الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / النادي الثقافي يحتفي بالأسطوري في أدب سماء عيسى

النادي الثقافي يحتفي بالأسطوري في أدب سماء عيسى

ظاهرة أدبية في التاريخ الأدبي والثقافي الحديث والمعاصر في السلطنة

مسقط ـ العمانية:
أقام النادي الثقافي مؤخرا ضمن فعالياته التي تحتفي بأدباء عُمان المعاصرين الذين كانوا ولايزالون لهم بصمة واضحة على المشهد الثقافي العماني ندوة سلطت الضوء على جانب ثري من جوانب ابداعات الاديب سماء عيسى حملت عنوان “الأسطوري في أدب سماء عيسى” النادي الثقافي اختار دراسة تجربة سماء عيسى نظرا لأنه يمثل ظاهرة أدبية لافتة في التاريخ الأدبي والثقافي الحديث والمعاصر في السلطنة، فقد شكّل أدبه ركيزة أساسيّة، فتحت في الشعر دروبا، شكليّةً ودلاليّة، وفي النثر مسالك، وفي الجمع بينهما آفاقا اهتدت بها أجيال لاحقة له ومزامنة. فإضافة إلى دوره التأسيسي في الكتابة الشعرية الحديثة، شعرا حرّا ونثريّا، فقد اختار سماء عيسى تنويع أشكال الكتابة، ولامس فضاءات عميقة، في التراث المحلّي والمعتقدات الشعبية، وتفاعل مع المكان ومع الفكر ومع الأسطورة الحاضرة في الذهن العامّ حضور الحقيقة، ونظر في الأبعاد الصوفيّة العميقة في الذاكرة الجمعية، وفي ذاكرة المكان” ، وشارك في الندوة كل من الأديب عبدالله حبيب والدكتور إسماعيل الكفري، والدكتور محمد زرّوق، والباحث مبارك عيسى، والسينمائي جاسم البطاشي.
الأديب عبدالله حبيب (بصفته الصديق المقرب لسماء عيسى) قام بتقديم شهادة حملت عنوان (سماء عيسى أو اللحم والدم والعاطفة عبر الميثولوجيا)، تطرق فيها – من جملة ما تطرق إليه من حديث الصحبة والذكريات – إلى سرد قصة الاسم (سماء) الذي أصبح الاسم الأدبي للكاتب عيسى الطائي، كما تناول في ورقته التي اتسمت بالعمق الإنساني والطرافة الأدبية تاريخ علاقته بسماء عيسى، ودهاليز شخصيته، وأضاء المشتركات بينهما طوال زمن صحبتهما الممتد من أوائل الثمانينيات، يقول عبدالله حبيب : “عَبْر الزمن سماء عيسى وأنا تشابهنا في أشياء، واختلفنا في أشياء وتشابهنا في أشياء ثم اختلفنا فيها. كنا مثلا نتخلص فورا من النصوص التي نكتبها ولا نرضى عنها. أنا تغيرت طريقة تعاملي مع الأمر، فقد أدركت أن النص سيبقى مشروعا ناقصا دوما ولن يكتمل بمثالية، فإن أنت لم تكن راضياً عن النص بعد كتابته فهناك شيء اسمه الدرج، وعليك أن تضعه فيه وتعود حتى ولو بعد سنين، . سماء لا يؤمن بهذا الحل ولكم أن تتصوروا مقدار الرعب الذي أشعر به حين يعرض سماء عليّ نصوصه لإبداء الرأي فيها، حيث أكون بين خيارين أحلاهما مر: فالأمانة تتطلب إبداء الرأي بصراحة، ولكن الخوف هو أن يكون من وجهة نظري مثلبا في النص سيكون سببا مؤكدا لأن يكون مصيره غالبا سلة المهملات فإن قلت مثلا: “سماء، هذا النص ممتاز، ولكني أعتقد، أعتقد فقط، أن الجناس والطباق قد يكونان أفضل من الموسيقى الداخلية التي تحاولها هنا” فإنني أشك في أن ذلك النص سيكون متضمنا في المجموعة. والله وحده أعلم بالمعاناة التي تكبدتها حين كان سماء يكتب مجموعته الشعرية العذبة (غنية حب إلى ليلى فخرو)”.
وعن أول لقاء جمعه بسماء عيسى، يقول عبد الله حبيب: “لابد أن نذكر لقائي الشخصي الأول بسماء عيسى، فهو لقاء ينتمي إلى الأسطورة أكثر من تبعيته للواقع. ذات يوم في أوائل الثمانينيات في أبوظبي، تصادف أن نشرت لي الصحافة الإماراتية ثلاث مواد في نفس اليوم وكانت إحدى تلك المواد تحمل صورتي بالزي العماني. وقد وجدت نفسي في حوالي العاشرة من صباح ذلك اليوم وأنا أضغط على زر جرس شقة صديقي الكاتب اليمني المرحوم سعيد محمد دحي. لم يكن المرحوم سعيد موجودا في الشقة، بل خرج لي شخص حاسر الرأس يرتدي دشداشة عمانية بيضاء. وفي غرفة الجلوس رمقت المنضدة بنظرة لأفاجأ بوجود المطبوعات الثلاث التي نشرت نصوصي الثلاثة في نفس اليوم وهي مفتوحة على الصفحات ذاتها التي نشرت فيها نصوصي، فشعرت بارتباك وتوجس شديدين، وكان هو يرمقني أيضا” وقد تبع تلك الوهلة الأولى أحاديث لها من الخصوصية ما ابتنى سريعا قاعدة صلبة من الثقة المتبادلة التي ولدت مكتملة بين الرجلين على نحو ـ كما يقول ـ أشبه بالميثولوجيا منه بالواقع، ويتابع عبد الله حبيب: “مع حلول الليل وجدنا نفسينا في أحد المنتديات الليلية ونحن نتحدث عن كل شيء بصراحة حيث فاضت روحانا لروحينا بكل شيء. وفي حوالي الثانية والنصف صباحا أعدت سماء عيسى بسيارتي إلى شقة المرحوم سعيد دحي. وإن كان بينكم من يظن أن اللقاء التعارفي لشخصين وجدا نفسيهما معا بالمصادفة لا يمكن أن يستمر من حوالي العاشرة صباحا وحتى الثانية والنصف من صباح اليوم التالي (أي لمدة حوالي ثلاث عشرة ساعة متواصلة) إلا في الميثولوجيا فعليه أن يعيد النظر في قناعاته”.

توظيف الأسطورة
وقد قدم الدكتور إسماعيل الكفري ورقة حملت عنوان “توظيف الأسطورة في شعر سماء عيسى” ، وكان مما جاء فيها: “لا يخفى على أحد من المهتمين أن الأسطورة تشكل اليوم أحد الينابيع الأساسية التي ينهل منها الشاعر العربي الكثير من أفكار قصائده وصوره، وأن هذا الاهتمام الكبير بالأسطورة يعود إلى دوافع كثيرة، منها ما هو ذاتي يتعلق بالشاعر صاحب العلاقة، ومنها ما هو موضوعي يتصل بالسياق الأوسع”، ثم راح الدكتور الكفري يتحدث عن الوعي بأهمية العلاقة الطبيعية التي تربط الشاعر والأسطورة، مختصرا إياها بعلاقة التوأم بتوأمه، والفرع بأصله.
وعن طريقة توظيف سماء عيسى للأسطورة بنحو خاص، يقول الكفري: “مما يلفت الأنظار حقا في شعر سماء عيسى هو أن هذه الطريقة الثانية هي الغالبة، بل المسيطرة، في تعامله مع الأسطورة. ولإثبات ذلك يكفي التوقف قليلا عند طريقة توظيفه لواحدة من الأساطير الأكثر شيوعا ليس في شعره فقط، وإنما في شعر رواد حركة الشعر الحر عموما، هي أسطورة الفينيق (أو العنقاء):
“ولقد عرفتِ أيتها الغيوم
ولادة الطفل بعد الألم
كما هو هطول الودق
بعد جفاف طويل
كما هو الجمال
في رحيله إلى الموت
والورد
في رحيله إلى الرماد”
وقد حلل الكفري النص أعلاه بقوله: “في هذا النص يرتفع التعبير إلى مستوى عال من الشعرية، لأن الشاعر أفاد من الدلالة العامة للأسطورة من دون أن يذكرها صراحة، وذلك إذ فتتها ونشرها في شتى أنحاء النص، فألفاظ الغيوم والمطر والطفل والجمال والورد، كل هذا ليس مستخدما في النص ليعبّر فقط عن مدلولاته المتعارف عليها، وإنما ليتجاوز ذلك ويدل على رغبة الشاعر بالتجدد والانبعاث”.
ولا يكتفي الكفري بهذا النص للدلالة على مذهبه في طريقة توظيف سماء عيسى للأسطورة، فيتبعه بنصين آخرين، واقفا عندهما بالتحليل والمعاينة، ليخلص إلى قوله: “يبقى أن نقول إن هذه الطريقة التي اعتمدها سماء عيسى في توظيفه للأسطورة، وتقوم على استلهام الأسطورة وجعلها روحا للنص، أي على حضور الأسطوري وغياب الأسطورة، تعد أكثر أنماط التوظيف فنية وإسهاما في تشكيل جمالية النص وخلق شعريته”

إلى جبال الألب
أما الباحث مبارك عيسى، فقد قدم ورقة عنوانها “من الأرض إلى جبال الألب” متخذا مدخلها إلى الأسطوري في شعر سماء عيسى، من خلال النظر في بنيتين قارتين فيه: البنية اللغوية، والبنية المفهومية، موضحًا التعاضد الذي يتم بينهما لتشكيل الأسطرة التي يتقوّم عليها، مؤسسًا بذلك تحاورية مع الخطاب السائد. يقول مبارك عيسى: “حين نقرأ النص السمائي فإن الشكل الكتابي المتبع يشي لنا بالسياق الشعري الذي يشكل منه هذا النص مادة بنائه، سياق قصيدة النثر، وليس غائبًا الدور الريادي الذي كانه سماء عيسى وهو ينشر نصه الأول في مجلة الجديد المصرية عام 1971 بعنوان “بكائية إلى المهاتما غاندي” ويحيل مبارك عيسى في تأصيل ذلك إلى كتاب . وفي تحليله للبنية اللغوية، مبحث ورقته الأول، يقول مبارك عيسى: “الأمر الذي يستحضره سماء جيدًا وهو يمارس طقس الشعر، محاطًا بأبهة الماضي وظلمة الغياب ونار الحطب الذي تجمعه المعوِّبات فاختيار قصيدة النثر المسكونة دومًا بزمن البدايات اللغوية كما ينبغي لها أن تكون وفقًأ لتنظيراتها هو ما اختاره سماء، حيث اللغة التي تبني معناها ليس ارتدادًا للمعاني المسبقة، وإنما خلقًا واجتراحًا، هو زمن البدايات إذن الذي تنحوه قصيدة النثر لتلتقي بالزمن البدئي الذي نعرفه لصيقًا بالأساطير.
أما عن البنية الدلالية فيقول مبارك عيسى: يتقوّم النص السمائي وهو يوجد أسطوريته على بنية دلالية داخلية للأسطورة، تقوم على ثلاث مناحٍ أساس: زمن البدايات، وأسطرة الأرض، وأسطرة الأنثى. وبين هذه المناحي الثلاث رابط أساس في البناء الأسطوري كما نستفيد من أدبيات الأساطير، حيث الأساطير دومًا لا زمن لها إلا البدايات كما سبقت الإشارة، وحيث الأرض والأنثى دومًا توأما قدس في المجتمعات القديمة التي ارتبطت بالزراعة “.
وعلى ذلك ـ حسب مبارك عيسى ـ “يؤسس سماء بنصه الشعري لزمن يتجاوز الحاضر ليكتسي جو البدايات الأسطورية، حيث اللاشيء، حيث العالم خراب ومنفى وصحراء، لا مستقر فيه سوى للهجير والغياب، وهي عوالم تحضر بقوة في نصه عامة، جاعلاً منها الفضاء المميز لشعره، إذ تتكرر ألفاظ الغياب والموت والنفي والدم والدفن وما إلى ذلك من ألفاظ دالة على الوصول بالزمن إلى بداياته الأولى، حيث اللاشيء، حيث العدم هو القانون الأوحد، ففي مجموع (دم العاشق) مثلاً نجد أربعة نصوص من واقع خمسة وأربعين نصًا لا تصرح بتلك العوالم رغم تبينها في جو النص نفسه، ففي نص (شهيد) نقرأ:
وطن دموعنا
وليل صعودنا إلى الله ،
حيث الصعود ودلالته على الغياب”.
ويضيف مبارك عيسى: “ما أريد قوله هنا هو أن زمن البدايات الذي أجعله مرادفًا لمعاني الغياب والعدم واللاشيء والنفي المنتشر على مدى النص السمائي هو زمن قار في هذا النص عامة، وهو من الشيوع بحيث لا يحتاج إلا إلى قراءة أي مجموع شعري من المجاميع الأحد عشر لسماء عيسى. وحينئذٍ فإن سماء يخلق الفضاء الزمني المناسب للأسطورة، إذ حيث يغدو العدم سائدًا تتجلى مواقف الكائنات الأسطورية الخالقة، الخارقة، وقد ارتبطت الطقوس الأسطورية دومًا عند المجتمعات القديمة باستحضار قوى تلك الكائنات لدفع بلاء حل، وإعادة اخضرار حياة أفلت”.
وكما سبق أن أشار مبارك عيسى فإن “الأنثى والأرض هما الأرضيان اللذان يسعى النص السمائي لأسطرتهما في هذا الزمن البدئي، وكلاهما له وشيج صلة بالآخر، فعندما يسأل مويزر كامبل في كتاب (قوة الأسطورة) عن سر تبجيل الأنثى في المجتمعات البدائية يجيبه الأخير بأن ذلك ارتبط بالزراعة والمجتمعات الزراعية، “فقد كان العمل منصبًا على الأرض. فالمرأة تمنح الحياة تمامًا كما تمنح الأرض الحياة للنبات. وهي تقدم الغذاء كما تفعل النباتات. فسحر المرأة هو ذاته سحر الأرض، وكل منهما مرتبط بالآخر.
وعن التحاورية التي تعضد البنيتين اللغوية والدلالية يقول مبارك عيسى: “النص السمائي حين يقوم بفعل الأسطرة هذا فإنه يشكل بنى مفهومية تحاور البنى المفهومية التي تسود الخطاب اليومي المعاش، إن الخراب والدمار والغرق والنفي والموت الذي يفرشه النص السمائي يقوم متهكمًا على دعاوي العمران التي تنادي بها حضارات الإسمنت والخرسانات المشيدة بالحديد الأصم، حيث يستحيل زيف الراحة والاستقرار إلى خراب ودمار على الحقيقة”.
ويضيف مبارك عيسى: “الأرض والمرأة اللتان تحضران ككائنين أسطوريين على يديهما وحدهما يُحمل قنديل الضوء المتبقي للوصول إلى مرفأ الأمان، تقومان في النص السمائي ضدًا للتشيؤ الذي يمارس في الواقع ضدهما، حيث لا شيء لهما سوى قيمة التبادل الذي رسخته الرأسمالية في صورتها الأكثر توغلًا في الشناعة، حيث الاستباحة لجسديهما: جسد الأم الأرض، وجسد الأم الأنثى. ولذا هذا الحنين الدائم إلى الماضي في النص السمائي، حيث السلف والأنبياء والبحارين الذين مضوا: “تقترب إليه نواحة المساء لتذكره بهجرة أسلافه البعيدة من أرض لأخرى، بغية مجهول جديد يبزغ ثانية على الأرض”.

عجائبية السرد
ومن جانبه قدم الدكتور محمد زرّوق ورقة بعنوان “عجائبية السرد .. قراءة في “نصوص” سماء عيسى” مفتتحا إياها بقوله: “للسرد عجائبية يبعثها القادر على تحويل مادة الأحداث إلى ما يعدل عن متصور الذهن وإلى ما يخرج عن حدود المعاينة والملامسة ليعانق التخييل والتجريد والتمثيل. العجائبي فعلٌ في السرد يحول الأحداث عن الممكن توقعا إلى حدود التوهم والمفارقة” ثم تحدث الدكتور زرّوق عن ارتباط السرد في الثقافة العربية بالعجيب، مشيرا إلى أمثلة عدة من بينها (ألف ليلة وليلة)، و(كليلة ودمنة)، و(حي بن يقظان)، وغيرها الكثير مما أحال إليه في هذا السياق، أما عن سماء عيسى فيقول محمد زرّوق: “يدخل سماء عيسى في نصوصه ضمن هذا الفضاء العجيب الذي يُنطق فيه الطير والشجر وتبوح فيه الأرض، وتعود فيه الأرواح المفارقة، ويتحرك فيه الجماد. يؤسس لنفسه لغة للمكاشفة مرتكزها الذات الرائية الراوية، الناظرة في عمق الوجود، وفي مصير الإنسان ومساره وقدره، يخرج عن رصد حركة الواقع المباشر في خطاياه اليومية ليكشف عجز اللغة عن البوح بما في النفس من أعباء ثقال، يساير في ذلك شيخه النفري، القائل كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”.
ويذهب الدكتور زرّوق إلى ما ذهب إليه الكفري قبله من أن سماء عيسى يعمد إلى استلهام الأسطورة وروحها لا إلى توظيفها المباشر، يقول: “لا يبدي سماء عيسى في نثرياته الأسطورة سافرة بائنة، بل هي لمحُ قراءة، ورؤية بصير، هي عبارة الإشارة، يخفف بها المستعمل عجز اللغة عن حمل الوجد. بل هو يستعمل كائنات ووقائع تؤسس لفضاء من العجيب، إيحاء ورمزا، ويستعمل هذا العجيب لتقوية لغة الإيحاء، التي تشكل جوهر الشعر، كأن يستعمل صورة الراحلة التي لا رأس لها، أو الطائر المعلّم، دفن اخاه، أو الوحش المتحول تكرارا ومرارا، “أسير في ليل لا ينتهي. كنت أعمى، وكان طفل يقودني إلى الصحراء، وكانت راحلة دون رأس تسير بي إلى قبر يغوص وحيدا عميقا في الرمال”.
ويختتم زرّوق ورقته بجملة من النتائج، لخصها كالآتي: “(1) لم يفارق الشاعر جبة الناثر، فبقيت روح الأعمال شعرية، في غلبة الذات المتكلمة، وسيادتها، وفي واحدية الرؤية، وفي انسيابية اللغة الرمزية التي طغت على النصوص. (2) العجيب غالب على هذه النصوص التي يدخل أغلبها في باب السرد، وقد تأسست عجائبية السرد، على مبدأ التحويل والتشويه وعلى مبدأ الغرابة في الأحداث. (3) لا يظهر توظيف الأسطورة بشكل سافر في هذه النصوص، بل الكاتب يُغيّب ملامحها قدر الإمكان، وإنما الأسطوري ذهني في كتاباته. (4) لا يهتم الكاتب بتحقق السرد بل همه الأساسي هو أن يقول نفاثة صدره، وعلى ذلك وُجدت نصوص قصيرة مكثفة بالرموز، كان بالإمكان تفكيكها”.

الأسطورة في الأفلام
وفي الجانب الفني قدم الفنان والسينمائي جاسم البطاشي ورقة بعنوان “الأسطورة في أفلام سماء عيسى السينمائية:، قسمها إلى محاور ثلاثة: المواضيع السينمائية عند سماء عيسى، والشخصيات في أفلام سماء عيسى، والخطوط الدرامية في سيناريوهات سماء عيسى. وعن المواضيع السينمائية عند سماء عيسى يقول البطاشي: “يتجه سماء عيسى إلى ابتكار شخصيات مليئة بالعمق الإنساني، محاطة بالغرائبيات من الأشياء والأماكن، وفي كل موضوع وقفنا عليه وجدناه يقتلع أساسيات الشخوص من المجتمع العماني أو المجتمع الإنساني لتصبح شخصيات محلية عالمية قابلة لأن تحيا في أي زمان ومكان، أو أنها عاشت في أزمنة غابرة ولكنها مؤهلة للبعث من ماضيها إلى مستقبل جديد، من خلال عدة أعمال سينمائية. ونستطيع القول إن سماء عيسى يتفوق من ناحية الفكرة بوصفها رؤية بصرية خالية من الجمل الإنشائية، مكثفا حركة الشخوص في تمثيلياته التي تسعى دائما للبحث عن نقطة تصبح حقا مشروعا للجميع لتشكيلها واستنتاج الدلالات الخاصة بكل فرد، وهو يضع تلك النقطة ويغلفها بفكرة، وفي كل الأحوال يجعلنا نعود إلى تلك النقطة لمحاولة تفكيكها، وعندما نقول إنه يضع نقطة في كل كتاباته التي اطلعنا عليها، إنما نعني أنه يمنح مساحة ضوء في عمق هذه النقطة. وهذا الضوء قد يكون شبّاكا مفتوحا أو نفقا طويلا أو ضوءا ونفقا في آن”.
ومن أمثلة الأفلام التي تجسد هذه الموضوعات، يشير البطاشي إلى: فيلم “بنت غربى” إذ القصة فيه من التراث الشعبي، وقد كتب سماء عيسى السيناريو الخاص بها، وشكل صورها البصرية الكاتب والمخرج عبدالله البطاشي. وفي عام 2006 أنتج الفيلم، وحصل على جوائز كثيرة، وعرض في مهرجانات عربية وعالمية، فأصبح موضة لهواة السينما في الساحة المحلية، كما كانت هناك محاولات في بعض الدول الخليجية آنذاك لاقتناص شيء من أبعاد شخصياته وتشكيلات الصور البصرية في تصويره. وقد واصل سماء عيسى فكان أن أخرجتُ له فيلم “الكارثة” المقتبس من نص مسرحي له بالعنوان نفسه، وكان الموضوع محيرا ومعقدا وطليعيا إلى أبعد الحدود، وواجه إشكالية في فهمه وتلقيه حتى على صعيد لجان التحكيم في المهرجانات التي تحار في تصنيفه ما بين فيلم روائي قصير وفيلم روائي طويل أو انتمائه إلى السينما التجريبية. وبعد فيلم الكارثة أخرجتُ له أيضا فيلم الزهرة، وهو فيلم غريب بموضوعه، ورائع وشفاف بتجليات شخصياته الحالمة المليئة بالحب والسمو نحو حياة أفضل”.

إلى الأعلى