الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / صورة الجزائر في الشعر العُماني الحديث

صورة الجزائر في الشعر العُماني الحديث

الجزائر ـ (العُمانية) :
تضمّن العدد الأخير من مجلة المجمع الجزائري للُّغة العربية، وهي مجلة علمية محكمة تصدر مرتين كلّ عام، دراسة للدكتور حواس بري، الأستاذ بجامعة الجزائر تحت عنوان “الجزائر في الشعر العماني الحديث.. المضمون والأداء”. تتناول الدراسة الشعراء العمانيين الذين اهتمُّوا بالجزائر، وعاشوا معها بوجدانهم وبعطائهم تعبيرا عن العلاقة الوطيدة التي تجمع بين البلدين الشقيقين.وقسم الباحث دراسته إلى محاور ثلاثة، أولها المحور الثقافي ويمثله، كما وقف عليه الشعراء العُمانيون، علماء المذهب الإباضي في الجزائر، خاصة ما شكّله معهد الحياة بالقرارة، بوصفه مجمعا علميا وصرحا ثقافيا، وقلعة من قلاع الجزائر المجاهدة.
في بداية هذا المحور، وقف الباحث عند شيخ العلماء العلاّمة محمد بن يوسف إطفيش الذي عُرف بعلمه وبغزارة إنتاجه، إلى درجة أنّ المفكر الإسلامي الكبير مالك بن نبي قدّم شهادة فيه في السجل الخاص بمكتبة القطب التي ضمّت تآليفه جاء فيها: “إذا افتخرت مكتبات العالم بما حوته من مؤلفات، فإنّ مكتبة القطب تفخر بأنّ ثلثيها من تأليف صاحبها”.
كما عُرف عن القطب مقاومته الاستعمار الفرنسي، ودعوته الجزائريين إلى المحافظة على الإسلام والالتفاف حوله، كونه صمام الأمان وقارب النجاة، إضافة إلى هذا فإنّ القطب عُدَّ في زمانه مرجع المذهب الإباضي، مشرقا ومغربا.
وقد كان لوفاته أثرٌ عميقٌ على الجزائر والأمة الإسلامية، حيث وقع الخبر كالصاعقة على الشاعر العماني ناصر بن سالم الرواحي، المكنّى بأبي مسلم، فرثاه بقصيدتين طويلتين، يقول في إحداهما:
لو دافع الصبر حُزنا ثم أذهبه
لكنتُ بين رجال الصبر كالجبل
لكن من الخطب خطبٌ لو يُقاومه
صبر الجليد انثنى بالدحض والفشل
فقدتُ كفل اصطبار كان يكفُلني
في النائبات فخان الآن مُكتفلي”.
ويُعرّج الباحث في المبحث الثاني من المحور الثقافي على معهد الحياة في مدينة القرارة الذي يُعدُّ معقلاً من معاقل الجزائر العلمية تخرّجت منه كوادر لا يُحصيها العدُّ ليس في الجزائر وحسب بل في الوطن العربي والعالم الإسلامي. وفي هذا المعهد تعلّم الطالبان العُماني والجزائري جنباً إلى جنب وتخرّجا معا، وما زال هذا الصرح العلمي الكبير يلعب دوره في توطيد العلاقات العُمانية الجزائرية.
وفي عهد عُمان الزاهر، عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد / حفظه الله / فإن عُمان كما يوضح الباحث، ردّت التحية باستقبال الطلبة المتخرجين في معهد الحياة، إذ خُصّصت لهم مقاعد دراسية في مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية الذي يلعب دوره المتميّز في تعزيز هذه العلاقة والعمل على ترقيتها من خلال الزيارات التي يقوم بها العلماء من عُمان إلى الجزائر للتشاور والتعاون في الموضوعات ذات العلاقة.
ونظراً لهذه القيمة الكبيرة التي يكتسيها معهد الحياة، راحت قريحة الشيخ العلاّمة سالم بن حمد بن سليمان الحارثي تتدفقُ شعراً بعد إحدى زياراته للمعهد، حيث التقى بالعلماء المرابطين للتدريس فيه، فخصّ بالذكر الشيخ العلاّمة إبراهيم بن عمر بيوض، رحمه الله، فقال:
“للمعالي فليعلُ من قد تعالى
هكذا هكذا وإلاّ فلا لا
أنت يا معهد الحياة سماء
أشرقت شمسُها ضُحًى تتلالى
طبت أصلاً فطاب منك فروعٌ
عمّت الأفق بهجة وجمالا
عجباً أشرقت من الغرب شمسٌ
فأتتنا للشرق تكسو الجبالا”.
أما عن الشيخ بيوض فأنشد يقول:
“ربّ متّع بيوض عمراً طويلا
نتحلّى بالقرب منهُ كمالا
وتقبّل إخلاصه وعناهُ
وأنل ناصريه منك نوالا
بارك الله في حياتكم وخُطاكم
وكساكم مهابة وجلالا
وتولاكم بركن شديد
وحماكم من كلّ سوء تعالى”.
ويفتتحُ الدكتور حواس بري محوره الثاني من هذه الدراسة القيّمة، بالحديث عن الشعراء العمانيين والثورة الجزائرية التي وجدوا فيها -على غرار الكثير من نظرائهم العرب- الأنموذج الحيّ للإنسان المنتصر على ذاته، ثم على الذي سلب أرضه وانتهك مقدّساته. وبقدر ما تعاطف الشعراء العُمانيون مع الثورة الجزائرية جعلوها مرجعية لكلّ من يريد أن يتحرّر في العالم.
ومن الشعراء العُمانيين الذين جعلوا الثورة أحد مضامينهم الشعرية، نجد الشيخ عبد الله الخليلي، والشاعر الشيخ سليمان بن خلف الخروصي، والشاعر القاضي الشيخ حميد الله بن حميد الجامعي المكنّى بأبي سرور.
فقد نظم الشاعر الكبير عبد الله الخليلي قصيدة هنّأ فيها الشعب الجزائري بمناسبة استعادة حريته اختار لها عنوانا يدلُّ على العلاقة الوطيدة بين الشعبين العُماني والجزائري “إلى إخواننا في الجزائر”، قال فيها:
“جزائر النجدة هذي العلى
جاءتك كالأشقر في شكله
جاءتك والأيام في غيظها
كموقد النار على جزله
تنساب في استعمار هامية
تدمدم الشعب على أهله
لكنّه شعبٌ أبيٌّ أبى
أن يبرد الحوض لمحتلّه
كاللّيث في غابته حاذرٌ
أن يصل الضرُّ إلى شبله”.
أما الشاعر الخروصي فأنشد قائلاً:
“هو المجد حيث الجد حيث العزائمُ
وحيث المذاكي والقنا والصوارمُ
هو المجد حيث الطائرات أمامها
قنابل فيها الموتُ أسودُ قاتمُ
هو المجد حيث المدفع الضخم إن رمى
أزال الرواسي فهو للشمّ هادمُ
هو المجد حيث السيف يلمع ضاحكًا
تسيل دمًا منه الرُّبى والمعالمُ
هو المجد حيث الحرب يحمي عرينها
ليوثٌ مقاديمٌ كماة ضراغمُ
كشعب أبيّ في الجزائر قد غدا
يناضل حقّا والشهود العوالمُ”.
أما القاضي أبو سرور، فقد عشعشت الثورة الجزائرية في عقله وقلبه، ممّا حدا به أن يتابعها ويتلقف أخبارها في الصحافة المكتوبة والمسموعة، وحين سمع بخبر انتصارها واستعادة الجزائر استقلالها، وهو يجني الرطب من على نخلة، كتب قصيدة “مليون النصر” على كلتا يديه، لمّا لم يجد قرطاساً، فقال:
“المجد يزهو ويزكو روضه النضرُ
حيث القنابل لا تُبقي ولا تذرُ
حيث العزائم أدهى من قنابلها
حيث الممات وحيث الورد والصدرُ
حيث السياسة شورى بين قادتها
إمامهم نور ما جاءت به السورُ”
إلى أن يقول:
“لله قومٌ -على حرب العدا- وُلدوا
فعانقوها لباساً وهي تستعرُ
مليون شهم من الأبطال قد قُتلوُا
في نيل حرية حبّذا الوطرُ
قالوا الجزائر عطشى للدما شرفًا
فأمطروها دمًا فاخضرّت الجُزُرُ”.
ويُنهي الشاعر قصيدته بأن تحيا الجزائر عزيزة سعيدة، وكم كان يرجو أن يكون بمعيّة إخوانه والحرب حامية الوطيس فقال:
“تحيا الجزائر في عزّ وفي شرف
سعيدة وعدوُّ الله مندحرُ
يا ليتني معكم والحربُ كاشرة
عن نابها وبكفّي الصارمُ الذكرُ”.
وفي المحور الثالث والأخير من هذه الدراسة، غزيرة المعلومات، ينقلنا الباحث للحديث عن “الشاعر الدبلوماسي” الذي مثّل وجهًا من أوجه التكامل بين الشعبين الشقيقين الجزائري والعُماني، وهنا يبدأُ الباحث وقفته عند الدبلوماسي المحنّك والأديب الشاعر، السفير الأسبق للسلطنة في الجزائر، هلال السيابي الذي مثّل السلطنة أحسن تمثيل.
ويوضح الباحث أنّ سيرة السيابي العطرة، كانت تسبقه إلى كلّ مكان، متوقفاً عند قصيدته “وداعُ الجزائر” التي قسّمها الشاعر إلى أربع لوحات تناولت أولاها تعلُّقه بالجزائر التي أسرته بجمالها الأخّاذ، وصوّرت الثانية تعلُّق قلبه بالجزائر، وكيف أنّه لا يتصوّر الرحيل عنها إلى عُمان بغير رجعة، بل يرى وداعه إياها ضربًا من العبث، كونه يتنقل بين أمّهاته كالطفل الصغير، يودّع هذه لتستقبله تلك في الوطن العربي الكبير. وأما اللوحة الثالثة، فيتحدث فيها عن مرة أخرى عن جمال الجزائر وقد شُغف بها، ثم يُعرّجُ إلى الثورة الجزائرية يذكرها بوصفها المرجع الذي يعود إليه من شاء أن يتحرّر من الغزاة.
وآخر لوحات القصيدة، ضمّنها الشاعر تجربته مع المحنة التي عاشتها الجزائر خلال العشرية السوداء التي كان فيها كالبلبل الوديع الذي يتنقّل بين أغصان الشجرة وارفة الظلال.
يقول الشاعر هلال السيابي في اللوحة الأولى مخاطباً الجزائر:
“بيني وبينك عشقٌ عابقٌ وندي
فلستُ عنك -وإن أرحل- بمبتعد
ولي بواديك أصداء مؤرّجة
تنساب كالعطر بين القلب والكبد
ترفُّ منها غوالي الذكريات فما
إلا الروائع تحكي روعة البلد”
إلى أن يقول:
“فها هنا وهنا كانت مجالسنا
مع الخمائل بين الزهر والبرد
وها هنا وقفة كانت لمركبنا
يشدُّ المجد مزهوًّا يدًا بيد”.
أما اللّوحة الثانية فيتساءل فيها الشاعر:
“أراحلٌ أنا؟ لا والله لا رحلت
روحي وإن جاب في الآفاق بي جسدي
أرضُ العروبة أرضي أينما ذهبت
ركائبي فهي لي كالأم والولد
فما أغادرُ في أرضي ولا وطني
إلا إلى وطني، والله، أو بلدي”.
وفي اللّوحة الثالثة خاطب الجزائر في لحظة الوداع فقال:
جزائر المجد إن أرحل فما رحلت
روحي ولا ملهمات الشعر من كبدي
هذي الفتون الغوالي فيك تسكنني
فمن لنفسي بالترحال من خلدي”
إلى أن يقول:
“عشقتُ فيك السيوف الزهر لامعةً
والموت يقطر بين الدرع والزرد
أستغفر الله ما كانوا سوى نفر
بيض الأسرة والأعراف والصيد
أضواء عقبة ما زالت بأوجههم
شهباً تُضيءُ وخلقاً وارف الرشد”.
وأنهى الشاعر قصيدته كما بدأها بالحب الذي يُكنُّه للجزائر، واصفا إيّاه بأنّه حبٌّ لا يتجزأُ ولا يتعدّد، كما أنّه لا يتأثر بالقوارع والنوازل ولا يعبأُ بالزلازل، فيقول:
“عشقتُ فيك الرماح السمر مشرعة
تُردي عن الوطن الميمون كلّ ردي
عشقت فيك السيوف الزهر لامعة
والموت يقطر بين الدرع والزرد”.
وفي آخر هذه الدراسة الوافية الشافية، يستخلص الباحث أنّ العلاقة العمانية الجزائرية تضرب بجذورها في الأعماق، وقد جلّى هذا التقارب حضور الشاعر العماني في الجزائر، مهتمّاً عاشقاً، ومغتمّاً منفعلاً. واتّضح أنّ الشعر وثيقة من الوثائق التي لا يمكن تجاهلها أو الاستغناء عنها من قبل الباحث الاجتماعي أو المؤرخ والسياسي. كما تبيّن، على حدّ تعبير الباحث، أنّ النص الشعري في صورته التراثية بإمكانه معالجة القضايا التي يتناولها، ولا يضيق بها ذرعا، بل تتّسع لها آفاقه بمكوّناته التي يقوم عليها، وهو الأمر الذي لمسه صاحب الدراسة عند كلّ الشاعرين العُمانيين أبي سرور وهلال السيابي.

إلى الأعلى