الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / دور السيّاق في قراءة الأثر الفني

دور السيّاق في قراءة الأثر الفني

يعتبر الأثر الفني في الكثير من أبعاده الأساسية إبداعا للجمال، و يتطلب هذا الإبداع عبقرية لإنتاجه و لكن للأثر الفني أيضا مهام أخرى لا تتعارض مع إبداع الجميل، بما هو مطالب بان يمسّ الواقع الإنساني بعمق لأنه يعكس بشكل من الأشكال روح العصر الذي ينتمي إليه. و هذا يتنافى مع ما يتبادر إلى ذهن الكثير من عامة الناس بان الفن ليس إلا مجرد أسلوب مختلف في نقل الواقع، لان القيمة الحقيقية للفن تكمن أساسا في تجاوز الواقع من خلاله، بما معناه أن الأثر الفني ليس إعادة نقل للواقع بل إعادة خلق له و إعادة الخلق تلك ما هي سوى خلق في حدّ ذاتها. فالابتعاد عن الواقع هو ابتعاد في الحقيقة عن الحسي و المباشر لذلك و لقراءة الأثر الفني و الاقتراب منه أكثر لابد من البحث في أكثر أبعاد هذا الواقع عمقا و تأثيرا في الفنان و أحيانا توجيه مساره الفني، كالبحث في المناخ الاجتماعي و الثقافي و التاريخي… للمبدع.
النظر في سياق المبدع الاجتماعي و التاريخي و الثقافي يسمح للقارئ بان يخرج بعناصر جد مهمة تساعده لقراءة فكره و توجهاته الفنية، لأن كل إبداع إنساني هو في ارتباط وثيق بما عايشه و يحيط و يؤثر به و هذا لا يعني بالضرورة أننا نشرع هنا لعودة نظرية الانعكاس المرتبطة بالمفهوم الوضعي البرجوازي (كانط) الذي جاء في القرن التاسع عشر. لكن الاهتمام بعصر الأنوار قد يجعلنا ندرك أن العديد من مفكري القرن الثامن عشر أمثال ديدرو …قالوا بالبصمة التي تتركها الحتمية التاريخية في إنتاج الفنانين دون أن يكون لهؤلاء وعي بهذه الحتمية. و نظرية الانعكاس و الحتمية هنا لا يهمانا إلا باعتبارهما من أسس السياق التواصلي باعتبار أن الأثر الفني بصفته فعلا ينتمي إلى نسق تعبيري مخصوص يرتبط بسياق تاريخي و ذلك السياق يمنحه معناه و دلالاته، و هذا ما يدفع بنا مباشرة إلى استحضار إنشائية الأثر الفني التي أسس لها بول فاليري، لديه الإنشائية تتصل بكل ماله صلة بإبداع أثر تكون اللغة فيه مادة و جوهر في الآن نفسه يتضمن هذا من ناحية دراسة الاختراع و التأليف و التركيب، دور الصدفة، دور التفكير و النظر، و دور المحاكاة، دور الثقافة و دور البيئة. من ناحية ثانية دراسة و تحليل التقنيات، البرنامج، الأدوات المواد، الوسائل و المحامل.
هنا يمكن أن نستخلص أن الموضوع المدروس هو لا يعني فقط جملة الآثار النفسية التي ندركها في الأثر و ليس الأثر المنجز أو الأثر المشروع بل هو الأثر الفني و هو بصدد الانجاز. و بالتالي إذا أردنا أن نموقع إنتاج فني لمبدع ما يتطلب الأمر دراسة خصائص ثقافته لان الثقافة ليست جسما متجانسا و إنما تختلف باختلاف الحقب و الأماكن و الأفراد. و على سبيل الذكر هنا لا الحصر تطورت الرمزية خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر حيث لم ترتبط بمدرسة وطنية و لا بتجمع بعدد من الفنانين و لا بتقنية مخصوصة و لا بأسلوب محدد فقط كانت اغلب منجزاتها مرتبطة بتيار ثقافي عريض يمسّ الشعر و الأدب و النقد.
لذلك يعتبر السياق من النقاط الأساسية التي تلتقي فيها العديد من المباحث كالسيميولوجي و الاجتماعي و هذا يمكن لنا اعتباره مركز ثقل كبير في فهم الأثر و قراءته حيث يعد السياق من بين المفاهيم الأساسية التي البحث السيميولوجي من لسانيات سوسير(2) بما انه بشر بعلم يدرس حياة الدلائل صلب الحياة الاجتماعية، بما أن السيميولوجيا تنظر إلى الدلالة باعتبارها سيرورة حركة فهي ليست لا معطى سابق و لا لاحق للفعل الإنساني بل هي الفعل في حد ذاته بما أن كل فعل ينتج لحظة تحققه سلسلة من القيم الدلالية التي تستند في وجودها إلى العرف الاجتماعي و بالتالي يصبح فك شفرة الثقافي أمرا أساسيا للذات المتلقية بما انه يمكنها من فهم هذه القيم و استيعاب مختلف أبعادها و هذا التكامل في العلاقة بين علم الاجتماع و السيميولوجيا نجد له صدى في الفن المعاصر حيث شرع له دوشمب و الحاضر الجاهز. حيث أصبح انتقال الدليل الاجتماعي إلى المجال الفني أمرا عاديا و متوقعا في أي مجال. فبعد أن كان الفن لدى الطبقات البرجوازية سليل الخامات الثمينة (الرخام و البرنز…) أصبح اليومي و المستهلك و المتلف ممولا له و كأنه ينتقد تلك الطبقة و يجبرها على تزويق قصورها بالمتلف و المتروك بما هو احد إفرازاتها.
في نفس الإطار تنقسم نظرية بانوفكسي (3) إلى ثلاث مراحل لتحليل اللوحة الفنية أولا ما يسمى بالتحليل الايكونولوجي حيث يقوم هذا المنهج على تعيين الظاهرة ووصف ما يسميه “ما قبل – الايكونوغرافي” و هذا يتطلب ـ حسب رأيه ـ استعدادا ثقافيا و اجتماعيا.
ثانيا: التحليل الايكونوغرافي و يتمثل في النظر في المحاور، الرموز، الحكاية المصاحبة للرمز.
ثالثا: التوظيف الايكونولوجي في مجال الفن حيث يعد منهج بانوفسكي لبداية تحليل الآثار عموما إذ هو يتجاوز بنية النص إلى بيئته الاجتماعية و الثقافية. فمثلا غورنيكا هو اسم لقرية صغيرة في إقليم الباسك الإسباني تعرّضت في عام 1937 لهجوم بالطائرات والقنابل على أيدي القوات التابعة لنظام فرانكو بمعاونة من جنود ألمانيا النازية. وقد راح ضحيّة المذبحة أكثر من ألف وستمائة شخص. في سياق هذه المجزرة ولدت اللوحة الشهيرة غورنيكا للرسّام الاسباني بابلو بيكاسو لتعبر عن تلك الفاجعة و ما صاحبها من ردود أفعال و استنكار . ركز من خلالها الفنان على رموز توحي بهمجية العدوان و لا إنسانيته ربما بحضور رأس الثور و تلك المصابيح المرفوعة جاءت لتسلط الضوء على الجثث و الأشلاء المتناثرة في كامل فضاء اللوحة الذي غاب عنه مرتكبو الجريمة بقصد من الفنان الذي سأل مرارا و تكرارا على دلالات اللوحة و كان يرفض قائلا انه دور المتلقي فك شفرات هذا العمل و الوصول إلى مضامينه. و الذي يتطلب دراية بتلك الحادثة و تفاصيلها لفهم عمق اللوحة.
كما أن السياق بمختلف تجلياته يمكن أن يكون قد اختزنته ذاكرة الفنان أيضا فلا يكون التعبير عنه آنيا و مباشرا كما حدث مع بيكاسو في لوحة الغورنيكا بل يتطلب وقتا ليظهر و يؤثر في الأثر الفني و هنا يمكن أن نستحضر ما قاله نيتشه في حديثه عن الفن و الإلهام “حين تكون الطاقة الإبداعية قد تراكمت بعض الوقت، لان عائقا ما منع تصريفها، فإنها في نهاية الأمر تنصرف في سيل مفاجئ كما لو أن إلهاما مباشرا حصل دون أن يكون هناك عمل داخلي قبلي، أي انه قد حصلت معجزة، هذا هو الوهم الشهير الذي يهتم كل الفنانين، … بالحفاظ عليه. أن رأس المال قد تراكم فقط، و لم يسقط من السماء فجأة.”(1) بما معناه أن الإلهام اللحظي و الآني ليس له وجود و إنما تراكم الخبرات البيئية و التأثيرات الثقافية و الاجتماعية… وإلى غير ذلك من العوامل المؤثرة في فكر الفنان هي المنبع الأساسي لإبداعه بتراكمها و اصطدامها بعائق حال دون تصريفها وقتيا فجاءت فيما بعد كمنابع الهام لتربط المبدع بسياقه أكثر فأكثر و هذا يتطلب من القارئ دراية أكبر بمختلف مراحل حياة الفنان و المحطات المهمة و المؤثرة في حياته فأحيانا يرسم الفنان أشياء يومية تبدو للمتلقي للوهلة الأولى عادية و لكن يجب عليه الإلمام بكل ما يحيط بحثيات رسم ذلك الشيء لان الفنان عادة يقصد جوهر الشيء فيستعيره ليعبر بالجزء عن الكل حيث يقول هيدغير و هو يتحدث عن لوحة الحذاء لفان غوغ “…ولكن هل نعني أن لوحة فان جوخ تقدم رسم حذاء فلاحي موجود و تعتبر بذلك عملا فنيا لأنها نجحت في رسمه؟ هل نعني أن اللوحة تأخذ نسخة من الواقع و تضعها في إنتاج فني؟ كلا فالأمر ليس كذلك.انه لا يتعلق بإعادة التعبير عن الموجود المفرط الحاضر في كل مرة، و إنما يتعلق الأمر على العكس من ذلك بالتعبير عن الجوهر العام للأشياء” أي أن ما يحيط بالفنان لا يهم من حيث هو موضوع قابل للنقل بأسلوب جميل بل من حيث هو فكرة تنتج الجميل المرتبط بسياق الفنان و بحثه عن مواضيع تمسّ الواقع الإنساني بعمق و هذا ما تجلى بوضوح في لوحة الحذاء لفان غون. حيث لم نر حذاء رسم بدقة بقدر ما رأينا حجم المعاناة التي نقلها رسم ذلك الحذاء، التعب و الجهد و القدر الكبير من التحمل حيث يقول فيو في هذا الإطار “الفن العظيم هو الذي يدرك روح الأشياء، هو الذي يدرك ما يربط الفرد بالكل و يربط كل جزء من اللحظة بالديمومة الأبدية” فالفنان في النهاية فرد من الكلّ و ممارسته و إبداعاته سوف تكون ضمن هذا السياق الذي يجمعه بالبقية و ما عليه سوى النظر إلى روح هذا السياق و الإبداع من خلاله لذلك و لفهم ما وراء المرئي في اللوحة على القارئ العودة قليلا إلى تفاصيل العصر الذي أنتج فيه الأثر ليقوم بعملية التأويل اللازمة و تكون لديه الأدوات لذلك حتى يتفادى عمليات الإسقاط و تحميل الأثر و دلالاته ما لا يتحملانه. فمثلا مثل ذلك القلق الوجودي العنيف الذي ساد في بلدان شمال أوروبا، سمة الفكر و الإبداع حينها ففي بلجيكا أنتج هذا القلق الكوابيس التي نراها في أعمال جيمس.أنسور (1860-1949) و الهم هذا القلق في النرويج الفنان الكبير ادوار مانش (1863-1944) …
كما تعتبر تجربة فرنسيسكو غويا (1828-1746) أحد رواد الحركة الرومنطقية من أكثر التجارب التي تمس الواقع الإنساني بعمق و التي يمكن فهمها قياسا للسياق الذي جاءت فيه فقد تعرض هذا الفنان إلى صراع و رفض كبيرين من قبل محكمة التفتيش بتهمة الخروج عن تقاليد الكنيسة و الذوق العام من خلال نقده الحاد الذي جاء في مجموعة “نزوات” و التي اتهم فيها بالنقد و السخرية من رجال الدين. إضافة إلى أعماله التي تجسد و تسلط الضوء على قسوة الحروب و إعدام الإنسانية و خاصة معارك الاحتلال الفرنسي لاسباني (لوحة الثالث من مايو 1808 التي أتمها سنة 1814. أغلب لوحاته صفحات تؤرخ لسياقها بمختلف مآسيه و جبروته و فيما بعد أعماله التي جاءت نتيجة اكتئابه على وفاة زوجته و أبنائه.
من هذه المنطلقات يمكن أن نستخلص أن إختلاف السياقات يجعل معنى الأثر يختلف و تتنوع دلالاته كذلك حسب موقع من يتلقى هذا الأخير تاريخيا و ثقافيا…بمعنى أن هذه النسبية على مستوى القراءة تجعل دلالات الأثر بدورها نسبية تقبل التغيير و الإضافة و النقصان وهذا هو دور فعل التأويل.

هوامش:
1- نيتشه، انساني مفرط في انسانيته ج1، ترجمة محمد الناجي (مع التعديل) افريقيا الشرق2002،ص981
F.Nietzsche,Humain Trop humain
2- فردينان دي سوسير:(1857/1913)
عالم لغويات سويسري يعتبر المؤسس لمدرسة البنيوية في اللسانيات في القرن العشرين كان أول من أعتبر اللسانيات كفرع من علم أشمل يدرس الإشارات الصوتية أقترح دي سوسير تسميته
و يعرف حاليا بالسميوتيك أو علم الإشارات Semiology
3- بانوفسكي: يُعدّ إروين بانوفسكي من المؤسّسينَ لعلم الصّور، وعُرِفَ بدراساتِه حول الرّموز
وحول أيقونوغرافيا الأعمالِ الفنّية، وذلِك من خلالِ مؤلَّفاتِه
La Vie et l’art d’Albrecht Dürer*
[وهي أطروحته للدّكتوراه سنَة 1914م] La Perspective comme forme symbolique, 1927*
وقد أعيد طبعُ هذا الكِتابِ في مطابِع مينوي سنةَ 1975
Essais d’iconologie*

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى