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } صدق الله العظيم ,( سورة هود, الآية 102) , وباختصار( ان دولة القانون هي الشكل النهائي للدولة القادرة على ضمان امن الأفراد بأفضل الشروط وهذا التمييز يعمل الآن على المستوى الدولي, والسيادة الأخلاقية هي الدولة التوتاليتارية العالمية, وليس الديموقراطيات والمجتمعات السياسية حيث اختفت الأسس الأولى لتنظيم او ضبط الدول)).
ومما حرص على التوجيه إليه والعناية به في هذا السياق كذلك طيلة عمر النهضة المباركة ” أطال الله عمرها وعمر بانيها ” حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في سياق تحقيق دولة القانون والمؤسسات, هو بذل كل جهد لمكافحة الفساد بمختلف الوسائل والأساليب, سواء كانت الرقابية منها من خلال الأجهزة المدنية والأمنية في الدولة, او من خلال سن القوانين الخاصة باحتواء وضبط هذه الظاهرة المدمرة لاستقرار وامن الأوطان والإنسان, وفي هذا السياق يقول حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في خطابه في افتتاح دور الانعقاد الثاني من الفترة الرابعة لمجلس عمان على ان: ((من المؤكد ان مواجهة أي صورة من صور الانحراف والفساد في الأداء لا تقتصر مهمة القيام بها على الأجهزة المعنية فقط, رغم أهميتها, لان تعاون المواطنين عبر التزامهم التام بالقانون, وعدم تجاوز إجراءاته ومقتضياته تحقيقا لمصلحة ما, هو أمر على جانب كبير من الأهمية, لان تطبيق القانون والالتزام به هو الضمان لتحقيق المصلحة الفردية والجماعية أيضا)), كما جاء في كلمته في افتتاح الفترة الخامسة لمجلس عمان التالي: (( ان العمل الحكومي كما هو معلوم تكليف ومسؤولية يجب أداؤه بعيدا عن المصالح الشخصية وتنفيذه بأمانة تامة خدمة للمجتمع, كما يجب سد كل الثغرات أمام أي طريق يمكن ان يتسرب منه الفساد)).
خامسا : السلام مع الخارج والحياد وعدم التدخل في شؤون الآخرين , أساس لأمن واستقرار الداخل:
لقد اثبت النهج الذي اتبعناه في سياستنا الخارجية خلال العقود الماضية جدواه وسلامته بتوفيق من الله, ونحن ملتزمون بهذا النهج الذي يقوم على مناصـرة الحق والعدل والسلام والأمـن والتسامح والمحبة, والدعوة إلى تعاون الـدول من أجل توطيد الاستقـرار وزيادة النماء والازدهـار, ومعالجة أسباب التوتر في العلاقات الـدولية بحل المشكلات المتفاقمة حـلا دائما وعادلا, يعزز التعايـش السلمي بين الأمم ويعود على البشرية جمعاء بالخير العميم.
الانعقاد السنوي لمجلس عمان للعام 2006
لقد تجلت الرؤية السياسية السامية من خلال تلك الكلمات الحكيمة, والتي تنم عن بعد في النظر, واستشعار لما يحتاجه المستقبل الدولي لتوطيد السلام والاستقرار في العالم اجمع, على أسس ودعائم سياسية ودبلوماسية ثابتة وثاقبة وقوية, يستطيع العالم ومن خلالها أن ينطلق وبكل ثقة إلى تحقيق أهدافه ومبتغاه من الاستقرار والسلام, بل أن يسير وهو مطمئن البال بأنه سيصل إلى شاطئ الأمان والسلام ودون أي منغصات او عوائق , حيث يعلم الجميع بأن السلطنة كانت على رأس الدول التي أرست دعائم السلام في العالم انطلاقا من ذلك النهج المستنير, والذي أسسه ووطد بناءه وجذر فيه أصول السياسة الخارجية والدبلوماسية العمانية التي شهد لها الجميع, وكانت دائما وفي كل المحافل الدولية والإقليمية احد ابرز المراجع العالمية للسلام والأمن والاستقرار, والشاهد الحاضر على الخطى المستقرة والناجحة التي كانت ولازالت جزءا لا يتجزأ من الرؤية المستنيرة التي شهد لها الواقع في كيفية إدارة أصول السياسة الخارجية والدبلوماسية الدولية من المنظور الوطني.
هذا النهج الذي يقوم على مناصرة الحق أينما كان ودون استثناء للإبعاد الجغرافية او الديموغرافية او الاختلافات العقائدية والعرقية او تباين الأفكار والإيديولوجيات, وقد تجلت تلك الحقيقة في كل جزء من العالم زرعت فيه السلطنة بذرة الحب والتعاون والتسامح والمحبة, بحيث كان هذا النهج السامي للسياسة الخارجية العمانية ينطلق دائما من الإسلام الذي وحد البشرية وعلم الإنسانية أصول العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب, وعلمنا كيف نتساعد مع من كان وأينما كان انطلاقا من مبدأ قوله عز وجل:” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى, وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله اتقاكم, إن الله عليم خبير”. وقد أظهرت تلك الرؤية التي تنطلق من ذلك المنظور الرباني نجاح لا مثيل له, فقد وحدت الدنيا على كلمة الصدق والمحبة والسلام بين جميع الأديان في عهد النبوة, وأثبتت أن العالم لا يمكن له الاستقرار سوى على نهج عادل يحقق المساواة والعدالة للجميع, ولذلك قد أثمرت ثمار الخير وأعطت أكلها على مدى 35 سنة من عمر النهضة المباركة تحت ظل المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه.
كما كانت تلك الرؤية الثاقبة الحكيمة إلى مفهوم السلام والتعايش ألأممي على أساس من الحب والتعاون والتسامح من باب قوة وليس من باب ضعف, والذي طالما دعا له قائد مسيرة هذا الوطن, هدفا أساسيا من أهداف السياسة الخارجية العمانية, والتي أثبتت نجاحها وبكل تميز من خلال انفتاح دولي حقق دعائم ذلك الهدف العالمي, وعلى مختلف الأصعدة والأنشطة التي توفر لتلك الغاية أسهل السبل وأسرعها للتحقيق والنجاح, كالتعاون في المجالات الاقتصادية, وذلك من خلال المساهمة في تنظيم وإحياء واستثمار التجارة الدولية وبرامج نقل وتسهيل التكنولوجيا وأنظمة المعلومات وتسهيل وتقديم المساعدات المالية والمعنوية في هذا المجال من اجل التشجيع على تطوير هذا القطاع العالمي الحساس والهام , وغيرها الكثير من الوسائل والطرق الاقتصادية التي تساهم في نشر وتوطيد السلام المنشود للعالم اجمع, وفي هذا السياق يقول حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه: (( إننا نمد للسلام يدا من موقف القوي, إننا قادرون بعون الله على ردع العدوان, أيا كان حجمه, لأن رجال قواتنا حماة عقيدة, إننا نحمل السلاح دفاعا عن العقيدة, والوطن والكرامة, ونمد أيدينا للسلام حرصا على الوئام, وحسن الجوار, ورابطة الدم)) 20/11/1974م.
ان ما تحقق من استقرار وأمن وطمأنينة للوطن والمواطن العماني خلال أعوام النهضة المباركة ” أطال الله عمرها وعمر بانيها ” بينما كانت العديد من الدول والشعوب ترزح تحت وطأة الفوضى والصراعات والاقتتال والتطرف والإرهاب, لم يكن وليد الصدفة, بل هو أولا بفضل الله عزوجل, ومن ثم نتيجة مباشرة لتوجيهات المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – لكل مواطن ومقيم على تراب هذا الوطن العزيز للمحافظة على المكتسبات والثروات التي تحققت بدماء الشرفاء وجهد المخلصين وعرق الأوفياء, ولان الأمن الحقيقي ينطلق من الوعي بأهميته وضرورته لاستمرار الحياة والحرية, لا ذاك الذي يفرض بالقوة والقمع والاستبداد والتسلط, وكذلك من خلال الاهتمام والرعاية الأمنية لمختلف الأجهزة والمؤسسات ذات الارتباط بتحقيق الأمن والاستقرار والعدل على تراب هذا الوطن الكريم, على اعتبار ان تحقيق الأمن والاستقرار هو مسؤولية جماعية تنطلق من الأفراد وتنتهي بالجماعة والمؤسسات ذات الارتباط.

إلى الأعلى