الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عرض مسرحية (سمهري) لفرقة صلالة

عرض مسرحية (سمهري) لفرقة صلالة

جسد عرض مسرحية “سمهري” صراع العاطفة مع السلطة كما تخلل العرض صراع رجال الدين مع الشعب، والذي قدم في محافظة البريمي خلال أيام مهرجان المسرح العماني الخامس…..وتدور أحداث هذا العرض حول أحداث قصة وقعت في مدينة “سمهرم” الأثرية في مدينة صلالة منذ آلاف السنين. والتي تتحدث عن “ملك” كان يحكم مدينة جمعت بين الاضداد في أحداثها وشخصياتها؛ حيث الحكمة والجبروت والقوة والرحمة والعدل . وكان لهذا الملك ابنة وحيدة تدعى ” نانا” ، طلب “سمهري” يدها للزواج من والدها الملك …مما جعل “القداس ” عبدة الآلهة في المعابد يثورون عليه.. وكان هذا عاملا مهما في إشعال فتيل الفتنة بين رجال الدين “الشعب” والكهنوت والملك باسم الدين والوطن … وجميع ذلك كثف الحدث وجعل الصراع بين الطرفين محتدا ، بينما كان سمهري وابنة الملك هم ضحايا ذلك الصراع الطبقي الديني السياسي.
وفي جو لا يخلو من أجواء “الأساطير” التي تعود إلى ما قبل الميلاد، حيث ألتفت المسرحي عماد الشنفري إلى أحداث طوتها الأيام و دفنت أسرارها في مدينة “سمهرم” الأثرية بمحافظة ظفار. فيما كشفت عنها الحفريات الأخيرة، لتروي لنا قصة من غابر الازمان، حيث دخان اللبان ورقصات الجن ، واللغة الشحرية – وهي من اللغات القديمة في المحافظة – ….تخللتها جماليات كثيرة تداخلت مع مفردات العرض لترسخ “الصورة الذهنية ” لدى المشاهد على إيقاع الطبول وصوت البوق .. بينما مجموعة الجن والعفاريت يقومون بحماية الملك والكهنة في طقوس عجائبية فريدة.
ولابد من الإشارة هنا إلى ارتباط مدينة “سمهرم ” بشجرة اللبان المقدسة التي لا تكاد بقعة في العالم ، إلا وتوجد فيها؛ خاصة في المعابد والكنائس، وهي أيضا حاضرة في شعائر ديننا الإسلامي :”الملك: يا شعب بلاد سمهرم ومعين … منذ أن حكمناكم زرعنا الشجرة المقدسة… فوصلت الى أقاصي الارض تبخر أركان المعابد .. وتطرد الارواح الشريرة … وتحنط أجساد الملوك .. فزادت خزائننا بالذهب …وأصبحتم بعيش رغيد…”
ومن الشخصيات الرئيسة في هذا العرض شخصية الملك “عزليط ” ، الذي يظهر وهو محاط بعشرات من الجان على خشبة المسرح ، بينما دخان اللبان يغشي المكان ليكثف الايحاء بأسطورية المكان والزمان …وهو على الأغلب يستمد سلطته من الجن ومن الكهنة الذين يحيطون به و هو يأخذ برأيهم. كما ظهرت بجانبه ابنته “نانا” وهي فتاة حسناء تضع على رأسها التاج ، أما ثالث الشخصيات المحورية هي شخصية “سمهري” أمين الخزنة الذي أراد الزواج من ابنة الملك.
ويحسب للعرض “جمالياته البصرية المتنوعة” التي رسمت أبعادها السينوغرافيا العامة، بدء من قصر الملك وبعض الأشكال التي أخذت من مدينة “سمهرم” القديمة في محاولة لقراءة الأسطورة …إضافة إلى “الكورس” الذي يمثل مجتمع الجن والسحرة، الذين حاولوا تطويع أجسادهم بطريقة رشيقة، تمكنهم من الزحف على المنصة يمينا ويسارا، بطريقة غريبة تماثلت مع عالم الجن حسب ما ذكرته المصادر من وصف لها .
فيما شكلت “الازياء” ملمحا ملكيا، حيث ظهر الملك والاميرة وسمهري وهم يرتدون أزياء تتلاءم مع طبيعة أدوارهم، كما برز دور “الماكيير” في وضع المكياج وتوظيف الإكسسوارات الأخرى، بما يتناسب مع المرحلة التاريخية المذكورة التي ساهمت جميعا في تأكيد موضوع المسرحية .
ويمكن تتبع “الحدث المسرحي” لهذا العرض الذي جسد البُعد الطبقي بين الغني والفقير والسيد والعبد…وهو صراع أزلي في نسيج المجتمعات مستمر حتى وقتنا الراهن، ويمكن تلمس أبعاده كالآتي :”سمهري: عفوك أميرتي … العين لا ترفع نظرها لمن هم أعى شأن منها…. أنتي تعلمين بأنني خادم في بلاط الملك، وأنتي أميرة ابنت ملك أبن ملك …. فكيف للخادم أن ينال شرف حب بنت الملك”
كما لعبت الشخصيات الأخرى دورًا مهمًا في تأجيج ذلك الصراع ، حيث قامت شخصية ” طرش” بدور مهم في زعزعة العلاقة بين الملك وابنته ، فهو ناقل جيد للأحداث : “طرش: أنها تحب خادما من خدامك .. لا يليق حتى بشعرة من رأسها.. أنها تحب أمين الخزنه … ذلك الشاب المدعو سمهري…”.
فيما قامت شخصية الجني”طرش” بدور مهم في زعزعة الاحداث واثارة الفتن، واستطاع الفنان الذي أدى الدور أن يطوع جسده لتقديم دوره بصورة احترافية جمالية، حيث كان تمتع بمرونة مكنته من تطويع جسده والالتفاف حول نفسه ، إلى جانب الكشف عن خفايا شخصيته ، كما في المقطع التالي: “نانا: ولكنه …خبيث …. يفتن بين الاخ وأخيه…الملك: لا عليك منه …ها … ماذا هناك”…إضافة إلى ذلك فقد خطط “طرش” للتخلص من سمهري، من خلال تدبير خطة تمكنه من الايقاع بسمهري في المواجه بينه وبين الملك:” الملك: إذا فلتأخذ هذا السيف وأقطع رقبت صديقك سام… يراهنا على حبك وإخلاصك لها..
سام: مولاي وما دخل رقبتي في إخلاصه….سمهري: سيدي ومولاي ان خنت صديقي فسوف أخون غيره … وليس طبعي الخيانة … لذا ارضي بان تقتلني وترحمني من هذا العذاب .. ولا أن أعيش مسلوب القلب أو خائن العهد وكلاهما مر وقاتل”
وهناك مفارقة كبرى اتضحت من خلال العرض، حيث أن مؤامرة “طرشي” للإيقاع بسمهري، إلا أن الملك استطاع في النهاية الكشف عن حقيقة سمهري، والذي يرفض قتل صديقه وخيانته : “الملك: بل برهن على إخلاصه للعهد الذي بينه وبين صديقة… … لأن من يخون مرة سوف يخون مرة أخرى …. سمهري سوف أعينك وزيرا… حتى لا تغيب عن ناظري وأرى أن كنت جديرا بحب الملكة”
ومن ناحية أخرى، سرعان ما حالنا العرض إلى صراع آخر، يتمثل في الصراع حول المعتقد الديني، حيث برز فريقان الفريق الأول يتمثل في الكهنة، أما الآخر فيتمثل في اصحاب الديانة السماوية…كما برزت شخصية “طرش” كشخصية تحيك المكائد وتزرع الفتن بين الرعية . ويمكن سماع صوت البوق، ودخول الكهنة وهم يحملون العصي :”شالح: ان يجبرون على عبادة ديننا … خير لهم من عقاب الاله…سمهري: مولاي أن الدين في كل الأزمان شنت علية الحروب … وصلبتله الاجساد … وعلقت له الرقاب … فسالت الدماء … وحلت اللعنة…. ولكل قوم اله … ونحن نعيش جميعا بسلام أمنين .. فلماذا نفتح باب الفتنه ..”.

كما اتضحت جهود سمهري في تهدئة الصراع بين الكهنة وأصحاب الديانة السماوية الأخر الذي كان يتزعمهم والده، إلا أن الكهنة الوثنيين والعفاريت حالوا دون ذلك:
“سمهري: أبتي لقد حاولت أن أثني الملك عن قراره ولكن الكهنة أقنعوه…عوض: كيف لك أن توافق الملك بشيء يخالف شريعتنا وشريعة أجدادنا … انه ديننا الذي وصينا علية بأن نحميه كيف لنا أن نغضب الرب لا يمكن أن نقبل تغييره أو أتباع كهنة يريدون لنا الموت ”
وتطور الاحداث، حيث نشاهد سمهري يطلب منه التخلص من الملك كونه الأقرب إليه، خوفا من وقوع الفتنة بين الشعب: “عوص: إن لم تقتل الملك يا سمهري … لقتلتك أنا بنفسي … فلا تجعل مني أضحوكة لقومي بعد ان كنت سيدا بهم … فيقال جبن الاحفاد فضيعوا دين إبائهم…عيلام: انه خنجر من سم الافاعي الطائرة … سمها ينفذ للقلب قبل رمشة العين وأن لم تشق الصدر يكفي ملامسته للجلد فيقتل”
وفي المشهد الأخير شرع سمهري بقتل الملك بالخنجر المسموم غدرا، مثولا عند رغبة والده وبقية الشعب، وقام يطعنه غدرا …وتسارع “نانا” إلى قتل سمهري ثأرا لأبيها المغدور به:
“نانا: يا ليتني نسيا منسيا… أه يا خنجر الخيانة… سوف أقتلك … سوف أقتلك….يا ليتك مت قبل هذا ”
ولقد اتضحت “الرؤية الإخراجية” التي قدمها الشاب خالد الشنفري للعرض من خلال “بانوراما ارؤية البصرية للعرض” حيث ظهر بلاط الملك وأعمدة المعابد وغيرها من الرسوم ذات الابعاد الدلالية، والتي صممها منفذ الديكور في عمق المسرح . وفي المقابل، فإن المخرج كانت أمامه مهمة إدارة المجاميع المشاركة ومساحة خشبة المسرح المكتظة بالمجاميع ذات الاداء الاستعراضي …وهذا بدوره حد من التوسع في الرؤية الجمالية التي كانت ستتضح …لو كانت مساحة خشبة المسرح أكثر اتساعا.
أما على مستوى الاداء التمثيلي فقد برز الفريق الفني ذات الاداء الاستعراضي والتعبيري من الجان والعفاريت بأدوارهم المميزة… ناهيك عن الذين قاموا بدور الكهنة ، الذين سعوا على رفع إيقاع العمل قدر الإمكان.
فيما تلمست “الموسيقى التأثيرية” ذات الإيقاع الظفاري الحدث السمهري، وتفاعلت مع شخصية سمهري وابنة الملك نانا من خلال توظيف الأغاني الظفارية ذات الإيقاع الغنائي الظفاري الجميل .

عزة القصابية
ناقدة وكاتبة مسرحية

إلى الأعلى